ما وراء المادة: كيف أعاد العرفان العلوي صياغة مفهوم الوجود؟

 


 

لطالما نُظر إلى العلاقة بين مختبرات العقل الفلسفي ومحاريب الإيمان الديني كمنطقتين يفصلهما برزخ من التوجس؛ فإما عقلٌ يرفض ما لا يدركه حسيّاً، وإما إيمانٌ يخشى تشريح العقل لمنطلقاته. ومع ذلك، يبرز "العرفان العلوي" في التراث الميتافيزيقي كمعمار معرفي فريد استطاع تشييد جسرٍ فوق هذه الهوة العميقة. إنه لا يقدم مجرد تأويلات نصوصية، بل يطرح «أفقاً فكرياً» يعيد صياغة الأسئلة الوجودية الكبرى، محولاً المفاهيم الإيمانية من مجرد طقوس إلى أدوات تحليلية قادرة على تفكيك بنية الواقع؛ ما يضعنا أمام رؤية كونيّة تجعل من "المعنى الباطني" جوهراً للإدراك الإنساني.


أولاً: «فينومينولوجيا الغائب» - عندما يكون الغياب أشد حضوراً

يقدم العرفان العلوي نموذجاً ثورياً فيما يمكن اصطلاحه بـ «فينومينولوجيا الغائب». ففي هذا النسق، ليست «الغيبة» توارٍ مادي أو انقطاع فيزيائي عن الواقع، إنما هي نمط من أنماط «الحضور الباطني» الذي يمثل كثافة في الوجود لا انخفاضاً فيه.


إن هذا المفهوم يقلب الإدراك الحسي التقليدي رأساً على عقب؛ فالغياب هنا ليس عدماً، بل هو «حجابٌ سيّال» يفصل بين المراتب الروحية المختلفة بناءً على قدرة السالك على الكشف. هذا الحضور الباطني هو المعيار الذي يحدد موقع الذات في التراتبية الوجودية؛ حيث يصبح ما هو «غائب» عن الحواس هو الحقيقة الأكثر سطوعاً وتأثيراً في جوهر الكون. إنها ثورة على الإدراك السطحي، تحول الغياب من «حالة فقد» إلى «مرتبة شهود» عُليا.


ثانياً: الإمامة كمبدأ وجودي (أنطولوجي) يتجاوز أرسطو

في رحاب العرفان العلوي، تخرج «الإمامة» من ضيق التفسير السياسي أو الرتبة الدينية لتتحول إلى «مبدأ أنطولوجي» تفسيري للكون بأسره. وهنا يظهر التباين الجوهري مع الفلسفة الأرسطية؛ فبينما اعتمد أرسطو على «المنطق الصوري» والمقولات الثابتة والعلل المادية لتفسير تسلسل الوجود، يقدم العرفان العلوي تفسيراً حيوياً يتجاوز جفاف التفسيرات الميكانيكية.


الإمامة هنا هي الركيزة التي يستند إليها «تدفق الوجود»؛ فهي ليست مجرد رتبة داخل النظام، بل هي القانون المحرك والواسطة التي تمنح الوجود معناه واستمراره. فبينما يرى أرسطو الوجود كسلسلة من الأسباب والنتائج الجامدة، يراه العرفان العلوي كفيضٍ مستمر من الحضور، تكون الإمامة فيه هي النقطة التي تربط بين المطلق والمقيد، وبين الغيب والشهادة، مما يوفر شمولية تفسيرية تعجز عنها القياسات المنطقية التقليدية.


ثالثاً: فلسفة النور الإلهي في رؤية هنري كوربان

يُعد المستشرق والفيلسوف الفرنسي «هنري كوربان» من أبرز من سبروا أغوار هذا الفكر، حيث استطاع بحدسه الفلسفي ربط العرفان العلوي (ضمن سياق دراساته المعمقة عن الإرث الشيعي الإثني عشري) بالفلسفات الغنوصية الكبرى. وقد رأى كوربان في هذا النسق تجسيداً لما سماه «فلسفة النور الإلهي».


يصف هنري كوربان العرفان العلوي بأنه «فلسفة النور الإلهي» التي تعادل «الهيبوكازيا» الغنوصية. وعندما يتحدث كوربان عن «الهيبوكازيا» Hypostasis ــ أو ما يُعرف في الاصطلاح الفلسفي بالأقانيم الوجودية ــ فإنه يشير إلى تلك التجليات التي يتخذها اللاهوت في مراتب الوجود. فالعرفان العلوي، من منظور كوربان، يحول الإمامة إلى «أقنوم» نوراني، لا يكتمل فهم الكون وتدبر مراتب الخلق بدونه، مما يجعله نسقاً يضاهي أرقى المنظومات الغنوصية العالمية في تفسير أصل الوجود ومآله.


رابعاً: إعادة قراءة المراتب الروحية

إن إعادة تعريف الفواصل بين المراتب الروحية في هذا الفكر لا تقوم على فرزٍ مادي أو زمني، بل تعتمد كلياً على درجة «الحضور الباطني». في هذه التجربة الروحية، تصبح التراتبية انعكاساً لمدى قرب الكائن أو بعده عن منبع النور الأول.


هذا التقسيم يتجاوز التصنيف النظري ليصبح خارطة للطريق الروحي للإنسان؛ فكل مرتبة تمثل درجة من تجلي الحقيقة، والحضور الباطني هو القوة التي تسمح للفرد بالانتقال من «ظلام المادة» إلى «نورانية المعنى». إنها تراتبية حيوية تجعل الوجود كله في حالة حركة واتصال دائم، حيث لا تنفصل المراتب الدنيا عن العليا، بل تظل مرتبطة بها عبر وسائط من النور يدركها أصحاب البصائر.


إن العرفان العلوي، في جوهره الفلسفي، دعوة لاستعادة «المعنى الضائع» في عصرٍ غلبت عليه المادية التقنية. إنه يدفعنا للتساؤل حول حقيقة ما نراه؛ فربما كان هذا العالم المادي الذي نلمسه هو «الغياب» الحقيقي، بينما يكمن «الحضور» الفعلي في تلك العوالم الباطنية التي أغفلناها.


وفي ظل هذا التداخل بين الظاهر والباطن، يبرز سؤال جوهري يستفز قلقنا المعرفي: إذا كان «الحضور الباطني» هو معيار الوجود الحقيقي، فهل نحن أحياءٌ حقاً بوعينا في جوهر الحقيقة، أم أننا محض أشباحٍ غائبة في ضجيج المادة وصخب الوجود الزائف؟

أمجد نيوف


  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي