حينما
تتلاشى الفروق الرمزية، وتُستبدل التجربة الإنسانية بوظائف استهلاكية وتصورات
جاهزة، يبرز كتاب «الإنسان ذو البعد الواحد» لهربرت ماركوزه كصرخة فلسفية تكشف كيف
يُعاد تشكيل الفرد ككائن أحادي، منزوع القدرة على الرفض، خاضع لمنطق الحاجات
الزائفة. لكن ماذا يحدث حين نعيد قراءة هذا النص من موقع الهوية؟ من موقعٍ يُصرّ
على أن يكون متعددًا، رمزيًا، مقاومًا؟
لقراءة «الإنسان
ذو البعد الواحد» من منظور الهوية، يمكننا أن نعيد توجيه عدسة التحليل نحو الطريقة
التي يُفرغ بها المجتمع الصناعي المعاصر الفرد من تعدديته الرمزية، ويعيد تشكيله
ككائن وظيفي أحادي البعد.
مدخل فلسفي للهوية في النص
لا يتحدث
ماركوزه عن "الهوية" بالمعنى الثقافي أو النفسي المباشر، بل عن الاندماج
القسري للفرد في بنية اجتماعية تفرض عليه نمطًا واحدًا من التفكير والسلوك. الهوية
هنا تُفهم كـ «إمكانية الرفض»، أي قدرة الفرد على أن يكون مختلفًا، ناقدًا، خارجًا
عن النسق. لكن المجتمع ذو البعد الواحد يسلب هذه الإمكانية عبر إشباع الحاجات
الزائفة.
كيف نعيد قراءة الهوية؟
✹الهوية كفعل مقاومة: في ظل السيطرة العقلانية الزائفة
التي يصفها ماركوزه، تصبح الهوية الحقيقية هي القدرة على قول «لا»، على الانفصال
الرمزي عن النظام.
✹ الهوية كصمت فلسفي: حين تصبح اللغة نفسها أداة للهيمنة، فإن الصمت أو الغموض أو التناقض قد يكون شكلاً من أشكال الهوية المقاومة.
✹الهوية كاستعادة للبعد الثاني: أي البعد الجمالي، الحلمي، الوجودي، الذي يُقصى لصالح البعد الوظيفي. هنا يمكن للفن، للرمز، للأسطورة أن يعيدوا للفرد تعدديته.
بين طيات
نقد ماركوزه للمجتمع الصناعي الكلّياني، يمكن أن نلمح دعوة غير مباشرة لاستعادة
البُعد الغائب: ذلك الذي يتجاوز المنفعة، ويعيد للفرد رمزيته، قلقه، وهشاشته
المنتجة.
الهوية،
إذًا، ليست وصفًا، بل حركة؛ ليست جوهرًا، بل مقاومة؛ ليست ماضًيا، بل احتمالًا
مستقبليًا يعيد تشكيل اللغة، المعنى، والانتماء. إن قراءتنا لهذا النص من موقع
الهوية ليست استعادةً لمفاهيم جاهزة، بل فتحًا لمساحات جديدة من التفكير، حيث يصبح
الفرد كائنًا متعدد الأبعاد، مشبعًا بالرمز، بالصمت، وبإرادة الرفض الحلمي.

تعليقات: (0) إضافة تعليق