تصل الدورة التفكيكية الثانية لكتاب «الإنسان ذو البعد الواحد» لهربرت ماركوزه إلى محطتها الأخير داخل مدونة «كانديلا»، لتختتم السلسلة بالانتقال من التشريح المعرفي في قسم [نظرية المعرفة] إلى الأفق الأخلاقي والوجودي الخلاصي في قسم [فلسفة الحياة].
يصل هربرت ماركوزه في خاتمة مساره النقدي داخل كتاب «الإنسان ذو البعد الواحد» إلى المسألة الأخلاقية والوجودية الأكثر إلحاقاً: كيف يمكن للذات الإنسانية أن تستعيد حريتها واستقلالها في عالم استطاع استيعاب التناقضات وإغلاق الأفق النقدي؟ يثبت ماركوزه أن أزمة التحرر في العصر الحديث لا تكمن في قسوة السلطة الظاهرة فحسب، بل في نجاح المنظومة في امتلاك اللاوعي البشري وإعادة صياغة الرغبات والاحتياجات اليومية للفرد.
يغدو التحرر معضلة مركبة؛ إذ تشعر الذات بالرضا والاكتفاء داخل قيودها، وتدافع عن أشكال استعبادها بوصفها حريتها الشخصية. يتطلب الخروج من هذا المأزق تفكيك طبيعة الرغبات التي تحرك الإنسان، والتمييز الحاسم بين ما يخدم وجوده الأصيل وما يكرس خضوعه المريح لآلية الإنتاج والاستهلاك القائمة.
يكشف ماركوزه عن أن المنظومة الصناعية المتقدمة تضمن استمرارها عبر خلق "احتياجات زائفة" تُزرع في وعي الأفراد عبر الإعلام والإعلان والنمط المعيشي السائد. تُصمم هذه الاحتياجات — من استهلاك متواصل للسلع، وتحديث مستمر للمقتنيات، وانغماس في الترفيه الموجه — لإبقاء الإنسان في حالة عمل جهيد واستهلاك قهري دائم، مما يمنعه من التفكير في إمكانات تحرره الفعلي.
تتأسس الحرية الحقيقية على قدرة الفرد على التمييز بين هذه الاحتياجات المفروضة والاحتياجات الأصيلة التي تتصل بكرامته، وتنميات قدراته الفكرية، وصيانة استقلاله الروحي. تتطلب استعادة الإرادة الذاتية الوعي بأن الرفاهية المادية المتاحة لا تكافئ الحرية؛ إذ يظل الفرد موضوعاً للهندسة الاجتماعية طالما أنه يتلقى معايير سعادته ورغباته جاهزة من خارجيته دون أن يصنعها بوعيه الخالص.
يطرح ماركوزه مفهوم "الرفض الجسيم" (The Great Refusal) كإمكانية أخلاقية ووجودية أخيرة لمواجهة التنميط ومقاومة الذوبان في العالم موحد البعد. لا يعني هذا الرفض مجرد انسحاب سلبي أو عزلة مجردة، بل يتمثل في الموقف الرافض للاعتراف بشرعية المنظومة الاستهلاكية، والامتناع الواعي عن المشاركة في آلياتها التي تقمع الإنسان وتسلبه إنسانيته.
يتجلى هذا الرفض في الممارسات الثقافية والفكرية والفنية التي تأبى الخضوع لمعايير النفعية والسوق، وتصر على تقديم رؤية جمالية وأخلاقية تذكر الإنسان بما يمكن أن يكون عليه خارج قيود المنظومة. يمثل "الرفض الجسيم" الشهادة الأخيرة لسيادة الذات؛ فهو إعلان صارم عن أن وعي الإنسان وضميره يظلان عصيين على التدجين والاستيعاب الكامل، حتى في أكثر المجتمعات تطوراً وإحكاماً للسيطرة.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق