اللامنتمي: اغتراب المواطن عن الجسد السياسي



في عالم تُحسم فيه المواقف عبر الانحيازات، ويُقاس الانتماء بمسطرة الأيديولوجيا، يطلّ اللامنتمي السياسي ككائن يرفض السرديات الجاهزة ويكسر ثنائية التصنيف. لا يقف على الهامش لأنه عاجز عن الانخراط، بل لأنه يدرك أن المركز ذاته قد يكون وهماً، وأن المعنى الحقيقي قد يتولد في المساحات التي تُهملها الخرائط السياسية. في هذا المقال، نغوص في تجربة اللامنتمي، لا بوصفه حالة شاذة، بل كفعل مقاومة فكرية يُعيد صياغة أسئلة الشرعية، والانتماء، والموقف.


في ظلّ الأبراج السياسية المنيعة

"عندما سُئل: لماذا لا تختار جانبًا؟

أجاب: لأنني أرى ما تحت الأقدام عندما ينشغل الجميع بالنظر إلى الأعلام."

في هذا المقال، نستكشف ظاهرة اللامنتمي السياسي، ذلك الكائن الذي يقف على الحافة الحادة بين الأنظمة والأيديولوجيات، لا ليعيش في الفراغ، بل ليخلق مساحته الخاصة خارج التصنيفات الجاهزة. سنحاول فهم:

 كيف يشكّك اللامنتمي في أسس الشرعية السياسية؟ وطبيعة المقاومة الصامتة التي يمارسها ضد أنظمة التصنيف، وما إمكانية بناء موقف سياسي لا ينتمي إلى "اليسار" ولا "اليمين"؟


 المواطن الذي رفض أن يكون رقمًا

عندما سُئل: ما هو انتماؤك السياسي؟

أجاب: أنا انتمائي هو عدم الانتماء إلى انتماءاتكم.

بهذه العبارة يُلخِّص اللامنتمي السياسي موقفه من لعبة السلطة. إنه ليس ثائرًا بالمعنى التقليدي، ولا خاضعًا، بل كائنًا سياسيًّا يرفض أن يُختزل إلى بطاقة حزب أو أيديولوجيا. هنا، نستكشف كيف يتحدى هذا الغريب أسسَ العقد الاجتماعي نفسه.

 

اللامنتمي "كعَيب" في النظام السياسي: نقد جذري لمفاهيم المواطنة والسيادة

1. ضدَّ فكرة العقد الاجتماعي (روسو): أين كنتَ عندما وُقِّع هذا العقد؟ (سؤال يُذكِّر بأسطورة الموافقة الضمنية).

رفض فكرة التمثيل السياسي: لا أحد يمثِّلني إلا غربتي.

2. ضدَّ سلطة الدولة (مقارنة بين نيتشه وماركس): عند نيتشه: الدولة هي أكثر وحوش البرودة فظاعة.

عند اللامنتمي: الدولة كبيت كبير لا أملك مفتاحه

3. ضدَّ الأيديولوجيات الجاهزة: اليمين واليسار.. كلاهما يبيعان الوهمَ بطرق مختلفة (نقدٌ مستوحى من بودريار).

 اللامنتمي السياسي لا يهرب من الساحة العامة… هو يُظهر أن الساحة نفسها وهمٌ مُخرَّب.


سياسة اللامنتمي… هل هي "لا سياسة"؟: أشكال المقاومة خارج الأطر التقليدية

1. اللاجنسية السياسية: رفض التصنيف في أي خانة انتخابية.

2. المقاومة اليومية (ميشيل دي سيرتو): تحويل الحياة العادية إلى فعل تمرّد (مثل: تربية أطفال غير خاضعين).

3. المواطنة السائلة: حيث الانتماء يتشكّل ويتبدّل دون ثبات.


اغترابٌ أم وعيٌ سياسي جديد؟: إمكانيات اللامنتمي في عصر ما بعد الحداثة

1. إيجابيات الموقف اللامنتمي: كشفُ تناقضات الأنظمة (الديمقراطية التي ترفض المختلف). ثم ابتكارُ أشكال جديدة من المشاركة (مثل التكنولوجيا اللامركزية).

2. سلبيات اللامنتمي في عصر ما بعد الحداثة: خطرُ العزلة عن حركات التغيير الحقيقية. ثم تحوُّله إلى سلعة في سوق "تمردات ما بعد الحداثة".

أنا لا أرفض السياسة… أنا أرفض أن تكون السياسة لعبةً بأوراق مُزيَّفة


في حضرة المواطن الشبح

في النهاية، يسجّلُ اللامنتمي اسمه في سجلّ الناخبين… ثم يتركُ الورقة بيضاء. ليس عدمًا، بل لأنَّ الصمتَ هو آخر أشكال المقاومة.  اللامنتمي السياسي هو طيفٌ يخترق جدرانَ الأنظمة، ليس لتدميرها، بل ليُذكِّرها بأنها لم تُقنع الجميع بعد.


رسالة اللامنتمي إلى عالم السياسة

في اللحظة التي أدرك فيها أن صندوق الاقتراع ليس سوى مسرحية، أعاد الورقة البيضاء، ليس استسلامًا، بل لأن الرفض الواعي هو آخر أشكال الحرية المتبقية.

اللامنتمي السياسي لا يقدم لنا برنامجًا حزبيًا بديلاً، بل يمنحنا شيئًا أكثر قيمة: القدرة على رؤية النظام السياسي من الخارج. إنه يذكرنا أن أعظم أشكال المقاومة قد تكون أحيانًا هي رفض المشاركة في لعبة مزيّفة منذ البداية. لست ضد السياسة، أنا ضد السياسة التي تفرض عليّ أن أكون مع أو ضد.

هذه ليست نهاية الحوار، بل بداية لأسئلة أكثر إزعاجًا. فكما كتب ألبر كامو: "التمرد هو أحد أشكال الوجود الأساسية للإنسان". واللامنتمي هنا ليبقينا متيقظين أمام أي محاولة لاختزال الإنسان إلى مجرد ناخب أو رقم في استطلاع رأي.


اللامنتمي السياسي لا يطلب العزلة، بل يمارس نوعاً آخر من الحضور، يكاد يكون أشد تأثيراً من ضجيج الأيديولوجيا. إنه يقف حيث لا تجرؤ الانتماءات على التوقّف، يرفض الأجوبة الجاهزة دون أن يقدّم بديلاً مفرغاً من المعنى، بل يبني موقفاً سياسياً ينهل من الوعي الفردي، ومن القدرة على التفكّر خارج الخطوط المرسومة. ولعل السؤال الأهم ليس "في أي جهة يقف؟"، بل "كيف يرى ما تعجز الجهات عن رؤيته؟".


  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي