اللامنتمي: اغتراب الفرد في مملكة الحقوق والواجبات

 


المواطن الذي اختفى من السجلات الرسمية

عندما طلبوا منه إثبات هويته ببطاقة، أخرج مرآة صغيرة وقال: هذه كل وثائقي. في عالمٍ تُقاس فيه قيمة الوجود بالوثائق والانتماءات الرسمية، يظهر "غير المنتمي" كشخصية ترفض الاختزال إلى رقم في سجل حكومي. في هذا المقال، نستكشف معاً:

لماذا يمثّل "غير المنتمي" تهديداً للنظام السياسي القائم على فكرة المواطنة التقليدية؟ وكيف يحوّل رفضه للانتماء الجغرافي المواطنة من مفهوم قانوني إلى مسألة وجودية؟ وما إمكانية بناء مفهوم جديد للمواطنة يتّسع لمن يرفضون التصنيفات الجاهزة؟

 

المواطن الذي لم يوقّع العقد

عندما طُلب منه ترديد قسم الولاء، سأل: لمن أُقسِم؟ للوطن أم لفكرة الوطن؟

في عالمٍ يقاس فيه الانتماء بوثائق وحدود، يقف "غير المنتمي" كشاهدٍ على تناقضات المواطنة الحديثة: كيف تكون "مواطناً" في نظام يقدّس الانتماء، لكنه يفرّغه من معناه الإنساني؟ هنا، نستكشف اغتراب من يرفض أن يكون رقماً في سجل الدولة، دون أن يجد مكاناً خارجها.


"غير المنتمي" كـ "عيب" في نظام المواطنة

1. ضدَّ المواطنة "كعضوية إجبارية": لماذا أولد مواطناً دون أن يسأل رأيي؟ (تساؤل يزعزع فكرة "الجنسية بالميلاد").

نقدٌ لمفهوم روسو عن "الإرادة العامة": هل تمثّل بالفعل كل الأفراد؟

2. ضدَّ اختزال المواطنة إلى وثائق: جواز سفري يقول أنني أنتمي… لكن قلبي يقول عكس ذلك (إشكالية الهوية القانونية مقابل الهوية الوجدانية).

3. ضدَّ واجبات بلا حقوق فعلية: أدفع الضرائب، أخدم الوطن… لكن أي وطن يخدمني؟ (سؤال الطبقات المهمّشة).

"غير المنتمي" لا يكره الوطن… هو يكره أن يفرض عليه حبٌّ جاهز.


مواطنة بلا حدود: كيف يعيد "غير المنتمي" تعريف الانتماء؟

1. المواطنة كاختيار يومي: ليست وثيقة إثبات، بل "ممارسة حرة" (كما ترى الفيلسوفة إيتيل بلانش).

2. المواطنة الكونية: أنا من المكان الذي أزرع فيه صدقاً (تأثّراً بفكرة ديوجين: "أنا مواطن العالم").

3. المواطنة كمسؤولية أخلاقية: الالتزام بالإنسان قبل الأرض (كما في مواقف المنشقين عن الأنظمة القمعية).


 اغتراب أم وعي جديد؟: ثمن الرفض وإمكانياته

1. إيجابيات موقف "غير المنتمي": كشف زيف الشعارات الوطنية التي تخفي الاستغلال، ثم رفض المشاركة في صراعات هوياتية (طائفية/قومية).

2. تحديات موقف "غير المنتمي": فقدان الحماية القانونية (مثل عديمي الجنسية)، ثم الوحدة في عالم لا يعترف إلا بالمنتمين.

أنا لا أرفض المواطنة… أنا أرفض أن تكون سجناً مزخرفاً بالعلم الوطني.


على الجسر بين الوطن واللا وطن

يوقّع "غير المنتمي" على العقد الاجتماعي… بأحرف غير مرئية. ليس رفضاً للوطن، بل لأنّ حب الوطن الحقيقي يبدأ حين تتوقف عن امتلاكه.

"غير المنتمي" المواطني هو تذكيرٌ بأن الانتماء لا يُفرض، بل يُكتسب بالحرية… وأن أعظم خدمة للوطن قد تكون أحياناً رفض الانحناء لأوهامه.

هذا المقال ليس دعوة لعدم الانتماء… بل هو احتفال بالحق في أن تنتمي بطريقتك الخاصة. وكما كتب محمود درويش: "الوطن ليس شهادة ميلاد… الوطن شهادة ألم تُكتسب بالعمر".


وطن بحجم الضمير

في اللحظة التي أدرك فيها أن الحدود ليست سوى خطوط مرسومة على ورق، خلع حذاءه عند أول نقطة حدودية، ليس ليعبر إلى الضفة الأخرى، بل ليكتشف أن الأوطان الحقيقية تُبنى بالأحلام لا بالسياجات.

"غير المنتمي" لا يقدّم لنا نموذجاً بديلاً للمواطنة، بل يمنحنا جرأة التشكيك في المفهوم نفسه. إنه يذكّرنا بأن أعظم انتماء يمكن أن نختاره هو انتماؤنا لإنسانيتنا المشتركة، قبل أي حدود أو أعلام. الوطن ليس مكاناً وُلدت فيه، بل المكان الذي تلدك أحلامك كل يوم من جديد.

هذه ليست نهاية الطريق، بل بداية سفر جديد. فكما كتب إدوارد سعيد: "المنفى ليس مجرد مكان، إنه وعي". و"غير المنتمي" هنا ليبقينا متيقّظين أمام أي محاولة لاختزال الإنسان إلى مجرد ختم في جواز سفر.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي