وُلد أمارتيا كومار صن في 3 نوفمبر 1933 في شانتي نيكيتان، في ولاية البنغال الغربية بالهند، وتوفي في 2024 عن عمر يناهز 90 عامًا. يُعدّ واحدًا من أبرز الاقتصاديين والفلاسفة في القرن العشرين وأوائل القرن الحادي والعشرين، وقد نال جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 1998، وكان أول آسيوي يحصل عليها . درس في كلية الرئاسة في كلكتا، ثم في كلية ترينيتي بجامعة كامبريدج حيث نال البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في الاقتصاد . عمل أستاذًا في جامعات عديدة، من بينها دلهي وكلية لندن للاقتصاد وأكسفورد وهارفارد، وشغل منصب عميد كلية ترينيتي في كامبريدج بين 1998 و2004 .
كان سؤاله المركزي هو: ما هي التنمية الحقيقية؟ وهل تُقاس التنمية بمجرد زيادة الدخل القومي، أم بقدرة الناس على عيش حياة لها قيمة؟ وكيف يمكن أن نبني نظرية في العدالة تكون قابلة للتطبيق في عالم يعاني من الفقر والجوع واللامساواة، لا مجرد بناء نظري مثالي؟ وقد انطلق من قناعة راسخة بأن الاقتصاد لا يمكن أن ينفصل عن الأخلاق، وأن الإنسان ليس مجرد كائن يسعى وراء مصلحته الذاتية، إنما كائن له قيم والتزامات وتعاطف .
أكثر ما ارتبط به اسم صن هو «منهج القدرات»، الذي طرحه في كتابه «التنمية كحرية» عام 1999. ويقوم هذا المنهج على التمييز بين ما يستطيع الفرد أن يفعله أو يحققه فعليًا (القدرات)، وما يمكن للفرد أن يكونه (الأداء)، أي بين الإمكانات الحقيقية المتاحة للفرد وبين النتائج الفعلية التي يحققها . ويرى صن أن التنمية الحقيقية ليست مجرد زيادة في الدخل أو الموارد المادية، إنما هي توسيع قدرات الأفراد وحرياتهم الفعلية، وتمكينهم من اختيار نوع الحياة التي لديهم سبب وجيه لاعتبارها ذات قيمة. وبهذا، تكون الحرية في آن واحد غاية التنمية ووسيلتها.
وقد أسهمت أفكاره في وضع الأسس الفكرية لمؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة (HDI)، الذي يقيس التنمية بمؤشرات الصحة والتعليم ومستوى المعيشة، لا بالدخل وحده . كما قدّم في كتابه «الفقر والمجاعات» عام 1981 تحليلًا رائدًا للمجاعات، ورأى أن سببها ليس نقص الغذاء في حد ذاته، إنما فشل «الاستحقاقات» أي قدرة الفئات الفقيرة على الوصول إلى الغذاء من خلال ما تملكه من موارد وقدرات .
بدأ صن مسيرته الفكرية في نظرية الاختيار الاجتماعي، ونشر كتابه الأول «الاختيار الجماعي والرفاه الاجتماعي» عام 1970، الذي حاول فيه تجاوز «مبرهنات الاستحالة» عند كينيث أرو، وإظهار أن الاختيار الاجتماعي العقلاني والديمقراطي ممكن إذا أُدخلت اعتبارات المقارنة بين الرفاهيات . وفي كتابه «فكرة العدالة» عام 2009، قدّم نقدًا لجون رولز، ورأى أن نظريته في العدالة تركز على «المؤسسات العادلة تمامًا» وتتجاهل الأسئلة العملية حول كيفية تقليل الظلم في العالم الواقعي. وبدلًا من السؤال «ما هي المؤسسات العادلة تمامًا؟»، طرح صن سؤالًا مقارنًا: كيف يمكن أن نوسّع العدالة ونقلل الظلم في عالم يعاني من اللامساواة والفقر؟ .
وقد وجّه صن نقدًا محددًا لمقياس رولز في العدالة، أي «الخيرات الاجتماعية الأولية» مثل الدخل والثروة، ورأى أنه يتجاهل «مشكلة التحويل»: فالأفراد المختلفون في الصحة والبيئة والظروف الاجتماعية يحتاجون إلى كميات مختلفة من الموارد لتحقيق المستوى نفسه من القدرات. فشخص معاق يحتاج إلى موارد أكثر من شخص سليم لتحقيق الحركة نفسها، وهذا ما لا تأخذه نظريات «المواردية» في الحسبان .
أثّر صن تأثيرًا عميقًا في الاقتصاد والتنمية والفلسفة السياسية. وقد غيّر طريقة تفكير المنظمات الدولية في التنمية، وانتقل النقاش من «النمو الاقتصادي» إلى «التنمية البشرية» و«الحرية» و«القدرات». وقد وُصف بأنه «ضمير الاقتصاد» وبأنه أعاد البعد الأخلاقي إلى علم الاقتصاد . كما نال أكثر من 90 دكتوراه فخرية من جامعات عالمية، وكان عضوًا في مجالس تحرير مجلات أكاديمية كبرى .
لكنه انتُقد بشدة أيضًا. اتُّهم منهج القدرات بأنه غامض ولا يقدّم قائمة محددة بالقدرات التي يجب أن تُضمن، مما يجعله صعب التطبيق في السياسات العامة. واتُّهم في «فكرة العدالة» بأن نقده لرولز يقوم على سوء فهم، وأن رولز لم يكن يهدف إلى تقديم وصفة عملية للسياسة، بل إلى تحليل فلسفي للمبادئ التي تقوم عليها العدالة، وأن نظريته قادرة على توجيه الممارسة بقدر ما هو مطلوب من نظرية فلسفية . كما اتُّهم صن في نظرية الاختيار الاجتماعي بأنه لم يقدّم بديلًا واضحًا لمبرهنات أرو، وأن أعماله في هذا المجال ظلت ضمن الإطار الرسمي نفسه. واتُّهم في موقفه من العولمة بأنه كان أكثر تفاؤلًا مما ينبغي، وأنه لم يعطِ وزنًا كافيًا للآثار السلبية للأسواق الحرة على الفقراء.
يبقى صن مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت في قلب النقاش العام: ما معنى التنمية؟ هل تُقاس بالدخل أم بالحرية؟ كيف نواجه الفقر والجوع واللامساواة بلا أن نختزلها في أرقام؟ كيف نبني نظرية في العدالة تكون قابلة للتطبيق في عالم يعاني من الظلم؟ وما دور الأخلاق في الاقتصاد؟
لم يقدّم صن وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن التنمية ليست غاية في ذاتها بل وسيلة لتوسيع حريات الناس، وأن الفقر ليس مجرد نقص في الدخل إنما حرمان من القدرات، وأن أعظم سؤال في الاقتصاد ليس «كيف نزيد الثروة؟» إنما «كيف نمكن الناس من عيش حياة لها قيمة؟».
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق