لماذا نحب بعض الألوان والأشكال أكثر من غيرها؟

 


ما الذي يجعلنا ننجذب إلى زرقة البحر، أو نميل إلى التماثل في الوجوه، أو نُفتَن بمنظر طبيعي معين دون غيره؟ هل ذوقنا الجمالي فطريّ أم مكتسَب؟ بين نبضات الدماغ القديم وأصداء الثقافة الحديثة، يتشكل تفضيلنا للجمال كخريطة معقّدة من الغرائز، الرموز، والذكريات. في هذا النص، نغوص في الجذور البيولوجية والثقافية للجمال، من ألوان تُسعدنا إلى أشكال تريحنا، ومن مشهد السافانا الأولى إلى غلاف مجلة موضة، لنفهم كيف ينسج العقل البشري "ذوقه" الجمالي عبر الزمان والمكان.


الجذور البيولوجية: الطبيعة تُبرمج تفضيلاتنا

أظهرت دراسات أن بعض التفضيلات الجمالية مشتركة بين الثقافات وحتى لدى الرضع، مما يشير إلى أساس بيولوجي:

 

الألوان:

الأزرق هو اللون المفضل عالميًا (ربما لارتباطه بالسماء والماء، مصادر الحياة والأمان).

الأحمر الفاتح يلفت الانتباه بيولوجيًا (يرمز للخطر أو الجذب الجنسي في الطبيعة، مثل الزهور أو الدم).

الأشكال:

التماثل يعتبر جميلًا لأنه مؤشر على الصحة في الكائنات الحية (مثل الوجوه أو أجنحة الفراشات).

المنحنيات الناعمة (مثل التلال أو الأجسام العضوية) تُفضّل على الزوايا الحادة، ربما لأنها أقل تهديدًا.

تجربة مثيرة: في دراسة نُشرت في Nature، أظهر الرضع ميلًا للنظر إلى الوجوه المتناظرة، حتى قبل تعرّضهم لمعايير ثقافية!


الثقافة: كيف تُعيد صياغة الجمال

رغم الأسس البيولوجية، تلعب الثقافة دورًا حاسمًا في تشكيل الذوق:

الألوان:

في الصين، الأحمر مرتبط بالحظ والسعادة، بينما في بعض الثقافات الأفريقية يرتبط بالحداد.

الأبيض في الغرب رمز النقاء، بينما في الهند والصين يرتبط بالموت.

الأشكال:

الفن الإسلامي يُجنّح للأشكال الهندسية المعقدة (تحريم تصوير الكائنات الحية).

الفن الأفريقي التقليدي يُقدّس التماثيل ذات الملامح المبالغ فيها، كتعبير عن الروحانيات.

مثال: لوحة الموناليزا قد لا تُعتبر جميلة في ثقافة تقدر التجريدية أكثر من الواقعية.


التطور والبيئة: لماذا نفضل "الخضرة والماء"؟

تشرح نظرية السافانا أن البشر يفضلون المناظر التي تشبه موطن أسلافهم:

المروج الخضراء والمسطحات المائية تُثير مشاعر إيجابية لأنها علامات على الموارد والبقاء.

هذا يفسر لماذا ندفع المزيد للشقق المطلة على البحر أو الحدائق!


علم الأعصاب: متعة الجمال في الدماغ

عندما نرى شيئًا جميلًا (لوحة، غروب شمس)، يُنشّط نظام المكافأة في الدماغ:

النواة المتكئة تفرز الدوبامين، مما يخلق شعورًا باللذة.

القشرة الأمامية المدارية تربط الجمال بالمشاعر والذاكرة.

حقيقة: الموسيقى والألوان المُفضلة تُنشّط نفس المناطق التي يُنشطها الطعام الشهي أو المال!


الجمال بين الغريزة والتعلّم

تفضيلاتنا الجمالية هي مزيج ديناميكي من:

الغريزة (بيولوجيا التطور).

التكيف الثقافي (ما نعتاده أو نُعلَّم تقديره).

التجربة الشخصية (ذكريات مرتبطة بلون أو شكل).

كما قال الفيلسوف إيمانويل كانط: "الجمال حكم لا يعتمد على مفهوم، بل على إحساس بالمتعة أو الألم."

فهل يمكن أن يكون حبنا للون الوردي (الذي كان يُعتبر "ذكرًا" في القرن 19) مجرد موضة ثقافية؟ أم أن هناك جذورًا أعمق؟


يبدو أن الجمال ليس اختيارًا بريئًا، بل تفاعل حيّ بين الجينات والبيئة، بين ما نراه وما نشعر به. إننا نحب ما يشبهنا أحيانًا، وننجذب لما يفاجئنا أحيانًا أخرى. فاللون الذي يريحك قد يُربك غيرك، والصورة التي تراها فاتنة قد تبدو لغيرك عادية—لكن خلف كل ذوق، هناك تاريخ بيولوجي، وحس ثقافي، ولمسة شخصية لا تُختزل. هكذا يصبح الجمال مرآة مزدوجة: تعكس من نحن ككائنات حية، ومن نصبحه كمجتمعات وثقافات.

 


  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي