آخر الأخبار

هربرت ماركوزه

+حجم الخط-



وُلد هربرت ماركوزه في 19 يوليو 1898 في برلين لعائلة يهودية، وتوفي في 29 يوليو 1979 في شتارنبرغ بألمانيا الغربية . كان فيلسوفًا وعالم اجتماع ومنظرًا سياسيًا، وأحد أبرز وجوه مدرسة فرانكفورت للنظرية النقدية، إلى جانب هوركهايمر وأدورنو. لكن شهرته الواسعة لم تأتِ من الأكاديمية وحدها، إنما من كونه أحد أهم مصادر الإلهام الفكري لحركات الطلاب واليسار الجديد في أواخر الستينيات، في ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة .


انطلق ماركوزه من سؤال مركزي: لماذا لم تحدث الثورة في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة كما توقّع ماركس؟ ولماذا بدا العمال، بدلًا من أن يكونوا قوة التغيير الثورية، مندمجين في النظام ومستهلكين له؟ وكيف يمكن للفكر النقدي أن يقاوم مجتمعًا لا يعتمد على القمع الوحشي، إنما على الإشباع الاستهلاكي والامتثال الطوعي؟ وقد أجاب عن هذه الأسئلة في سلسلة من الكتب التي حاولت المزج بين ماركس وفرويد وهيغل وهايدغر، وصولًا إلى نظريته الأكثر شهرة عن «الإنسان ذي البعد الواحد».


بدأ ماركوزه مسيرته بدراسة الفلسفة في فرايبورغ، وكتب أطروحته للدكتوراه عن الرواية الفنية الألمانية عام 1922. ثم عاد إلى فرايبورغ عام 1928 ليدرس على يد إدموند هوسرل ومارتن هايدغر، وأنجز تحت إشراف هايدغر أطروحته للتأهل الجامعي عن «أنطولوجيا هيغل ونظرية التاريخية» عام 1932 . في هذه المرحلة، كان ماركوزه مفتونًا بفكر هايدغر، لكنه سرعان ما انفصل عنه بعنف بعد انخراط هايدغر في النازية .


في العام نفسه، 1932، نشر ماركوزه أول عرض عام لمخطوطات ماركس الاقتصادية-الفلسفية لعام 1844، وكان من أوائل من قرأوا ماركس الشاب من خلال مفهوم الاغتراب والإنسانية، لا من خلال الاقتصاد السياسي المجرد . وقد رأى أن الماركسية الرسمية تحوّلت إلى عقيدة جامدة، وأن جوهر ماركس الحقيقي هو تحرر الفرد وسعادته، لا مجرد التحول الاجتماعي .



انضم ماركوزه إلى معهد البحث الاجتماعي في فرانكفورت أواخر عام 1932، حيث عمل مع ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو وإريك فروم وفرانز نويمان وغيرهم . وهناك شارك في بناء «النظرية النقدية» التي كانت تهدف إلى نقد الرأسمالية الحديثة والثقافة الجماهيرية وأشكال الهيمنة في الأنظمة النازية والسوفييتية والرأسمالية الاحتكارية معًا .


بعد صعود النازية، هاجر ماركوزه إلى الولايات المتحدة عام 1934، وعمل خلال الحرب العالمية الثانية في مكتب الخدمات الاستراتيجية (OSS)، الجهاز الاستخباري الذي سبق وكالة الاستخبارات المركزية، محللًا للنظام النازي . ثم درّس في جامعات كولومبيا وهارفارد وبرانديز وجامعة كاليفورنيا في سان دييغو .


في كتابه «العقل والثورة: هيغل ونشوء النظرية الاجتماعية» الصادر عام 1941، قدّم ماركوزه قراءة لهيغل لا بوصفه فيلسوفًا محافظًا للدولة البروسية، إنما بوصفه مفكرًا للحرية والتاريخ. ورأى أن فلسفة هيغل هي محاولة لفهم كيف يتقدم وعي الحرية عبر التاريخ، وأن ماركس نفسه لم يكن ممكنًا إلا على أساس هيغل . وقد أسهم هذا الكتاب في إحياء الاهتمام بهيغل في العالم الناطق بالإنجليزية، بعد سنوات من تجاهله.


في كتابه «الحضارة والرغبة: تحقيق فلسفي في فرويد» الصادر عام 1955، حاول ماركوزه أن يدمج فرويد في الماركسية. أخذ من فرويد فكرة أن كبت الدوافع هو سمة أساسية للحضارة، لكنه رفض فكرة أن الكبت هو ثمن لا مفر منه للحضارة. ورأى أن الرأسمالية الحديثة نفسها هي التي تمنع البشر من الوصول إلى مجتمع غير قمعي، وأن الإمكانية موجودة لتحرير الدوافع لا لقمعها فقط . وبهذا، قدّم ماركوزه رؤية «إيروسية» للتحرر، تربط بين الثورة الاجتماعية والتحرر الجسدي والنفسي.


لكن الكتاب الذي جعل ماركوزه مشهورًا عالميًا، وجعله «معلم» حركة الطلاب في الستينيات، هو «الإنسان ذو البعد الواحد: دراسات في أيديولوجيا المجتمع الصناعي المتقدم» الصادر عام 1964 . في هذا الكتاب، قدّم ماركوزه تحليلًا قاتمًا للمجتمع الرأسمالي المتقدم، ورأى أنه لم ينهار كما توقّع ماركس، إنما أصبح أقوى، والأخطر من ذلك أنه جعل الناس سعداء.


وطرح فكرة أن المجتمع الصناعي المتقدم أنتج نوعًا جديدًا من «الإنسان ذي البعد الواحد»: إنسان فقد القدرة على النقد والتخيل والرفض، لأنه منغمس في الاستهلاك والإشباع المادي. ويرى ماركوزه أن هذا المجتمع «استوعب» كل أشكال المعارضة، بما فيها الثقافة والفن والفكر، فحولها إلى سلع أو ترفيه، وجعلها تؤكد الوضع القائم بدلًا من أن تنقده . وحتى الطبقة العاملة، التي كان ماركس يرى فيها قوة التغيير، اندمجت في النظام الاستهلاكي وفقدت قدرتها على الرفض .


من هنا جاء سؤال ماركوزه: من يبقى قادرًا على الرفض؟ وجوابه أن الأمل يقع في «المهمشين» و«المنبوذين» من النظام، أي أولئك الذين لم يستوعبهم المجتمع الاستهلاكي بعد، وفي الطلاب والشباب الذين يشعرون بأن النظام يهدد مستقبلهم . وقد صاغ فكرة «الرفض الكبير» (The Great Refusal) التي ألهمت حركات الاحتجاج الطلابي.


في مقالته الشهيرة «التسامح القمعي» الصادرة عام 1965، طرح ماركوزه فكرة مثيرة للجدل: أن التسامح المطلق مع كل الآراء، في مجتمع غير عادل، يمكن أن يكون في الواقع أداة لقمع التغيير. ورأى أن التسامح الذي يُمنح للآراء الرجعية والآراء التحررية على حد سواء هو تسامح كاذب، لأنه يحافظ على الوضع القائم ويجعل التغيير الجذري يبدو مجرد رأي آخر لا يستحق أكثر من غيره . وقد أثار هذا الموقف انتقادات واسعة، لأنه بدا وكأنه يبرر تقييد حرية التعبير لصالح التحرر.


وفي كتابه «مقالة عن التحرر» عام 1969، و«الثورة والثورة المضادة» عام 1972، واصل ماركوزه تطوير أفكاره عن إمكانية التغيير الجذري، ورأى أن «نهاية اليوتوبيا» قد حان وقتها، أي أن كل الشروط الموضوعية لمجتمع بلا اضطهاد متوفرة تقنيًا، لكن العائق هو الوعي السياسي والإرادة .


أثّر ماركوزه تأثيرًا عميقًا في حركات الطلاب عام 1968 في برلين وباريس ونيويورك، وفي تطور اليسار الجديد، وفي النقاشات حول الثقافة الجماهيرية والتقنية والاستهلاك . وقد دفع ثمن أفكاره أحيانًا، إذ تعرّض للانتقاد من المحافظين الذين رأوا فيه محرضًا على الفوضى، ومن الماركسيين التقليديين الذين رأوا فيه من انحرف عن ماركس.


لكنه انتُقد أيضًا من داخل اليسار نفسه. اتُّهم بأنه استبدل الطبقة العاملة بجماعات هامشية بلا وزن سياسي حقيقي، وأن «الرفض الكبير» الذي دعا إليه ظل طوباويًا بلا استراتيجية عملية. واتُّهم في «التسامح القمعي» بأنه يفتح الباب لتقييد حرية التعبير باسم التحرر، وأن منطقه يمكن أن يبرر أي شكل من أشكال الوصاية الفكرية. كما اتُّهم بأن تحليله للمجتمع «ذي البعد الواحد» مبالغ فيه، وأنه تجاهل أشكال المقاومة التي كانت موجودة فعلًا في المجتمع الأمريكي في الستينيات، وأنه رسم صورة قاتمة أكثر من اللازم.


يبقى ماركوزه مهمًا اليوم لأن أسئلته لم تُغلق: كيف نقاوم مجتمعًا يشتري صمتنا بالاستهلاك؟ كيف نميز بين التسامح الذي يحرر والتسامح الذي يفرّغ النقد من معناه؟ كيف نفكر في التحرر بعد أن فقدت الطبقة العاملة دورها الثوري التقليدي؟ وهل يمكن للفن والثقافة أن يبقيا قادرين على النقد في زمن تحوّل فيه كل شيء إلى سلعة؟ 

لم يقدّم ماركوزه وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن «الإنسان ذا البعد الواحد» ليس قدرًا، وأن الرفض ممكن حتى في أكثر المجتمعات إشباعًا، وأن الفكر النقدي لا يستطيع أن يكتفي بالتحليل، إنما يجب أن يجرؤ على تخيل بديل.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي