ما الذي يجعلنا ننجذب إلى زرقة البحر، أو
نميل إلى التماثل في الوجوه، أو نُفتَن بمنظر طبيعي معين دون غيره؟ هل ذوقنا
الجمالي فطريّ أم مكتسَب؟ بين نبضات الدماغ القديم وأصداء الثقافة الحديثة، يتشكل
تفضيلنا للجمال كخريطة معقّدة من الغرائز، الرموز، والذكريات. في هذا النص، نغوص
في الجذور البيولوجية والثقافية للجمال، من ألوان تُسعدنا إلى أشكال تريحنا، ومن
مشهد السافانا الأولى إلى غلاف مجلة موضة، لنفهم كيف ينسج العقل البشري
"ذوقه" الجمالي عبر الزمان والمكان.
ما هو "الفن القبيح"؟
الفن ليس دائمًا عن الزهور والمناظر الساحرة.
بعض الأعمال تتحدى المفهوم التقليدي للجمال عبر:
تصوير الجسد المشوّه (مثل لوحات فرانسيس
بيكون).
استخدام مواد مقزّزة (دماء، نفايات، كما في
أعمال هرمان نيتش).
استفزاز المشاعر السلبية (الخوف، الاشمئزاز،
كما في فن "الغروتيسك").
لماذا نقدّر ما يُقزِّمنا؟ نظريات
فلسفية
أ. نظرية "الرهبة" The
Sublime عند كانط
الجمال ليس فقط "اللطيف"، بل أيضًا
ما يهزّنا بعمق. المشاهد المزعجة (مثل لوحات الحرب لغويا) قد تمنحنا إحساسًا
بالرهبة والوعي بالوجود.
ب. التطهير Catharsis عند أرسطو
الفن القبيح يُفرّغ المشاعر السلبية عبر
التعبير عنها، مثل المسرحيات التراجيدية.
ج. الفن كمرآة للوجود
الأعمال التي تُظهر القبح (مثل تشريح الجسد
في فن كيكي سميث) تُذكرنا بهشاشة الحياة، مما يمنحها عمقًا جماليًا.
علم النفس: لماذا ننجذب إلى ما يُرعبنا؟
1. فضول المعرفي: الدماغ
ينجذب إلى ما يُثير حيرته (مثل ظاهرة "مثل الوادي Uncanny
Valley" في الروبوتات الشبيهة بالبشر).
2. التنافر المعرفي: التناقض
بين الاشمئزاز والإعجاب يخلق تجربة فريدة (مثل مشاهدة أفلام الرعب).
3. كسر الروتين: الفن
القبيح يصدمنا ويُخرجنا من الملل، كما في حركة الدادائية التي سخرت من الفن نفسه!
الفن
القبيح كأداة سياسية واجتماعية
بعض الفنانين
يستخدمون القبح لفضح الحقائق المزعجة:
1. أعمال بانكسي عن
الحرب والفقر.
2. منحوتات باتريسيا
بيكينيني الهجينة بين البشر والحيوانات، التي تنتج هندسة وراثية.
هنا، القبح ليس
غاية، بل وسيلة لإجبارنا على النظر إلى ما نرفض رؤيته.
هل يمكن أن يكون
القبح جميلًا؟ الجدل المستمر
1. الذوقي:
"الجمال في العين الناظرة" — فما يراه
البعض قبيحًا، يراه آخرون صادقًا أو ثوريًا.
2. الفلسفي:
الجمال الحقيقي قد يكمن في القدرة على الإثارة بغض
النظر عن المشاعر التي يثيرها.
كما كتب الفيلسوف أمبرتو إيكو في كتابه "تاريخ القبح": "القبح أكثر إثارة للاهتمام من الجمال... لأنه يحكي قصة."
القبح
كوجه آخر للجمال
الفن القبيح يتحدى
تعريفنا الضيق للجمال، ويذكرنا أن:
الجمال ليس تناغمًا
دائمًا، بل أحيانًا صدمةٌ توقظنا.
الإزعاج فنٌ أيضًا،
خاصة عندما يكشف عن الحقائق المُغلفة بالسكّر.
فهل يمكن أن يكون
قبح العمل الفني هو بالضبط ما يجعله جميلًا؟ ربما الإجابة ليست "نعم" أو
"لا"، بل "هذا يعتمد على ما تبحث عنه في الفن".
يبدو أن الجمال ليس
اختيارًا بريئًا، بل تفاعل حيّ بين الجينات والبيئة، بين ما نراه وما نشعر به.
إننا نحب ما يشبهنا أحيانًا، وننجذب لما يفاجئنا أحيانًا أخرى. فاللون الذي يريحك
قد يُربك غيرك، والصورة التي تراها فاتنة قد تبدو لغيرك عادية—لكن خلف كل ذوق،
هناك تاريخ بيولوجي، وحس ثقافي، ولمسة شخصية لا تُختزل. هكذا يصبح الجمال مرآة
مزدوجة: تعكس من نحن ككائنات حية، ومن نصبحه كمجتمعات وثقافات.

تعليقات: (0) إضافة تعليق