تواصل الدورة التفكيكية الثانية لكتاب «الإنسان ذو البعد الواحد» لهربرت ماركوزه مسارها المنهجي داخل مدونة «كانديلا»، لتنتقل من تشريح تسطيح الفضاء العام في قسم [المواطنة] إلى تفكيك البنية الفلسفية واللغوية التي تحكم العقل الحديث في قسم [نظرية المعرفة].
ينتقل هربرت ماركوزه في القسم الثاني من كتاب «الإنسان ذو البعد الواحد» إلى معالجة البُعد الإبستمولوجي للهيمنة التكنولوجية؛ حيث يثبت أن خضوع الإنسان للمنظومة لا يتم عبر المؤسسات السياسية والاقتصادية فحسب، إنما يتأسس أولاً داخل بنية التفكير ومفاهيم المعرفة السائدة. تنجح العقلانية الإجرائية في تجريد العقل من طاقته النقدية التاريخية، وتحويل الفلسفة من أداة لمساءلة الواقع وكشف تناقضاته إلى أداة وظيفية تتكيف مع القائم وتشرعن كفاءته.
تتراجع الفلسفة النقدية التجريدية أمام طغيان الوضعية الجديدة والفلسفات النفعية والتحليل اللغوي الإجرائي. يُعاد تعريف المعرفة الحقيقية والتفكير العقلاني بحدود ما هو قابل للقياس والتطبيقي والتجريبي؛ حيث يُستبعد كل تفكير يتجاوز المعطى المباشر أو يسعى لتفكيك الجذور التاريخية والاجتماعية للظواهر، ليتحول العقل الفلسفي من عقل نفي وتجاوز إلى عقل إجرائي يكتفي بتنظيم المعطيات وتطوير أدوات الإدارة.
يكشف ماركوزه عن المخاطر المعرفية المقترنة بهيمنة النماذج الوضعية والإجرائية في العلوم الإنسانية والفلسفة؛ حيث يُفرض منهج يختزل الحقيقة في الوقائع المباشرة الملموسة. يُقصى التفكير المركّب الذي يربط الجزء بالكل، ويُحظر استخدام المفاهيم الكلية الشاملة التي تتجاوز السطح الظاهري للواقع، بدعوى افتقارها إلى التحديد الإجرائي أو القابلية للتحقق التجريبي المباشر.
يؤدي هذا الاختزال إلى حجب التناقضات الجوهرية التي تعيشها الذات داخل المنظومة؛ إذ يُمنع الفكر من صياغة أطروحات نقدية تتناول كليات مثل "العدالة"، أو "الاهتزاز الروحي"، أو "الاغتراب". يتحول التفكير العقلاني في هذا السياق إلى مجرد تفكير نفعي يتساءل عن كيفية تشغيل الآلية وزيادة كفاءتها، بدلاً من التساؤل عن شرعية الأهداف التي تُساق إليها البشرية عبر هذه الآلية.
يمتد هذا الانغلاق المعرفي ليصيب الأداة الأولى للفكر وهي اللغة؛ حيث يشرح ماركوزه كيف تعمل الفلسفات التحليلية واللغوية الوظيفية على تقليم أظافر الفكر عبر تطهير اللغة من أبعادها النقدية والتاريخية. تُختزل المفاهيم السياسية والأخلاقية في تعريفات إجرائية ضيقة تطابق المعنى المعجمي والسلوكي القائم، مما يحول دون إمكانية التفكير في واقع مغاير أو صياغة حقيقة نقدية تتجاوز تجربة السوق والاستهلاك.
تنسد المنافذ أمام تطوير لغة نقدية أصيلة؛ إذ تصبح الألفاظ والمفاهيم محصورة في صيغ تشغيلية تصف المباشر وتغفل المسار التاريخي الذي أنتجه. يتساوى السلوك اللغوي مع السلوك الاجتماعي في الانصياع والانضباط، فتتحول اللغة من وسيلة للتحرر وكشف القمع المترسب في المفاهيم إلى شفرة تواصلية مغلقة تعيد إنتاج الهيمنة وتضمن التكيف المريح للجمهور مع القواعد السائدة.
يُمهد هذا التشريح المعرفي لانغلاق الفكر النفعي وسيادة التفكير الإجرائي للانتقال إلى المحور الأخير والختامي في هذه السلسلة عبر مدونة «كانديلا»:
قسم فلسفة الحياة: يدرس المقال القادم بعنوان «مأزق التحرر: الرفض الجسيم في مواجهة الاحتياجات الزائفة» إمكانات استعادة الحرية الفردية، وتكشف السلسلة عن الموقف الأخلاقي والوجودي الخلاصي للذات في مواجهة العالم موحد البعد.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق