لطالما وقف العقل البشري، برغم
جبروته المنطقي، متلعثماً أمام الأسئلة الوجودية الكبرى، وكأن ثمة حجاباً كثيفاً
يفصل بين "المعلومة" و"الحقيقة". هنا، في قلب التراث
الإسلامي، يبرز «العرفان العلوي» ليس كنسق فلسفي بارد يُضاف إلى رفوف المكتبات، بل
كدعوة لانقلاب جذري في بنية الوعي البشري. إننا أمام رحلة وجودية تتجاوز حدود
الإدراك الحسي، لتبحث عن «المعرفة» في فضاءات يتقاطع فيها الزمان بالخالد، واللفظ
بالمعنى المستور.
أولاً: سيمياء
الإمامة.. حين ترتقي المعرفة فوق عتبات العقل الظاهري
في العرفان العلوي، نحن لا نتحدث عن تراكم معلوماتي، بل عن تحول إبستمولوجي (معرفي) يعيد تعريف مصدر العلم. فبينما يكتفي الإنسان العادي بـ «العقل الظاهري» الذي يحلل ويقيس، يذهب العرفان العلوي نحو أفق أرحب يسمى «الإلهام العلوي».
تكمن «العلوية» هنا في جوهرها
المعرفي؛ حيث ينبع العلم من مراتب روحية عليا ترتبط ارتباطاً عضوياً بمقام
الإمامة. في هذا السياق، يتحول «التأويل الهرمينوطيقي» للنصوص من مجرد جهد لغوي
إلى عملية "كشف" إلهية. المعرفة هنا لا تُؤخذ قسراً بالمنطق وحده، بل
تُمنح كفيض يربط وعي المريد بالمصدر المعصوم، مما يجعل الفهم عملية «وصل» لا مجرد «تحليل».
ثانياً: الهرمية
المقدسة.. لماذا يفترق العرفان العلوي عن التصوف التقليدي؟
ثمة خيط رفيع وفارق جوهري يفصل
بين الوجد الصوفي التقليدي وبين الانضباط العرفاني العلوي. فبينما يطمح التصوف
غالباً إلى «الاتحاد الشخصي بالذات الإلهية» عبر تجربة فردية قد تغيب فيها الضوابط
الهيكلية، يقوم العرفان العلوي على «هرمية إمامية دقيقة» وصارمة.
هذه الهرمية ليست تنظيماً
إدارياً، بل هي ضرورة معرفية تجعل اليقين مرتبطاً بالوسيط المقدّس: «يمنح الأئمة
المعرفة الباطنية (الإلهام) للمريدين عبر التأويل (التأويل الباطني للقرآن
والحديث).»
يمثل هذا المفهوم نقطة تحول
جوهرية؛ فالمعرفة الباطنية ليست شطحاً ذاتياً، بل هي هبة منظمة تتدفق عبر قناة
الإمامة. هذا التأطير يمنح العرفان العلوي استقراراً معرفياً (يقيناً)، حيث يصبح
الإمام هو «المؤول الأول» الذي يضمن للمريد عدم التيه في أدغال التأويلات الشخصية،
محولاً التجربة الروحية إلى مسار وجودي واضح المعالم.
ثالثاً: وحدة
الجوهر وتعدد المظاهر.. من «الانتظار النشط» إلى «التجاوز الثالوثي»
يتجلى العرفان العلوي في صور
فكرية متعددة، لكنها تلتقي جميعاً عند نقطة تجاوز «الثنائية الذهنية» والبحث عن
الحقيقة الغائبة خلف الحجب، ويتضح ذلك في مسارين:
أولا. الشق الاثني عشري
(ديناميكية الغيبة): لا تُفهم «الغيبة المهدية» هنا كسكون أو غياب سلبي، بل هي «انتظار
معرفي ديناميكي». إنها حالة من الاستنفار الروحي والعقلي، حيث يتحول غياب الإمام
الفيزيائي إلى محرك للبحث عن الحقيقة الباطنية، واستكمال الرحلة المعرفية عبر
استحضار توجيهاته التأويلية.
ثانيا. الشق النصيري/الخصيبي
(الوحدة الثالوثية): تبرز الرمزية الفلسفية للثلاثية (علي، محمد، سلمان) كأداة
هرمينوطيقية تهدف إلى كسر الجمود الذهني وتجاوز الثنائيات (ظاهر/باطن، ذات/صفات)
للوصول إلى وحدة ثالوثية ترمز لتجليات الحقيقة في مستويات الوجود المختلفة.
رابعاً: الخلاص عبر
«الغنوص».. رحلة وجودية بلمسة شيعية فريدة
يعيد العرفان العلوي صياغة
التراثات الغنوصية (العرفانية) والإسماعيلية القديمة، لكنه لا يكتفي باستعارتها،
بل يصبغها بـ «لمسة شيعية مميزة» تجعل من الإمامة محور الخلاص.
المعرفة في هذا السياق ليست عملية
ذهنية باردة، بل هي «رحلة وجودية هرمية» يترقى فيها الإنسان من مرتبة إلى أخرى.
هنا يلتقي مفهوم «الغنوص» Gnosis بفكرة
الولاء للإمام؛ فتصبح المعرفة هي وسيلة الخلاص الوحيدة، ولكنها معرفة مشروطة
بالارتباط بالمصدر المعصوم. إنها عملية إعادة صياغة ذكية تجعل من المعرفة الباطنية
رحلة تبدأ بالولاء وتنتهي بالكشف عن الحقائق الكبرى التي تمنح الوجود معناه
الحقيقي.
الخاتمة: نحو أفق معرفي جديد
إن العرفان العلوي، بجسوره
الممتدة بين الإلهام والتأويل، يضعنا أمام رؤية استثنائية تعيد الاعتبار للروح في
العملية الإدراكية. إنه لا يقدم أجوبة جاهزة، بل يفتح آفاقاً لرحلة لا تنتهي نحو
الباطن، محولاً العلم من مجرد «وظيفة» عقلية إلى «غاية» وجودية.
ويبقى السؤال الذي يقرع أبواب
وعينا المعاصر: هل يمكن للعقل الحديث، الذي أرهقته المادية الجافة، أن يستعيد
توازنه المفقود عبر مناهج معرفية تضع «الروح والإلهام» في قلب عملية الإدراك،
ليعيد قراءة العالم بعين البصيرة لا بعين البصر وحده؟
01/02/2026
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق