كان كولن ويلسون أديبًا وفيلسوفًا بريطانيًا
من طراز فريد، وُلد في ليستر سنة 1931 ورحل عن عالمنا في 2013. ذاع صيته بكتابه
الأول "اللامنتمي"، الذي نشره وهو في ريعان شبابه، وحقق به نجاحًا منقطع
النظير في الساحة الثقافية البريطانية.
محطات بارزة في فكره ومنجزه
- تناول في "اللامنتمي" انعزال
المبدعين عن مجتمعاتهم، وسعى لفهم القلق الوجودي الذي يراود من يشعرون بأنهم غرباء
عن التيار الاجتماعي السائد.
- على الرغم من إقبال الجماهير على كتبه،
تعرض لانتقادات حادة من النقاد الذين وصفوا أعماله بـ"المزيفة" أو
"المليئة بالنفاق".
- لم يثبطه ذلك عن مواصلة الكتابة، فأنتج
أكثر من 100 كتاب غطت مجالات متنوعة كالفلسفة، وعلم النفس، والرواية، وعلم
الجريمة، وحتى الخيال العلمي.
- من بين أبرز مؤلفاته الأخرى: "الدين
والتمرد"، "عصر الهزيمة"، "قوة الحلم"، "طقوس في
الظلام"، و"القفص الزجاجي".
فلسفته
آمن بأن الإنسان "اللامنتمي" يتمتع
بحساسية فائقة، وأن قضيته الأساسية هي "الحرية الروحية" وليست السياسية.
رأى أن الدين هو جوهر الحرية، ولهذا كان "اللامنتمي" يلجأ إليه غالبًا
كملاذ وجودي.
"اللامنتمي": كتاب
يرفض الانتماء حتى لذاته
بينما كنت أتجول بين أروقة مكتبة
"كانديلا"، وقع بصري على كتاب "اللامنتمي" للبريطاني كولن
ويلسون. دفعني الكتاب للتساؤل: كيف اختلفت قراءة هذا الكتاب اليوم عن قراءته في
الخمسينيات؟ وهل لا يزال "اللامنتمي" يحافظ على حضوره بعد مرور سبعين
عامًا؟
الكتاب الذي يتغير عند كل
قراءة
كيف أعاد كل عصر تفسير
"اللامنتمي"؟
في الخمسينيات، رآه النقاد "تهديدًا
للأخلاق"، واعتبره المثقفون تجسيدًا لجيل غاضب بلا سبب. في الثمانينيات،
تحوّل إلى "دليل تمرد" لرواد الموجة الجديدة، حيث أضاف ولسون فصلًا عن
"اللامنتمي" في عصر الروبوتات. أما في عام 2020، أصبح الكتاب مرآة لجيل
يعيش اغترابًا رقميًا، و "لم يعد هذا الكتاب خيالًا... إنه وثيقة
تاريخية".
"اللامنتمي" الذي لم
يتغير
ما الذي بقي ثابتًا عبر كل
الطبعات؟
1. الجملة الافتتاحية: "هناك عالم آخر،
لكنه يقع داخل هذا العالم". بقيت كما هي، مع تعديل علامات الترقيم في عام
2020.
2. قائمة الأبطال: من فان غوخ إلى كافكا...
نفس الشخصيات، لكن مع إضافة "ديفيد بوي" في عام 1982.
3. الفصل الأخير: "كيف تعيش
كلامنتمي" - نصائح لم تتغير، لكن سياقها اختلف بشكل كبير.
الكتاب الذي يرفض أن يُختزل في
طبعة واحدة
بعد قراءة الطبعات الثلاث، أدركت أن
"اللامنتمي" ليس مجرد كتاب، بل كائن حي يتنفس عبر الزمن. كل طبعة هي
مرآة تعكس عصرها:
1. مرآة مكسورة تعكس غضب ما بعد الحرب (1956)
2. مرآة سوداء تعكس تمردًا بلا هدف (1982)
3. مرآة ذكية تعكس وحدة رقمية (2020)
في النهاية، السؤال ليس عن الطبعة الأفضل، بل
أي طبعة تعكس اغترابك أنت؟
الغريب الذي لا يشيب
عندما أغلقت الطبعة الأخيرة، أدركت أن كولن
ويلسون لم يكن يكتب عن "اللامنتمي"، بل كان يكتب "اللامنتمي"
نفسه: كائنًا لا ينتمي حتى إلى كتابه، يتنقل بين السطور والطبعات والعصور، معلمًا
إيانا أن بعض الكتب لا تُقرأ، بل تُعاش – ثم تُترك كأثر على رف الزمان.
هذه المراجعة ليست تقييمًا للكتاب، بل شهادة
على أن الأعمال العظيمة: تتجاوز الزمن بتغيير معانيها مع كل جيل، وتمنحنا الجرأة
لرؤية أنفسنا في مرايا متعددة، وتظل غريبة عن أي محاولة للتصنيف. الكتب الخالدة هي
تلك التي ترفض أن تنتهي عند الصفحة الأخيرة - ملاحظة هامشية في طبعة 1982. هذه
ليست نهاية القراءة، بل بداية حوار مع "اللامنتمي" الذي يسكن فينا
جميعًا، والذي ينتظر فقط الكتاب المناسب ليقرأنا قبل أن نقرأه.
اللامنتمي: اغتراب الذائقة بين المثال والفوضى
اللامنتمي: اغتراب الدّال عن المدلول
اللامنتمي: اغتراب المواطن عن الجسد السياسي
اللامنتمي في زمن العلمانية: اغترابٌ في مملكة الحياد

تعليقات: (0) إضافة تعليق