آخر الأخبار

إيمانويل كانط

+حجم الخط-



وُلد إيمانويل كانط في كونيغسبيرغ ببروسيا عام ألف وسبعمئة وأربعة وعشرين، في عائلة متواضعة تنتمي إلى التقوى البروتستانتية، وكان والده صانعًا للسروج والأحزمة الجلدية، وأمه امرأة متدينة علّمت ابنها الصلاة والصدق منذ الصغر. ترعرع في بيتٍ ضيّق الحال، لكنه تلقّى تعليمًا دينيًا صارمًا في مدرسة تقوية أثّرت فيه طوال حياته، حتى إنه ظل يحترم التقوى في أخلاقها ويبتعد عن عقائدها في الوقت نفسه.

دخل جامعة كونيغسبيرغ عام ألف وسبعمئة وأربعين، ودرس الرياضيات والفلسفة والعلوم الطبيعية، وتأثر بإسحاق نيوتن في الفيزياء وبلَيبنِتس وفولف في الميتافيزيقا، ثم بجان جاك روسو الذي قال إنه عدّله أخلاقيًا وعلّمه احترام الإنسان العادي. عمل بعد وفاة والده معلمًا خاصًا في بيوت الأثرياء طوال سنوات، ثم حصل على حق التدريس الجامعي عام ألف وسبعمئة وخمسة وخمسين، وكان يلقي محاضراته في مواضيع كثيرة: المنطق والميتافيزيقا والأخلاق والجغرافيا الطبيعية والأنثروبولوجيا والتربية والرياضيات، حتى صار من أوسع أساتذة عصره معرفة، لكنه لم يصبح أستاذًا كاملًا إلا عام ألف وسبعمئة وسبعين، أي وهو في السادسة والأربعين، بعد سنوات طويلة من الانتظار والكتابة.


لم يغادر كانط كونيغسبيرغ ولا محيط مقاطعته الشرقية تقريبًا طوال حياته، ولم يتزوج، ولم يسافر ليرى جبالًا ولا بحارًا، ولم يشغل منصبًا سياسيًا. كان يعيش بدقة عجيبة، يستيقظ في ساعة ثابتة، ويعمل في ساعة ثابتة، ويمشي في ساعة ثابتة، حتى قيل إن سكان المدينة يضبطون ساعاتهم على ممرّه اليومي، وتُروى أنه تخلّف عن مشيه مرة واحدة لانشغاله بقراءة كتاب روسو. ومع ذلك، فإن هذا الرجل الذي عاش حياة تبدو ضيقة ومحدودة، كتب أفكارًا غيّرت مسار الفلسفة الحديثة كلها، ولا يزال أثرها حتى اليوم في الأخلاق والقانون والسياسة وحقوق الإنسان والفكر النقدي.


كان سؤاله المركزي هو: كيف يمكن للمعرفة أن تكون ممكنة؟ وما حدود العقل البشري؟ وما الذي يمكن أن نعرفه بالفعل، وما الذي يجب أن نتوقف عن ادعاء معرفته؟ وكيف ينبغي أن نعيش؟ وما الذي يجعل الفعل أخلاقيًا؟ وقد بدأ هذه الأسئلة بعد أن أيقظه ديفيد هيوم من «سباته الدوغمائي»، إذ أدرك أن السببية والضرورة التي كنا نعتبرها بديهية ليست مستمدة من التجربة وحدها، وأن العقل البشري ليس مرآة سلبية تنعكس فيها الأشياء، إنما هو مشارك فعّال في بناء ما نسميه معرفة.


جاء كتابه «نقد العقل المحض» عام ألف وسبعمئة وواحد وثمانين، ثم طبعة ثانية منقّحة عام ألف وسبعمئة وسبعة وثمانين، ليكون هذا العمل واحدًا من أصعب كتب الفلسفة وأكثرها تأثيرًا في التاريخ. وفيه قلب كانط العلاقة بين الذات والموضوع قلبًا سمّاه ثورته الكوبرنيكية: بدل أن نفترض أن معرفتنا يجب أن تتطابق مع الأشياء، لنفترض أن الأشياء كما نعرفها يجب أن تتوافق مع بنية العقل الذي يعرفها. فالمكان والزمان ليسا صفات في الأشياء نفسها، إنما صورتان قبليتان في إدراكنا، والمقولات كالسببية والجوهر والكم ليست مستمدة من التجربة، إنما شروط سابقة تجعل التجربة ممكنة. وبهذا يستطيع كانط أن يفسّر كيف تكون أحكام رياضية وفيزيائية ضرورية وكلية، وهي ما سماها الأحكام التركيبية القبلية، أي أحكام تضيف معرفة جديدة وتحتفظ في الوقت نفسه بالضرورة.


لكن كانط لم يكن يقول إن العقل يخلق العالم كما يشاء، إنما إن ما نعرفه من العالم هو الظواهر، أي العالم كما يظهر لنا وفق شروط معرفتنا، أما «الشيء في ذاته» فيبقى خارج قدرة العقل النظري، لا يُنكر ولا يُثبت، إنما يُشار إليه كحد. ومن هنا قال إن الميتافيزيقا القديمة وقعت في أوهامها عندما حاولت أن تثبت وجود الله أو خلود النفس أو حرية الإرادة ببراهين نظرية، فهذه ليست موضوعات معرفة، إنما موضوعات إيمان وأمل وسلوك. وهكذا وجد كانط نفسه مضطرًا أن «يُزيل المعرفة ليفسح المجال للإيمان»، على حدّ عبارته الشهيرة، وأن يبحث عن مبرر أخلاقي وعملي لهذه الحقائق بدلًا من البرهان النظري.


ومن هنا جاء كتابه «نقد العقل العملي» عام ألف وسبعمئة وثمانية وثمانين، وكتابه «تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق» عام ألف وسبعمئة وخمسة وثمانين، وهو الكتاب الذي صاغ فيه القانون الأخلاقي بوصفه قانونًا يفرض نفسه على العقل العملي دون شرط. فالفعل الأخلاقي عند كانط ليس فعلًا بحسب النتائج ولا بحسب العاطفة ولا بحسب المنفعة، إنما فعل بحسب الواجب، أي فعل تصدر فيه الإرادة عن قانون كلي يمكن أن يريده كل عاقل. وهذا ما عبّر عنه بالقانون الأخلاقي: «اعمل بحيث تستطيع أن تريد أن يصبح مبدؤك قانونًا كليًا». وله صيغة ثانية شهيرة: «اعمل بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي شخص كل آخر دائمًا غايةً في ذاتها، لا مجرد وسيلة». وهكذا يصبح الإنسان ذا كرامة لا ثمن، ويصبح الاستقلال الأخلاقي، أي أن يشرّع العقل لنفسه قانونَه بنفسه، هو أساس الأخلاق. وهذا ما جعل كانط يقول إن الحرية ليست حقيقة نعرفها نظريًا، إنما شرط لا بد منه للفعل الأخلاقي، ومن هنا تلك العبارة التي تُنسب إليه وتلخّص مشروعه: «لا يمكنك أن تثبت الحرية، لكنك لا تستطيع أن تتصرف إلا كما لو كنت حرًّا».


ولم يقف كانط عند المعرفة والأخلاق، إنما كتب «نقد ملكة الحكم» عام ألف وتسعمئة وتسعين، حيث عالج الجمال والغائية، ورأى أن الحكم الجمالي حكم تأملي لا معرفي، لكنه يدّعي الكلية والضرورة، لأنه يستند إلى الحس المشترك بين البشر، وأنه حرٌّ بلا مفهوم، ومُلزم بلا قانون. وبهذا ربط بين عالم الطبيعة الذي يحكمه الضرورة وعالم الحرية الذي يحكمه القانون الأخلاقي، وجعل الجمال والفن جسرًا بينهما. وكتب أيضًا مقال «ما التنوير؟» عام ألف وسبعمئة وأربعة وثمانين، الذي صار أشهر تعريف للتنوير في التاريخ، حين قال إن التنوير هو «خروج الإنسان من قصوره الذي فرضه على نفسه»، ودعا إلى أن يجرؤ الإنسان على استعمال عقله، ودافع عن حرية الفكر والنقد والمناقشة العلنية، وقال إن على الحاكم أن يخضع للعقل لا أن يخضع العقل له. وكتب «نحو سلام دائم» عام ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين، وفيه تصوّر عالمًا يعيش في سلام عبر فيدرالية من الجمهوريات، وعبر قانون دولي ينظم علاقات الشعوب، وعبر حق الضيافة الكوني الذي يسمح للإنسان أن يُزار ولا يُستقبل كعدو، وبهذا يُعدّ واحدًا من أجداد فكرة العصبة الدولية والأمم المتحدة وحقوق الإنسان المعاصرة.


وقد انتُقد كانط منذ زمانه: اتُّهم أسلوبه بالغموض الشديد حتى قال عنه معاصروه إنه يحتاج إلى مترجم، واتُّهمت أخلاقه بالصيغة والشكلية، وبأنها تتجاهل العاطفة والظروف والسياق، وبأنها تفرض على الإنسان واجبات قد تكون قاسية في حالات الصراع، وهذه هي الإشكالية الشهيرة في مثال الكذب على القاتل. واتُّهم مذهبه في «الشيء في ذاته» بالتناقض، إذ كيف يمكن أن نتحدث عن شيء لا نستطيع معرفته، وهي نقطة اختلف معه فيها فيشته وهيغل وكل المثالية الألمانية اللاحقة. كما وجّه كانط إلى الدين انتقادات من اللاهوتيين والكنيسة، حتى إن ملك بروسيا منعه من الكتابة في الدين في سنواته الأخيرة. وأما اليوم، فإن أكثر ما يثير الجدل في كانط ليس فلسفته النظرية، إنما ما كُشف في محاضراته في الأنثروبولوجيا والجغرافيا الطبيعية من تصنيفات عنصرية هرمية بين الشعوب والأجناس، ومن مواقف متدنية من النساء وقدرتهن العقلية، وهي نصوص لا يمكن تجاهلها ولا تجميلها، وتُطرح اليوم بجدية في سؤاله الشهير: هل تناقض هذه المواقف مبدأ الكرامة والاحترام الذي أعلنه في الأخلاق؟ وهل هي مجرد آراء معاصرة لزمنه لا تمسّ جوهر مذهبه؟ أم أنها تكشف حدودًا داخل المذهب نفسه؟


ويبقى كانط مهمًا اليوم لأن أسئلته لم تُغلق: ما حدود المعرفة العلمية؟ هل العقل يستطيع أن يثبت وجود الله أو ينفيه؟ ما معنى الحرية إذا كان العالم يحكمه القانون الطبيعي؟ كيف نبني أخلاقًا لا تعتمد على الدين ولا على المنفعة ولا على السلطة؟ كيف نحكم على الجمال حكمًا نعتبره صالحًا للجميع؟ كيف نبني سلامًا دائمًا بين دول لا تثق بعضها ببعض؟ وكيف يمكن للإنسان أن يكون مستقلًا في حكمه وهو يعيش في مجتمع يفرض عليه سلطاته؟ لم يقدّم كانط وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن ننقد قبل أن نعتقد، وأن نعرف حدود عقلنا قبل أن نغترّ بقدراته، وأن نتعامل مع الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة. ولا يزال صوته حاضرًا في القانون الدولي، وفي الدساتير، وفي أخلاق الطب والبحث العلمي، وفي كل مرة يُدافع فيها عن كرامة الإنسان ضد من يريد تحويله إلى رقم أو أداة.


  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي