الإنسان ذو البعد الواحد: حين يصبح الانتماء امتثالًا

 


عندما يتكثّف الخطاب حول المواطنة والحرية، يبرز سؤال مركزي: هل لا تزال المواطنة أفقًا للتحرر أم تحوّلت إلى آلية للدمج والسيطرة؟ في كتابه «الإنسان ذو البعد الواحد»، يقدّم هربرت ماركوزه تشخيصًا حادًا لانحدار الوعي النقدي تحت هيمنة النظام الصناعي المتقدم، حيث يُختزل الإنسان إلى بعد واحد، ويُفرّغ من قدرته على التفكير الحر والمشاركة الفاعلة. هذا النص يسعى إلى إعادة قراءة أطروحة ماركوزه من خلال عدسة المواطنة، بوصفها علاقة جدلية بين الفرد والمؤسسة، بين الانتماء والنقد، وبين الدمج والمقاومة.

لقراءة كتاب «الإنسان ذو البعد الواحد» من زاوية المواطنة، يمكننا أن نعيد تأطير مفاهيمه النقدية لتفكيك العلاقة بين الفرد والدولة في ظل الهيمنة التقنية والاقتصادية.


مدخل فلسفي: المواطنة في مجتمع السيطرة العقلانية

يرى ماركوزه أن المجتمع الصناعي الحديث يمارس سيطرة عقلانية تُفرغ الفرد من قدرته على المقاومة، عبر إشباع حاجاته بطريقة تجعل التغيير يبدو غير ضروري. في هذا السياق، المواطن لا يُنظر إليه كفاعل سياسي، بل كمستهلك مندمج في نظام يُعيد إنتاج نفسه باستمرار.


الإعلام والمواطنة الشكلية

الإعلام، بحسب ماركوزه، هو جهاز أيديولوجي يُعيد تشكيل وعي المواطن ليطابق النظام القائم. المواطنة هنا تصبح شكلية وزائفة: الفرد يشارك في الانتخابات، يستهلك الخطاب الرسمي، لكنه لا يملك أدوات نقد النظام أو تغييره.


البعد الواحد مقابل التعددية الديمقراطية

ينتقد ماركوزه اختزال الإنسان إلى بعد واحد: البعد الاقتصادي-الاستهلاكي، مما يُضعف قدرته على التفكير النقدي أو ممارسة مواطنة حقيقية. المواطنة الحقيقية تتطلب تعدد الأبعاد: الوعي التاريخي، الأخلاقي، الثقافي، والسياسي، وهي أبعاد تُطمس في المجتمع التقني الحديث.


يسأل ماركوزه: لماذا لم تحدث الثورة في المجتمعات الصناعية؟ الجواب يكمن في الدمج الساحق للفرد داخل النظام. هذا يدفعنا لسؤال موازٍ: هل يمكن للمواطنة أن تكون ثورية؟ أم أنها أصبحت أداة لاحتواء التغيير؟


تضعنا قراءة ماركوزه أمام مفارقة جارحة: أن المواطنة الحديثة، وهي التي يفترض أن تُجسّد فعلًا للحرية والمشاركة، باتت في كثير من الأحيان قناعًا يغطي آليات الإقصاء والامتثال. فحين يُحاصر الفرد داخل بعدٍ واحد، تُطمَس قدرته على الحُلم، على السؤال، وعلى تخيّل بدائل. من هنا، فإن استعادة المواطنة بوصفها فعلًا نقديًا ومركّبًا، لا تكتمل إلا بفك الارتباط بين الاستهلاك والانتماء، والسعي إلى تخيّل أشكال جديدة من الوجود السياسي تتجاوز طُغيان النظام الشامل.

أمجد نيوف

 

 

 


  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي