تمثل القطيعة مع التاريخ الديني للإسلام ــ بوصفها
ممارسة نقدية للعقل ــ لحظة تحرر لا تُقاس بحدود الإيمان أو الكفر، بل بمقدار ما
تنتزعه من الوعي الموروث لصالح وعيٍ مؤسَّس على الاستقلال الفكري. فالمسألة ليست
في استبدال معتقد بآخر، بل في تحرير الفكر من سطوة السرديات المقدسة التي كوّنت
الذات الإسلامية عبر العصور وجعلتها مرتهنة لتصورٍ لاهوتي للعالم، للسلطة،
وللحقيقة.
بما أنني أنفي التأسيس الغيبي للوجود والمعنى ـ أرى
أن التاريخ الإسلامي بنية خطابية مغلقة اشتغلت على إنتاج الإنسان بوصفه تابعًا
للوحي، لا فاعلاً للعقل. ومن ثم فإن القطيعة المنشودة ليست إنكارًا تعسفيًا لما
مضى، بل تفكيكًا جذريًا لمنطق القداسة الذي يحول دون مساءلة الماضي. فكلّما ظلّ
هذا الماضي متعاليًا، ظلّ الحاضر مشلولًا أمامه، يفكّر تحت شروطه ويتنفس داخل
لغته.
القطيعة، في هذا المعنى، هي فعل فلسفي تأسيسي، أي انقلاب
في وظيفة الفهم، من التبرير إلى الكشف، من المحافظة إلى النقد. إنّها تمزيقٌ
للحجاب الذي يفصلنا عن إمكانية التفكير في الإسلام بما هو ظاهرة تاريخية بشرية،
تتبدى فيها أنساق السلطة والخطاب والمقدس. بهذه القطيعة، يصير الإسلام موضوعًا
للفكر لا مصدرًا له، ويصبح العقل حاكمًا على النص لا محكومًا به.
غير أنّ هذه القطيعة لا تعني القطيعة مع الإنسان
المسلم، بل على العكس، هي تحرير له من الاغتراب الذي فرضه عليه التاريخ حين صاغ
وعيه ضمن حدود الطاعة. فحين يتملّك الإنسانُ القدرة على النظر إلى تاريخه دون
رهبة، يستعيد ذاته ككائن عاقل لا كظلّ لمقدّسٍ غابر. وهكذا، فإن القطيعة لا تنزع الإيمان
فحسب، بل تفتح إمكان الحرية الوجودية التي كان الإيمان ـ في صيغته التاريخية
السلطوية ـ قد سدّ أفقها.
إنّ مهمة الفكر النقدي ليست هدمًا عبثيًا، بل هدمٌ
من أجل التأسيس، أي تأسيس إنسانٍ لا يحتاج إلى أصلٍ خارج ذاته كي يمنح لحياته
معنى. ومن هنا تكتسب القطيعة مع التاريخ الإسلامي معناها العميق كشرطٍ أولي لولادة
«الأنا الحديثة» في فضاءٍ عربيّ ما زال يتردّد بين الحنين للمقدس والخوف من العقل.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق