تستعيد أطروحة ميشيل فوكو في كتابه «المراقبة والعقاب»، والمفصلة في قسم [مكتبتي]، حيوية استثنائية عند إعادة قراءتها في ضوء التحولات التكنولوجية المعاصرة. ينقل عصر البيانات والرقابة الرقمية مفهوم "البانوبتيكون" من أبعاده المعمارية الصلبة داخل السجن الدائري إلى فضاء خوارزمي غير مرئي يلف الحياة اليومية برمتها.
تكشف دراسة تقنيات السلطة الحديثة عن انتقالة حاسمة في طبيعة المراقبة. تحول البانوبتيكون من مبنى حجري ذي برج مركزي وحراسة مرئية إلى شبكة رقمية تعتمد على تتبع الأثر وتجميع البيانات. يغادر الفرد الزنزانة التقليدية ليجد نفسه داخل بيئة رقمية يسهم هو نفسه في تزويدها بالمعلومات عبر استخدام الهواتف الذكية، وحسابات التواصل الاجتماعي، وبطاقات الدفع الإلكتروني، وأنظمة التتبع الآلي.
يتحقق المبدأ الأساسي للبانوبتيكون الفوكوي في هذا الفضاء الفائق؛ إذ يعتمد النظام الرقمي على جعل الفرد مدركاً لاحتمالية المراقبة المستمرة دون أن يرى المراقب نفسه. تدفع هذه المراقبة إلى استدماج السلطة داخل السلوك اليومي، فيكيف المستخدم حركة أفكاره ونشاطه الرقمي وفق المعايير التي تفرضها الخوارزميات.
تنتقل السلطة الرقمية من إخضاع الجسد الفيزيائي وتدريبه على الانضباط إلى تفكيك السلوك الإنساني وتحويله إلى بيانات مكمّمة. يُستبدل الجسد بما يُعرف بـ "الذات الرقمية" أو "البروفايل"، وهو ملف متكامل يضم التفضيلات، والاتجاهات الفكرية، والتحركات الجغرافية، والأنماط النفسية للمستخدم.
تتيح هذه التكنولوجيا للسلطة الرقابية الانتقال من العقاب التلاحقي بعد وقوع الفعل إلى التنبؤ بالسلوك واستباقه. تنشئ الخوارزميات نماذج توقعية تصنف الأفراد وتقيم مستويات الخطر أو الانحراف الفكري قبل ممارسته، مما يحول المراقبة إلى وسيلة للهندسة الاجتماعية وإدارة التوقعات.
تعمل منصات البيانات الضخمة بوصفها مؤسسات انضباطية حديثة تشبه المدارس والسجون في التحليل الفوكوي. تنظم هذه المنصات طريقة تدفق المعرفة وتحدد ما يظهر للمستخدم وما يختفي عنه عبر خوارزميات التوصية الحصرية.
يتحقق الانضباط هنا عبر آليات ناعمة تتوسل بالثواب والعقاب الرقمي؛ حيث يُكافأ السلوك الممتثل بزيادة التفاعل والظهور، بينما يُعاقب السلوك الخارج عن معايير المنظومة بالتقييد الصامت أو الحجب الجزئي. يتعلم الفرد التكيف التلقائي مع هذه القواعد، ليصبح الانضباط عملية ذاتية مستمرة تحكمها رغبة القبول والاستمرار داخل الشبكة.
تفتح هذه القراءة المعاصرة للبانوبتيكون آفاقاً نقدية تتصل بمسارات أعمق داخل مشروع «كانديلا»:
قسم نظرية المعرفة: يتناول مقال «معادلة السلطة والمعرفة الخوارزمية» كيف تُنتج خوارزميات الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة معايير الحقيقة والسوية الاجتماعية.
قسم الأخلاق: يناقش مقال «أخلاقيات العزلة في المجتمعات المكشوفة» إمكانية صيانة الحرية الفردية والاستقلال الأخلاقي في ظل الشفافية القسرية التي يفرضها الفضاء الرقمي.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق