آخر الأخبار

ألاسدير ماكنتاير

+حجم الخط-



وُلد ألاسدير تشالمرز ماكنتاير في غلاسكو باسكتلندا في 12 يناير 1929، في عائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وكانت جذوره تمتد إلى شمال أيرلندا وغرب اسكتلندا، لكنه تلقّى تعليمه الأساسي في إنجلترا. درس الآداب الكلاسيكية في كلية الملكة ماري بجامعة لندن، ثم أكمل دراساته العليا في الفلسفة بجامعة مانشستر، وحصل منها على الماجستير، ثم على ماجستير آخر من جامعة أكسفورد. بدأ حياته المهنية بالتدريس في جامعة مانشستر عام 1951، ثم تنقّل بين جامعات بريطانية عديدة، من بينها ليدز وإسكس وأوكسفورد، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة عام 1969، حيث درّس في جامعة برانديز وبوسطن وويلزلي وفاندربيلت، ثم في جامعة نوتردام حيث شغل منصب أستاذ الفلسفة، ثم في جامعة ديوك بين عامي 1995 و2000. وفي عام 2000 عاد إلى جامعة نوتردام بوصفه أستاذًا باحثًا، وظل فيها حتى وفاته. توفي في ساوث بند بولاية إنديانا في 21 مايو 2025 عن 96 عامًا.

كان سؤاله المركزي هو: لماذا أصبح الخطاب الأخلاقي في العالم الحديث فوضى لا قرار لها؟ ولماذا نتحدث جميعًا بلغة الفضيلة والواجب والحق، دون أن نتفق على معنى أي منها؟ وكيف يمكن أن نستعيد وحدة الأخلاق بوصفها مشروعًا إنسانيًا له غاية وهدف، لا مجرد مجموعة من القواعد الإجرائية أو التعبيرات العاطفية الفردية؟ وقد أجاب عن هذا السؤال في كتابه الأشهر «بعد الفضيلة» الذي صدر عام 1981، والذي غيّر مسار الفلسفة الأخلاقية في العالم الناطق بالإنجليزية، وأعاد إحياء «أخلاق الفضيلة» بوصفها بديلًا عن النظم الأخلاقية الحديثة.


في «بعد الفضيلة»، انطلق ماكنتاير من تشخيص صادم: أن الخطاب الأخلاقي الحديث يعيش حالة من الفوضى والتناقض، وأن الخلافات الأخلاقية في مجتمعاتنا لا يمكن حلّها بالعقل، لأن الأطراف المختلفة تتحدث لغات أخلاقية لا تلتقي. وشبّه حالتنا هذه بحالة افتراضية: تخيّل أن علوم الطبيعة قد دُمّرت تمامًا، ولم يبقَ منها إلا شذرات متناثرة، ثم جاء من يحاول إعادة بناء العلم من هذه الشذرات، فسينتج نظامًا لا يشبه العلم الحقيقي إنما سيكون كاريكاتيرًا منه. هذا هو حال الأخلاق الحديثة عند ماكنتاير: نحن نستخدم بقايا مفاهيم أخلاقية من تقاليد سابقة، دون أن نملك الإطار الذي كان يعطيها معناها.

والسبب في هذا الانهيار، حسب ماكنتاير، هو «مشروع التنوير» الذي حاول أن يؤسس الأخلاق على العقل وحده، بمعزل عن التقاليد والغايات الإنسانية والجماعة. وقد فشل هذا المشروع، لأن العقل المجرد لا يستطيع أن ينتج قواعد أخلاقية ملزمة من دون افتراض غاية إنسانية مسبقة. ومن هنا جاءت النتيجة: أخلاق بلا غاية، وقواعد بلا فضائل، وفرد بلا جماعة. وقد رأى ماكنتاير أن التنوير لم يفشل فقط، إنما أن فشله كان حتميًا، لأن الأخلاق الأرسطية كانت تقوم على ثلاثة عناصر مترابطة: الطبيعة البشرية كما هي، والغاية التي ينبغي أن يصل إليها الإنسان، والممارسات والفضائل التي تقود من الأولى إلى الثانية. وحين ألغى التنوير فكرة الغاية، لم يبقَ أمامه إلا فرد يقرر بنفسه ما هو الخير، فصار الخير مسألة ذوق أو عاطفة أو قرار ذاتي.

ومن هنا جاء نقده الحاد لـ«العاطفية» في الأخلاق الحديثة، أي ذلك الموقف الذي يرى أن الأحكام الأخلاقية ليست إلا تعبيرات عن مشاعر فردية، وأن قولنا «القتل خطأ» ليس أكثر من قولنا «أنا أكره القتل». وقد رأى ماكنتاير أن هذا الموقف ليس نظرية أخلاقية فحسب، إنما هو تعبير عن حالة اجتماعية: مجتمع فقد الإطار المشترك الذي يجعل الحكم الأخلاقي قابلًا للنقاش العقلاني، فلم يبقَ أمام الناس إلا أن يعبّروا عن مشاعرهم ويحاولوا التأثير على مشاعر الآخرين.


وفي مواجهة هذا الانهيار، طرح ماكنتاير بديله: العودة إلى الأخلاق الأرسطية، لكن بصورتها الحديثة التي تجمع بين ثلاثة مفاهيم أساسية. 

الأول هو «الممارسة»، أي أي نشاط إنساني تعاوني له معايير داخلية وخيرات داخلية، كالطب والموسيقى والرياضة والصداقة، وهذه الممارسات لا يمكن أن تزدهر إلا بالفضائل. 

والثاني هو «القصة» أو السرد، أي أن حياة الإنسان ليست سلسلة من الأفعال المنفصلة، بل قصة لها بداية ووسط ونهاية، ولا يمكن أن نفهم فعلًا واحدًا إلا في ضوء هذه القصة الكاملة. 

والثالث هو «التراث»، أي أن الفرد لا يبدأ من الصفر، إنما يولد داخل تراث يسبقه، ويستطيع أن يفهم نفسه وقيمه فقط من خلال هذا التراث، حتى لو تمرد عليه. وبهذه المفاهيم الثلاثة، يمكن أن نستعيد فكرة الفضيلة بوصفها صفة تجعل الإنسان قادرًا على تحقيق خيره الخاص وخير جماعته، لا مجرد التزام بقاعدة.


أثّر ماكنتاير تأثيرًا عميقًا في الفلسفة الأخلاقية والسياسية والدينية في العقود الأخيرة. ويُعدّ هو وفلاسفة آخرون مثل إليزابيث أنسكوم وبيرنارد ويليامز وفيليبابا فوت من أبرز من أحيوا «أخلاق الفضيلة» في الفلسفة الأنجلو-أمريكية، بعد عقود من هيمنة الأخلاق الكانطية والنفعية. وقد أثّر في اللاهوت السياسي الكاثوليكي، وفي فلسفة القانون، وفي النقاشات حول العدالة والجماعة والهوية، وفي الفكر المحافظ واليساري على حد سواء. وقد تُرجمت أعماله إلى أكثر من خمس عشرة لغة، وصار «بعد الفضيلة» من أكثر الكتب الفلسفية قراءة وتدريسًا في الجامعات.


لكنه انتُقد بشدة أيضًا. اتُّهم في «بعد الفضيلة» بأنه يقدّم تشخيصًا قاتمًا للحداثة بلا دليل كافٍ، وأنه يبني بديله الأرسطي على رؤية مثالية للجماعة اليونانية لا تصلح لعالمنا المعاصر. واتُّهم بأنه يرفض الحداثة كلها بلا تمييز، وأنه لا يرى فيها أي إمكانية للخير أو العقلانية. واتُّهم في مفهومه عن «التراث» بأنه يفتح الباب للنسبية الثقافية، إذ إذا كانت كل أخلاق مرتبطة بتراث معين، فكيف يمكن أن نحكم بين تراث وتراث؟ وقد حاول ماكنتاير أن يجيب عن هذا في كتابه «لمن العدالة؟ أي عقلانية؟» عام 1988، حيث رأى أن التراث يمكن أن يُقيَّم بقدرته على حل مشكلاته الداخلية وتجاوز أزماته، وأن الحوار بين التقاليد ممكن إذا تعلّم كل طرف لغة الآخر من الداخل. لكن هذا الجواب لم يقنع كل منتقديه. واتُّهم في حياته الشخصية وفي مواقفه السياسية بالتنقل المستمر بين المواقف، حتى قيل إنه «رحّالة فكري»، بدأ ماركسيًا ثم تحول إلى أرسطي ثم إلى توماوي كاثوليكي، وأن هذا التنقل يضعف مصداقية نقده للتنوير والحداثة.


يبقى ماكنتاير مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت في قلب أزمتنا الأخلاقية: لماذا لا نتفق على معنى الخير والعدالة والفضيلة؟ كيف نربي أطفالًا على الفضيلة في عالم يقدّس الفردية والمنفعة؟ ما دور الجماعة والتراث في تشكيل هويتنا الأخلاقية؟ كيف نُواجه العاطفية الأخلاقية التي تجعل كل رأي صحيحًا كرأي الآخر؟ وكيف نستعيد فكرة الغاية الإنسانية بعد أن فقدناها؟ 

لم يقدّم ماكنتاير وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن الأخلاق لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن التاريخ والجماعة والممارسة، وأن السؤال الأخلاقي الأساسي ليس «ما هي القاعدة؟» بل «أي نوع من البشر نريد أن نكون؟» و«أي قصة نريد أن نكون جزءًا منها؟». ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومقلقًا ومطلوبًا، كما كان في حياته.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي