اللامنتمي في زمن العلمانية: اغترابٌ في مملكة الحياد

 


في زمنٍ تتنازع فيه الأيديولوجيات على تعريف الإنسان، يظهر "اللامنتمي" لا كمنشقّ عن الدين أو مناصر للعلمانية، بل كصوتٍ ثالث يرفض أن يُختزل في ثنائية لم يخترها. إنه ليس حياديًا، بل واعٍ لزيف الحياد حين يتحوّل إلى قناعٍ لإقصاءٍ جديد. يقف اللامنتمي في الهامش، لا لأنه عاجز عن الدخول إلى المركز، بل لأنه يرى في الهامش مرآةً تكشف هشاشة المركز نفسه. في هذا المقال، لا نبحث عن إجابات جاهزة، بل نرافق هذا الكائن القلق في رحلته بين المقدّس والمدني، لنفهم كيف يمكن للعلمانية أن تتحوّل من وعدٍ بالتحرر إلى شكلٍ جديد من الاغتراب، وكيف يمكن للإنسان أن يستعيد صوته في عالمٍ يُطالبه بالصمت باسم "الحياد".


في الهامش الذي يضيء المركز

بينما كان الجميع منشغلين بترسيم الحدود بين المقدس والمدني، وقف عند الخط الفاصل ليسأل: أين مكان الإنسان في هذه المعادلة؟

في هذا المقال، نستكشف رحلة اللامنتمي في العصر العلماني، ذلك الشاهد الذي لا يقف مع الدين ولا ضده، بل يشكك في الأسس التي تقوم عليها العلمانية نفسها. إنه ليس مجرد شخص خارج الأطر، بل هو المرآة التي تعكس تناقضات مشروع الحداثة السياسي. سنحاول فهم:

كيف يحوّل اللامنتمي العلمانية من حل إلى مشكلة؟ اغتراب الهوية في الدولة المحايدة؟ إمكانية بناء مساحة وجودية تتجاوز ثنائية الديني والعلماني؟


في الهامش الفاصل بين المقدّس والمدني

بينما كان الجميع يناقشون مكان الدين في الدولة، جلس في الزاوية يسأل: وماذا عن مكان الإنسان بين هذه الجدالات؟

اللامنتمي في العصر العلماني ليس مجرد شخص خارج الأديان، بل هو ذلك الكائن الذي يشكّك في الأسس التي تقوم عليها العلمانية نفسها. إنه لا يرفض الدين لصالح العقل، ولا يرفض العقل لصالح الدين، بل يقف على الحافة الرفيعة حيث تسقط كل اليقينيات.

العلمانية كمساحة للاغتراب

في حين تقدّم العلمانية نفسها كحلّ للتعايش بين الأديان، يرى اللامنتمي أنها أنشأت شكلًا جديدًا من أشكال الاغتراب:

1. اغتراب الهوية: عندما تصبح "مواطنًا مجردًا" من خصوصياته الثقافية

2. اغتراب المعنى: حين تتحول الحياة العامة إلى مساحة محايدة تفتقر للعمق الروحي

3. اغتراب المشاركة: عندما تصبح العلمانية إيديولوجيا جديدة تمارس إقصاءها الخاص


اللامنتمي كمرآة لعيوب المشروع العلماني

 يسائل اللامنتمي فكرة "الحياد" المطلق: هل يمكن للدولة أن تكون محايدة حقًا؟ ويتحدى مفهوم "الخصوصية" الدينية: ما الذي يحدد ما هو خاص أو عام؟ ثم يكشف التناقض بين حرية الاعتقاد وحرية عدم الاعتقاد.


نحو علمانية أكثر إنسانية

لم يعد اللامنتمي يبحث عن إجابات، بل عن أسئلة تليق بغربته، في عالم يحوّل كل شيء - حتى الشك - إلى عقيدة. اللامنتمي لا يحل إشكالية العلمانية، بل يجعلها أكثر إلحاحًا. إنه يذكرنا بأن التحدي الحقيقي ليس في فصل الدين عن الدولة، بل في إيجاد مساحة للوجود الإنساني الذي يتجاوز هذه الثنائية. ربما تكون مهمته هي الحفاظ على السؤال حيًا في زمن الإجابات الجاهزة.


سؤال بلا إجابة.. إجابة بلا سؤال

في اللحظة التي أدرك فيها أن العلمانية أصبحت ديناً جديداً، أغمض عينيه، ليس هروباً من الواقع، بل بحثاً عن واقع أكثر رحابة من كل الأيديولوجيات.

اللامنتمي لا يقدم حلولاً جاهزة، بل يحافظ على المساحة التي تسمح بوجود الأسئلة الجذرية. إنه يذكرنا بأن التحدي الحقيقي ليس في اختيار بين الدين والعلمانية، بل في الحفاظ على إنسانيتنا في عالم يحاول باستمرار اختزالنا إلى مجرد مواطنين أو مؤمنين أو ملحدين. لست ضد العلمانية، أنا ضد أي نظام يفرض عليّ كيف أكون محايداً.

هذه ليست نهاية الحكاية، بل بداية وعي جديد. فكما كتب علي عبد الرازق: "إن المشكلة ليست في فصل الدين عن الدولة، بل في فصل الإنسان عن إنسانيته". واللامنتمي هنا ليبقينا متيقظين أمام أي محاولة لاختزال الحياة إلى معادلات سياسية جافة.


في الهامش، حيث تتكسّر الصور النمطية وتتعطّل أجهزة التصنيف، يقف اللامنتمي لا كمجرّد حالة، بل كإمكانية فلسفية. هو ذاك الإنسان الذي لا ينتظر اعترافاً من الدين ولا ترخيصاً من العلمانية، بل يصوغ وجوده بينهما عبر تجربةٍ لا تتنازل عن عمقها. فالمسافة التي تفصل المقدّس عن المدني ليست فراغاً بل مجالاً للتجريب، حيث ينشأ الصوت الثالث: لا محايد، لا منحاز، بل كاشف.

الحياد ليس غياباً عن الصراع، بل دعوةً إلى رؤيته دون أقنعة. وما اللامنتمي إلا مرآة تزعج النظام، لأنه يرفض أن يكون انعكاساً له. وإذا كان العالم يطالب الإنسان بالصمت باسم التعقل، فإن صوت اللامنتمي يطالب العالم بالإنصات باسم الحقيقة.

فربما ليست الأزمة في تعدد الأيديولوجيات، بل في ثنائيةٍ أُغلِقت على ذاتها ولم تترك حيّزًا للبحث عن الإنسان كمعضلةٍ لا كتعريف. في هذه الرحلة، لا نطلب إجابات، بل نُصغي لقلقٍ قد يُعيد تشكيل السؤال.

 


  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي