آخر الأخبار

تشارلز تايلور

+حجم الخط-



وُلد تشارلز مارغريف تايلور في 5 نوفمبر 1931 في مونتريال، كيبيك، كندا، في عائلة ثنائية اللغة والثقافة، إذ كان والده والتر مارغريف تايلور من أصل إنجليزي بروتستانتي ورجل أعمال في صناعة الصلب، وكانت والدته سيمون مارغريت بوبيان من أصل فرنسي كاثوليكي وكانت تعمل في الخياطة. نشأ في منزل سياسي كانت فيه نقاشات حول مكانة كيبيك داخل كندا أمرًا يوميًا، وتلقى تربية كاثوليكية ظلت حاضرة في فكره طوال حياته . درس التاريخ في جامعة ماكجيل وحصل على البكالوريوس عام 1952، ثم نال منحة رودس لدراسة الفلسفة والسياسة والاقتصاد في جامعة أكسفورد، حيث حصل على الدكتوراه في الفلسفة عام 1961 . عمل بعد ذلك زميلًا في كلية أول سولز بأكسفورد، ثم عاد إلى مونتريال عام 1961 ليدرّس في جامعة ماكجيل، وتولى فيها كرسي الفلسفة والسياسة حتى تقاعده عام 1997، ثم صار أستاذًا فخريًا فيها . وفي عام 1976 شغل كرسي تشيتشل للفلسفة الاجتماعية والسياسية في أكسفورد، وهو من أرفع الكراسي في هذا المجال، قبل أن يعود إلى ماكجيل عام 1982 .


لم يكتفِ تايلور بالعمل الأكاديمي، إنما انخرط في السياسة الكندية، وكان نائبًا لرئيس الحزب الديمقراطي الجديد الفيدرالي، وترشح للبرلمان أربع مرات في الستينيات، منها مرة ضد بيير ترودو . وفي عام 2007 ترأس مع عالم الاجتماع جيرار بوشار لجنة الاستشارة حول ممارسات التكيف الثقافي في كيبيك، التي عُرفت بلجنة بوشار-تايلور، وكانت مهمتها معالجة مسألة «التكيف المعقول» للجماعات الدينية والثقافية في المقاطعة . وقد نال تايلور اعترافًا دوليًا واسعًا، فحصل على جائزة تمبلتون عام 2007، ووسام كليوج من مكتبة الكونغرس عام 2015، وجائزة كيوتو عام 2008، وغيرها من الجوائز والتكريمات .


كان سؤاله المركزي يدور حول طبيعة الهوية الحديثة: كيف تشكّلت فكرة «الذات» في العصر الحديث؟ وما الذي جعل الإنسان الحديث يرى نفسه كما يرى اليوم؟ وكيف يمكن أن نفهم الأنا الحديثة بلا أن نختزلها في فردانية مجردة أو عقلانية حسابية؟ وقد أجاب عن هذا السؤال في كتابه الأكبر «مصادر الذات: صناعة الهوية الحديثة» الذي صدر عام 1989، وهو كتاب ضخم يعدّ من أهم ما كُتب في تاريخ الهوية الحديثة، وفيه يرى أن الإنسان كائن «يُفسّر نفسه» و«يُعرّف نفسه»، وأن الهوية ليست معطى جاهزًا إنما تُبنى عبر التاريخ واللغة والثقافة والأخلاق . وقد قال إن الإنسان، بمفارقة غريبة، هو الكائن الوحيد الذي لا يعرف ما يعنيه أن يكون إنسانًا بالطبيعة، إنما يكتشف ذلك عبر تفسير ذاته في سياقات تاريخية محددة .


بدأ تايلور مسيرته الفكرية بنقد حاد لـ«السلوكية» في علم النفس، في كتابه «شرح السلوك» عام 1964، حيث رأى أن تفسير الأفعال الإنسانية لا يمكن أن يقتصر على الملاحظة الخارجية للمنبهات والاستجابات، إنما لا بد أن يشمل الغايات والمعاني والتفسير. ومن هنا رأى أن العلوم الإنسانية تختلف جوهريًا في منهجها عن العلوم الطبيعية، لأن الإنسان ليس موضوعًا صامتًا وإنما كائن يفسّر نفسه وأفعاله . وقد وسّع هذا الموقف في كتاب «التفسير وعلوم الإنسان» عام 1971، وفي مجموعته «أوراق فلسفية» في مجلدين عام 1985 .


من أهم إسهامات تايلور في الفلسفة السياسية مفهوم «سياسة الاعتراف»، الذي طرحه في كتاب «التعددية الثقافية: فحص سياسة الاعتراف» عام 1992. وفيه يرى أن الهوية الإنسانية تتشكل في حوار مع الآخرين، وأن إنكار الاعتراف بالآخر أو تشويه صورته يمكن أن يكون شكلًا من أشكال الظلم، وأن المطالب الثقافية للجماعات المهمشة ليست ترفًا إنما ضرورة لتحقيق الكرامة والمساواة . وقد دافع تايلور عن «الليبرالية الإجرائية» التي لا تفرض تصورًا واحدًا للخير، لكنه في الوقت نفسه رأى أن الحياد التام للدولة تجاه الثقافة والأخلاق وهم، وأن على الدولة أن تعترف بالتنوع الثقافي دون أن تتحول إلى دولة طائفية.


وفي كتابه «أخلاق الأصالة» عام 1991، الذي كان في الأصل محاضرات ماسي، حاول أن يوفّق بين الفردية الحديثة التي تقدّس الأصالة والاختيار الذاتي، وبين الحاجة إلى جماعة وقيم مشتركة. ورأى أن «مرض الحداثة» ليس في الفردية نفسها، إنما في فردية منغلقة فقدت أفقها الأخلاقي، وأن الأصالة الحقيقية لا تتحقق إلا في حوار مع الآخرين وفي سياق من المعاني المشتركة .


في كتابه «عصر علماني» عام 2007، وهو من أضخم أعماله وأكثرها تأثيرًا، طرح تايلور سؤالًا مختلفًا عن السائد: ليس «لماذا تراجع الدين؟» وإنما «كيف صار من الممكن، في مجتمعاتنا، أن نعيش بلا دين، وأن يكون الإيمان أحد الخيارات الممكنة لا المسلمة الوحيدة؟». ورأى أن العلمانية ليست فصل بين الكنيسة والدولة فحسب ، إنما هي تحول في «شروط الاعتقاد» نفسها، حيث صار المؤمن والملحد يعيشان في عالم واحد تتعدد فيه خيارات المعنى. وقد دافع تايلور، وهو كاثوليكي ملتزم، عن فكرة أن العلمانية لا تعني بالضرورة موت الدين، وأن المجتمعات الحديثة يمكن أن تكون علمانية وتظل فيها الروحانية مصدرًا حيًّا للمعنى الأخلاقي .


أثّر تايلور تأثيرًا واسعًا في الفلسفة السياسية والأخلاقية وفلسفة العلوم الاجتماعية وفلسفة الدين، ويُعدّ واحدًا من أبرز ممثلي «الجماعاتية» في الفلسفة السياسية، رغم أنه يرفض هذا التصنيف في كثير من الأحيان. وقد أثّر في النقاشات حول التعددية الثقافية والاعتراف والعلمانية والهوية الكندية والكيبيكية، وترجمت أعماله إلى أكثر من عشرين لغة، من بينها العربية والفرنسية والألمانية والإسبانية والصينية . وقد قال عنه ريتشارد رورتي إنه واحد من أهم الفلاسفة في العالم اليوم، ووصفه إيمانويل ليفيناس ذات مرة بأنه «فيلسوف عظيم» .


لكنه انتُقد أيضًا. اتُّهم في «سياسة الاعتراف» بأنه يفتح الباب للجماعاتية التي قد تهدد حقوق الفرد، وأن مفهوم «الاعتراف» يمكن أن يُستعمل لتبرير مطالب ثقافية تتعارض مع قيم المساواة. واتُّهم في «العصر العلماني» بأنه يقدّم سردًا غربيًا للعلمانية لا ينطبق على مجتمعات أخرى، وأنه يميل إلى تبرير موقف ديني في تحليل ظاهرة العلمانية نفسها. واتُّهم في فلسفته الأخلاقية بأنه يبالغ في دور اللغة والتفسير، وأنه لا يقدّم معيارًا واضحًا للتمييز بين تفسير صحيح وتفسير خاطئ. واتُّهم في حياته السياسية بأنه ظل أسيرًا لموقع كندا وكيبيك، وأن كتاباته عن التعددية الثقافية كانت في جزء منها تعبيرًا عن تسوية سياسية كندية أكثر من كونها نظرية عالمية.


يبقى تايلور مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت في قلب النقاش العام: كيف نعيش معًا في مجتمعات متعددة الثقافات والأديان؟ ما معنى الاعتراف بالآخر؟ هل يمكن أن تكون العلمانية منفتحة على الدين بلا أن تفقد حيادها؟ كيف نبني هوية حديثة بلا أن نفقد الانتماء؟ وكيف نفسّر الأفعال الإنسانية بلا أن نختزلها في سلوك آلي؟ 

لم يقدّم تايلور وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن الإنسان كائن يفسّر نفسه، وأن الهوية تُبنى في حوار لا في عزلة، وأن العلمانية ليست نهاية الدين إنما تحول في شروطه، وأن الفلسفة يمكن أن تكون واضحة ومنفتحة على القارئ غير المتخصص بلا أن تفقد عمقها. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومؤثرًا وملهمًا.


  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي