آخر الأخبار

جون لوك

+حجم الخط-



وُلد جون لوك في 29 أغسطس 1632 في قرية رينغتون قرب بريستول بإنجلترا، في عائلة بيوريتانية متواضعة، وكان والده محاميًا ريفيًا خدم في فرقة خيّالة في المراحل الأولى من الحرب الأهلية الإنجليزية. حصل لوك على تعليم ممتاز بفضل رعاية قائد والده ألكسندر بوفام، فالتحق بمدرسة وستمنستر في لندن عام 1647، ثم بكلية كنيسة المسيح في أكسفورد في خريف 1652 وهو في العشرين من عمره. في أكسفورد، وجد لوك أن الفلسفة الأرسطية التي كانت تُدرَّس هناك قليلة الفائدة، لكنه تعرّف على الفلسفة التجريبية الجديدة التي كانت تنمو حول جون ويلكينز وروبرت بويل، والذين شكّلوا نواة الجمعية الملكية الإنجليزية لاحقًا. نال البكالوريوس في فبراير 1656، ثم الماجستير في يونيو 1658، ثم اختار أن يصبح طبيبًا بدلًا من رجل دين، وتتلمذ في الطب على يد توماس سيدنهام، وكان بويل مرشده العلمي.


في عام 1666، التقى لوك بأنتوني آشلي كوبر، الإيرل الأول لشافتسبري (أحد ألقاب النبلاء في بريطانيا)، الذي صار راعيه السياسي والفكري، وفي عام 1667 انضم إلى منزله طبيبًا ومستشارًا وكبير مساعدين. ومن خلال شافتسبري، انخرط لوك في الحياة العامة: عمل مسؤولًا حكوميًا مكلفًا بجمع المعلومات عن التجارة والمستعمرات، ثم كاتبًا اقتصاديًا، ثم ناشطًا سياسيًا معارضًا، وأخيرًا ثوريًا انتصر قضيته في الثورة المجيدة عام 1688. وفي عام 1675 سافر إلى فرنسا لثلاث سنوات، حيث التقى أطباء وفلاسفة طبيعيين بارزين، وعاد إلى إنجلترا في خضم أزمة الاستبعاد التي كان محورها راعيه شافتسبري. وقد كتب لوك «رسالتين في الحكم» في الفترة 1679–1683، ثم بعد سجن شافتسبري ومحاكمته ووفاته في المنفى، رتّب لوك لنفسه المنفى إلى هولندا عام 1683، حيث قضى ست سنوات أكمل فيها «مقال في الفهم البشري»، وكتب «رسالة في التسامح» و«أفكار في التربية».


عاد لوك إلى إنجلترا بعد الثورة المجيدة عام 1689، ونظّم نشر أعماله الكبرى: «مقال في الفهم البشري»، و«رسالة في التسامح»، و«رسالتان في الحكم» (نُشرت الأخيرتان دون اسمه). وفي سنوات التسعينيات من القرن السابع عشر، راجع أعماله الثلاثة الكبرى ووسّعها ودافع عنها، ونشر «أفكار في التربية» عام 1693، و«عقلانية المسيحية» عام 1695، ودخل في مناظرات عامة طويلة حول التسامح والمسيحية وطبيعة الجوهر. توفي لوك في 28 أكتوبر 1704 في أوتس بمنزل عائلة ماشام في إسكس، عن 72 عامًا، بعد حياة امتدت عبر واحدة من أكثر القرون اضطرابًا في تاريخ إنجلترا السياسي والفكري.



كان سؤال لوك المركزي مزدوجًا: ما حدود الفهم البشري؟ وما أساس السلطة السياسية الشرعية؟ وقد انطلق من رفضه لكل أشكال الاستبداد، سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المؤسسات كالحكومة والكنيسة. فبالنسبة للفرد، أراد لوك أن يستخدم كل واحد منا عقله في البحث عن الحقيقة بدلًا من قبول آراء السلطات أو الخضوع للخرافة، وأن يقيس تصديقه للقضايا بمقدار الأدلة عليها. وبالنسبة للمؤسسات، أراد أن يميّز بين وظائفها الشرعية وغير الشرعية، وأن يحدد متى يجوز لها استخدام القوة ومتى لا يجوز. وقد رأى أن استخدام العقل لفهم الحقيقة وتحديد وظائف المؤسسات الشرعية هو ما يعظّم ازدهار الإنسان والمجتمع ماديًا وروحيًا، وهو ما يعني اتباع القانون الطبيعي وتحقيق الغاية الإلهية للإنسانية.



في كتابه «مقال في الفهم البشري» الذي نُشر عام 1689 (وإن كان مؤرخًا بسنة 1690)، قدّم لوك واحدًا من أول وأعظم الدفاعات عن التجريبية الحديثة، وهدف إلى تحديد حدود الفهم البشري بدقة، أي تحديد ما يمكن أن نعرفه بشكل مشروع وما لا يمكن. وقد هاجم فيه فكرة «الأفكار الفطرية» التي كانت سائدة في الفلسفة العقلانية، وخاصة عند ديكارت، ورأى أن العقل عند الولادة ليس إلا «لوحًا فارغًا» أو «ورقة بيضاء» خالية من كل الحروف والأفكار، وأن التجربة هي التي تكتب عليه ما تكتب. وقد كان لوك أول من صاغ مفهوم «اللوح الفارغ» (tabula rasa) في هذا السياق، وإن لم يستخدم المصطلح اللاتيني نفسه حرفيًا.


ومعنى ذلك أن كل معرفتنا، في التحليل الأخير، تعود إلى مصدرين: الإحساس، أي ما يأتينا من العالم الخارجي عبر الحواس، والانعكاس، أي ما ندركه من عمليات عقولنا الداخلية. ومن هذين المصدرين تتكوّن «الأفكار البسيطة»، ثم يقوم العقل بتركيبها وتجريدها ومقارنتها لتكوين «الأفكار المركبة». وبهذا المذهب، يكون العقل نشطًا في تنظيم المادة الحسية، لكنه لا يملك أي محتوى معرفي مستقل عن التجربة. وقد كان لهذا الموقف أثر عميق في فلسفة المعرفة في العالم الناطق بالإنجليزية، ولا يزال النقاش حوله قائمًا حتى اليوم.



في «رسالتين في الحكم»، دافع لوك عن فكرة أن البشر أحرار ومتساوون بالطبيعة، ضد الادعاءات القائلة بأن الله جعل الناس خاضعين طبيعيًا لملك. وقد هاجم في «الرسالة الأولى» أفكار السير روبرت فيلمر التي كانت تبرر «الحق الإلهي للملوك»، وفي «الرسالة الثانية» قدّم نظريته الإيجابية في الحكومة، التي تحاول التوفيق بين حرية المواطن والنظام السياسي. وتقوم هذه النظرية على فكرة (العقد الاجتماعي): الحكومة شرعية فقط إذا قامت على موافقة المحكومين، وإذا كانت تحمي حقوقهم الطبيعية، التي لا يمكن التنازل عنها، وأهمها الحق في "الحياة والحرية والملكية".


وقد رأى لوك أن الحكومة «اختراع بشري» تأتي بعد الملكية الشخصية لا قبله، وأن حق الحكم يأتي مع واجب الحكم لمصلحة المحكومين. وإذا خانت الحكومة هذه الثقة، وتجاوزت حدودها، فإن للشعب حقًا، بل واجبًا، في الثورة والعصيان لتغييرها. وبهذا، صار لوك أحد أعمدة الفكر الليبرالي الدستوري، ومصدرًا أساسيًا للفكرة التي تقول إن السلطة ليست ملكًا لأحد، بل أمانة مؤقتة قابلة للمساءلة والإقالة.



في «رسالة في التسامح» التي نُشرت عام 1689 باللاتينية ثم تُرجمت فورًا إلى لغات أخرى، دعا لوك إلى التسامح الديني وفصل الكنيسة عن الدولة. وقد رأى أن الدولة ليست مسؤولة عن خلاص النفوس، وأن الكنيسة ليست مسؤولة عن إدارة الشؤون المدنية، وأن استخدام القوة في مجال العقيدة الدينية لا يمكن أن يُنتج إيمانًا حقيقيًا، بل يُنتج نفاقًا. وقد دافع عن حق كل فرد في أن يعبد الله بحسب ما يراه صحيحًا، وعارض اضطهاد الأقليات الدينية، وإن كانت تسامحه لم يشمل الملحدين في بعض صيغه، وهي نقطة انتُقد عليها لاحقًا. وقد ظل هذا الكتاب أحد النصوص التأسيسية في نظرية التسامح والليبرالية الدينية.



في «أفكار في التربية» الذي نُشر عام 1693، قدّم لوك نظرية تربوية تقوم على مبدأ «اللوح الفارغ»: إذا كانت النفس عند الولادة خالية من الأفكار الفطرية، فإن التربية هي التي تصنع الإنسان. وقد رأى أن غاية التربية ثلاثية: تنمية جسم صحي، وتكوين عقل فاضل، وغرس عادات اجتماعية حسنة. وقد أكد على تعليم التفكير العقلاني، والاعتماد الأخلاقي، واللباقة الاجتماعية، بهدف مساعدة الطلاب ليس فقط على التأمل إنما على الفعل. وقد كانت أفكاره التربوية عملية وملموسة، وموجهة إلى الآباء والمعلمين، واستخدم فيها أسلوبًا واضحًا ومتوازنًا.



أثّر لوك تأثيرًا يصعب المبالغة فيه في الفكر الإنساني. فكتابه «مقال في الفهم البشري» إلى جانب فيزياء نيوتن، أزاحا الفلسفة الديكارتية تدريجيًا وأعادا توجيه الفكر الأوروبي نحو التجريبية والملاحظة المنهجية. وقد صار لوك يُعرف بـ«أبي الليبرالية»، ومصدرًا أساسيًا للفكر الليبرالي الدستوري، وللنظريات الحديثة في الحقوق الطبيعية والعقد الاجتماعي والتسامح. وقد أثرت أفكاره تأثيرًا مباشرًا في صياغة الدستور الأمريكي ونظام الحكم في الولايات المتحدة، وفي الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية، وفي تطور الفكر الديمقراطي الليبرالي في أوروبا والعالم. وقد قال مؤرخو الفلسفة إن القليلين تركوا أثرًا أوسع أو أعمق في الفكر المعاصر، وأن فكره لا يزال يضع أجندة أحد أهم تيارات الفلسفة (التحليلي أو الأنجلو-أمريكي) ويشكّل جوهر الليبرالية الحديثة.


لكنه انتُقد بشدة أيضًا. اتُّهم في نظريته في المعرفة بأنه لم يستطع أن يفسّر كيف يمكن للأفكار البسيطة أن تتحد لتكوين أفكار مركبة ذات معنى، وأنه افترض وجود «جوهر» لا نعرف عنه شيئًا، وأن مذهبه التجريبي يفتح الباب للشك المطلق. واتُّهم في الأخلاق والسياسة بأنه جعل الملكية حقًا طبيعيًا مقدسًا، وأنه برّر الاستيلاء على أراضي السكان الأصليين في أمريكا من خلال نظريته في الملكية القائمة على العمل، وهي نقطة أثارت نقاشًا واسعًا في الفلسفة السياسية المعاصرة. واتُّهم في التسامح بأنه لم يكن متسامحًا مع الملحدين والكاثوليك في بعض كتاباته، وأن تسامحه كان محدودًا بحدود الأمن السياسي لا بالمبدأ الأخلاقي. واتُّهم في التربية بأنه ركّز على تربية أبناء الطبقة العليا، وأن نموذجه التربوي كان فرديًا ونخبويًا لا يصلح لتعليم الجماهير.


يبقى جون لوك مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت في قلب النقاش العام والفلسفي: ما حدود ما يمكن أن نعرفه؟ كيف تتشكل المعرفة من التجربة؟ ما أساس السلطة الشرعية؟ ومتى يحق للشعب أن يعصي؟ كيف نعيش معًا مع اختلافنا الديني والفكري؟ كيف نربي أطفالًا على التفكير المستقل لا على التلقين؟ وكيف نحمي الحقوق الفردية من استبداد الأغلبية أو الدولة؟ 

لم يقدّم لوك وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن العقل أداة لا سلطة، وأن التجربة معيار لا وحي، وأن الحرية حق لا منحة، وأن التسامح فضيلة لا ضعف. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومؤسسًا وملهمًا، بعد أكثر من ثلاثة قرون على وفاته.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي