تثير قضية جيفري إبستين سؤالًا يتجاوز بعدها الأخلاقي المباشر إلى ما هو أعمق، أي إلى «طبيعة البنية القانونية والأخلاقية» التي أنتجت إمكانية الكشف عنها ومساءلة المتورطين فيها. فالجهة التي كشفت الجريمة وحاكمت الفاعلين ليست «القيم الفردية» بل «منظومة القانون والمؤسسات»، أي البنية التي تسمح للمجتمع بمساءلة ذاته من داخلها، لا باعتبارها فعلًا أخلاقيًا طارئًا، وإنما بوصفها آلية بنيوية لضبط الانحراف والحد من سلطته.
إنّ هذا البعد يميّز المجتمعات
التي تحتكم إلى مبدأ «الدولة القانونية» عن تلك التي تحكمها المرجعيات المطلقة.
ففي الأولى، الجريمة تمثل انحرافًا عن النسق القيمي ويجري التعامل معها وفق مبدأ
المساءلة؛ أمّا في الثانية، فإن الخطأ ذاته غالبًا ما يُعاد تأويله في ضوء المبدأ
المقدّس ليُشرعن كفعل ضروري أو مشروع. هنا تتبدّى «إشكالية العلاقة بين الأخلاق
والتقديس»: فحين يُستمدّ معيار الحق من المطلق لا من العقل المؤسسي، يتحوّل الانتهاك
إلى ممارسة «مقدّسة»، ويغيب الحدّ الفاصل بين ما هو أخلاقي وما هو أيديولوجي.
تحيلنا هذه المفارقة إلى سؤال
أعمّ حول «طبيعة الوعي الحديث»، الذي يقوم على الاعتراف بقدرة الإنسان والمؤسسة
على النقد الذاتي. فالمجتمعات الحديثة لا تدّعي العصمة، بل تمتلك آلية لمواجهة
الخطأ وتحويله إلى لحظة معرفية. بينما المجتمعات المغلقة تنفي الخطأ من أصل
الوجود، لأنها تنفي إمكانية مراجعة ذاتها. بهذه المقارنة، لا يعود الخلاف بين «الغرب»
و«الآخر» مسألة قيم بل مسألة بنية وعيٍ وإدراكٍ للعلاقة بين الفرد، السلطة،
والمعرفة.
إنّ الذين يسارعون لاختزال
الحضارة الغربية في خطايا أفرادها يخلطون بين «الفعل الفردي» و«البنية الفكرية»
التي تنظمه. فإبستين ليس ممثلًا للحضارة، لكن «محاكمته تمثّلها» بمعنى أنّ المؤسسة
استطاعت أن تضع السلطة موضع المساءلة. ومن هنا، تبرز المفارقة التي يتجاهلها نقد
الخطاب الإسلامي الأيديولوجي المعاصر: إذ بينما يهاجم الغرب أخلاقيًا، يعيش عمليًا
على منجزاته — من دولة المؤسسات إلى الحريات الأكاديمية والتقانية. هذا التناقض
يكشف بنية ذهنية استهلاكية لا تنتج مفاهيمها الخاصة، بل تستهلك نتاج الحداثة وتدين
شرطها المعرفي.
بهذا المعنى، لا تكمن المسألة في
جرائم الأفراد، بل في قدرة المجتمع على إنتاج «وعيٍ مؤسسي نقدي» يجعل من الخطأ
مناسبةً لإعادة تأسيس الحق، لا لتبرير الباطل. وهذا هو الحدّ الفاصل بين الحضارة
التي تصحح ذاتها والحضارة التي تكرّر أخطاءها باسم المقدّس.
.png)
تعليقات: (0) إضافة تعليق