تواصل السلسلة التفكيكية لكتاب «الإنسان ذو البعد الواحد» لهربرت ماركوزه رحلتها المعرفية، لتنتقل من القراءة التأسيسية الشاملة في قسم [مكتبتي] إلى التشريح السياسي العميق لأزمة الديمقراطية والمشاركة في العصر الحديث.
ينطلق التحليل السياسي عند هربرت ماركوزه في كتاب «الإنسان ذو البعد الواحد» من تقرير مفارقة مذهلة تشهدها المجتمعات الصناعية المتقدمة؛ إذ يرتفع شعار التعددية وتتكاثر الأحزاب والمؤسسات التمثيلية، بينما يتقلص المحتوى السياسي الفعلي وتختفي البدائل الجذرية من الفضاء العام. تنجح المنظومة التكنولوجية والمادية في تحويل المؤسسات الديمقراطية من أطر للصراع الفكري الشريف والمطالبة بالتغيير التأسيسي إلى أدوات إجرائية تخدم استقرار النظام القائم وتمنحه شرعية دائمة.
تتحول المواطنة الفاعلة في هذا السياق من ممارسة واعية للسيادة والمسؤولية الاجتماعية إلى انصياع مريح لمتطلبات المنظومة. يستوعب النظام المعارضة والتعددية عبر إعادة تعريف حدود اللعبة السياسية؛ حيث تُقبل كل الآراء والمطالب بشرط أن تظل تحت سقف المبادئ التشغيلية المحددة سلفاً، مما يفرغ الديمقراطية من طاقاتها التحررية ويجعل التنافس السياسي شكلياً يكرر الإجماع القائم بصور مختلفة.
يكشف ماركوزه عن الآلية التي تعتمدها المنظومة لإدماج القوى الاجتماعية المعارضة، وفي مقدمتها النقابات والأحزاب والكتل العمالية. تحققت في العصر المتقدم المصالحة التاريخية بين أرباب العمل والقوى الكادحة عبر منح الامتيازات المادية والرفاه الاستهلاكي، مما أدى إلى تحول المؤسسات التي تأسست تاريخياً لمقاومة الهيمنة إلى شريك مباشر في إدارة الإنتاج والحفاظ على النظام.
يغدو الصراع السياسي المتاح صراعاً تقنياً ينحصر في تحسين توزيع الحصص المادية ورفع مستوى الرفاهية داخل البنية القائمة، دون مساس بتنظيم السلطة أو توجيه الإنتاج. يُغلق هذا الاستيعاب المريح الفضاء العام أمام أي بديل تاريخي؛ إذ تشعر الكتل الاجتماعية بالرضا المادي والانسجام الظاهري، فيتحول النقد السياسي من مطالبة بتغيير أصل المنظومة إلى جدال تقني حول زيادة كفاءتها الإجرائية.
يمتد هذا التسطيح ليطال بنية الوعي لدى المواطن نفسه؛ حيث يُعاد تشكيل أفكاره واهتماماته عبر وسائل الإعلام والثقافة الجماهيرية لتتطابق مع معايير المنظومة. يُستبدل المفهوم التقليدي للمواطن الباحث عن الخير العام والعدالة الاجتماعية بمفهوم "المستهلك السياسي" الذي يختار بين برامج حزبية متشابهة تُعرض عليه كأنها سلع تنافسية داخل السوق.
يغيب عن هذا النموذج المعنى الأصيل للمشاركة؛ حيث تُختزل الإرادة السياسية في عملية الاقتراع المعتادة التي تُجرى بين خيارات محددة بعناية لا تمس جوهر الهيكل الاجتماعي والمالي. يتعلم المواطن ممارسة حريته السياسية داخل حدود ضيقة ومصممة بدقة، ليصبح الامتثال الواعي شكلاً من أشكال المواطنة الصالحة، بينما يُصنف الرفض التأسيسي أو الخروج عن هذا الإجماع الإجرائي كنوع من التهديد للسلم الاجتماعي والرفاه العام.
يُمهد هذا التشريح السياسي لانغلاق الفضاء العام وتسطيح المواطنة للعبور إلى الأبعاد المعرفية والوجودية المتبقية داخل هذه السلسلة في مدونة «كانديلا»:
قسم نظرية المعرفة: يتناول المقال القادم بعنوان «انغلاق الفكر النفعي: من الفلسفة النقدية إلى التفكير الإجرائي» كيفية تراجع التفكير التاريخي والمركب لصالح الوضعية والنفعية التي تُفرغ المفاهيم واللغة من طاقتها النقدية.
قسم فلسفة الحياة: يدرس المقال الأخير بعنوان «مأزق التحرر: الرفض الجسيم في مواجهة الاحتياجات الزائفة» إمكانات استعادة الحرية الفردية والموقف الأخلاقي الخلاصي للذات في عالم موحد البعد.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق