وفاة الله: متى وكيف وماذا عن مراسم الدفن؟


 

لا تمثل وفاة الله حدثا تاريخيا مفاجئا يدوي صوته كالرعد، بل عملية تفكيكية مستمرة تبدأ منذ أن كشف العقل الحديث عن الوهم اللاهوتي الذي سَمَتْ البشرية به لقرون. نيتشه أعلنها بلحظة درامية: الله مات، ونحن قتلناه بيدينا عندما تجاوزناه بالعلم والفن والشك. 


لكن السؤال الجدلي الأصيل هو: متى يموت الله فعلا؟ الجواب ليس تاريخا محددا في التقويم، بل لحظات تراكمية تسقط فيها المعجزات أمام التفسير العلمي، وتنهار الأخلاق الإلهية أمام قيم بشرية عقلانية، ويصمت الاله أمام صرخات المعاناة التاريخية. يموت الله تدريجيا، كجثة تتحلل ببطء تحت ضوء المنطق، منذ غاليليو الذي حرّك الأرض حول الشمس، إلى داروين الذي اثبت أن الحياة تنبثق من الطبيعة لا من نفخة في الطين.


هذه الوفاة ليست نهاية العالم، بل ولادة الوعي الجديد الذي يواجه العدم الوجودي بشجاعة. في الماضي، كان الاله ضروريا كضامن للمعنى والعدل، آلية سلطوية تسيطر على الأجساد بالخوف من الجحيم والأمل في الجنة. لكن العقل الحديث يكشف وظيفته الحقيقية: صفقة تجارية مقنعة بين الطاعة والثواب.

الأخلاق لا تحتاج مراقبا خارقا لتكون ملزمة؛ «كانط» ربطها بالواجب العقلي، و«ميل» قاسها بمنفعة بشرية متبادلة مبنية على التعاطف لا على أوامر سماوية. هنا يبدأ الموت الحقيقي: عندما يدرك الفرد أن قيمه يصنعها بنفسه، من خلال العمل والعلاقات والفن، دون سند غيبي يبيع الاطمئنان مقابل الخضوع.

أما مراسم الدفن، فتظل معلقة إلى اجل غير مسمى، لعدم وجود مشيعين! بعد وفاة الله، تنهار المصلحة الوهمية تماما. لماذا يصلي المرء لغياب لا يستجيب؟ لماذا يتبرع لجثة فقدت قيمتها التجارية؟ الدين باع خدمات روحية كتأمين على حياة أخرى، لكن الحياة الوحيدة هي هذه، حيث تكمن المصلحة في بناء عالم عادل هنا والآن عبر العلم والحقوق والتضامن.

يعكس غياب المشيعين تحولا جذريا. في أزمات التاريخ الكبرى، كالهولوكوست ومجازر الإبادة في رواندا، صمت الاله، وتوقف المبررون عن تسميتها ابتلاء، واكتشف الناس بدائل في الفلسفة الوجودية عند «سارتر»، والعلم النفسي عند «فرويد» الذي فضح الدين كوهم عصبي، والتقدم التكنولوجي الذي يعد بخلود اصطناعي دون معجزات.

يموت الله نهائيا في العالم العلماني العملي، حيث يحكم القانون لا الوحي، والتعليم لا الخرافة، والحرية لا الخوف. هذا ليس نبوءة، بل واقع متسارع؛ في الغرب يتراجع الالتزام الديني إلى اقل من ثلاثين في المئة بين الشباب، وفي العالم العربي تنتشر الشكوك عبر مواقع التواصل الاجتماعي رغم القمع.

يموت الله في غرف الدردشة حيث يفضح المنطق تناقضات الكتب المقدسة ووحشيتها التاريخية. لكن هل يموت أم يتحول؟ لم يوجد الله أبداً خارج الخيال البشري، فموتُه موتُ الوهم الذي صنعه الإنسان ليطمئن، وولادة الشجاعة في وجه العدم.

وفاة الله ليست مأساة، بل احتفال بمسؤولية كاملة. نحن من يصنع الشر والخير، ويحدد مصير الكوكب. يتطلب ذلك إبادة ذاتية هائلة، لكنها تفتح أفقاً إنسانياً كونيا يتجاوز المصلحة الفردية.

في صمت العقل المنتصر، تترك الجثة الإلهية لتتحلل وحدها، بينما يتقدم الإنسان القائم وحيدا نحو خلق معناه الخاص.

أمجد نيوف

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي