آخر الأخبار

لوتشيانو فلوريدي

+حجم الخط-

 


وُلد لوتشيانو فلوريدي في روما عام ألف وتسعمئة وأربعة وستين، وهو فيلسوف إيطالي يحمل الجنسية البريطانية أيضًا، ويُعدّ اليوم واحدًا من أكثر الفلاسفة المعاصرين تأثيرًا في العالم. عمل أكثر من ثلاثين عامًا في جامعة أكسفورد، حيث كان أستاذًا للفلسفة وأخلاقيات المعلومات في معهد أكسفورد للإنترنت، ومديرًا لمختبر الأخلاقيات الرقمية، ورئيسًا لمجموعة أخلاقيات البيانات في معهد آلان تورينغ . وفي عام ألفين وثلاثة وعشرين انتقل إلى جامعة ييل، حيث أسّس ويدير مركز الأخلاقيات الرقمية، وهو أستاذ في برنامج العلوم المعرفية هناك . وفي أكتوبر من العام الجاري، احتل فلوريدي المرتبة الأولى عالميًا في تصنيف ستانفورد-إلسيفير للعلماء الأكثر استشهادًا في مجال الفلسفة، متفوقًا على أكثر من أربعة عشر ألفًا وخمسمئة فيلسوف، وجاء في المرتبة التاسعة والأربعين عالميًا بين أكثر من مئتي ألف باحث في جميع التخصصات العلمية .


انطلق فلوريدي من سؤال جذري: ماذا يعني أن نعيش في مجتمع المعلومات؟ وكيف يغيّر هذا الواقع الجديد طريقة فهمنا للوجود والمعرفة والأخلاق؟ كان يرى أن الثورة الرقمية ليست مجرد تحوّل تقني، إنما هي تحوّل وجودي وأخلاقي، يحتاج إلى فلسفة جديدة تواكبه. وقد سمّى هذه الفلسفة فلسفة المعلومات، ورأى أن كل شيء في عالمنا المعاصر يمكن أن يُفهم من منظور المعلومات لا من منظور المادة أو الطاقة فقط.



أسّس فلوريدي فلسفة المعلومات بوصفها حقلًا فلسفيًا مستقلًا، وقدّم فيها جملة من المفاهيم التي غيّرت طريقة تفكيرنا في العلاقة بين الإنسان والعالم الرقمي. من أهم هذه المفاهيم:

المعلوماتية (Infosphere): هي الفضاء المعلوماتي الشامل الذي يتكوّن من كل المعلومات والكيانات المعلوماتية وعلاقاتها المتبادلة. ويقول فلوريدي إننا لم نعد نعيش في عالم مادي فقط، إنما نعيش في «المعلوماتية» التي أصبحت البنية التحتية لمجتمعنا .
الحياة على الخط (Onlife): مفهوم يعني أن الحدود بين الواقعي والافتراضي، وبين العام والخاص، وبين الإنسان والآلة، أصبحت سيولة وغامضة. فنحن لم نعد نعيش «أونلاين» أو «أوفلاين»، بل نعيش «أونلايف» في وجود متصل دائمًا بالشبكة .
الثورة الرابعة: يرى فلوريدي أن البشرية مرّت بأربع ثورات كبرى غيّرت مكانة الإنسان في الكون: ثورة كوبرنيكوس التي أخرجت الأرض من مركز الكون، وثورة داروين التي أخرجت الإنسان من مركز الأحياء، وثورة فرويد التي أخرجت الوعي من مركز الذات، والثورة الرابعة التي أخرجت الإنسان من مركز المعلومات، إذ لم يعد هو الكائن الوحيد الذي ينتج المعلومات ويعالجها .
المنهج متعدد مستويات التجريد (LoA): طريقة منهجية تقول إن أي شيء يمكن أن يُدرس من مستويات مختلفة من التجريد، وكل مستوى يكشف عن حقائق مختلفة. فالسيارة عند الميكانيكي شيء، وعند المشتري شيء آخر، وعند الاقتصادي شيء ثالث. ومن هذا المنظور، يرى فلوريدي أن المعلومات يمكن أن تكون رياضية أو دلالية أو فيزيائية أو بيولوجية أو اقتصادية، وكل مستوى له قوانينه الخاصة.



في قلب مشروع فلوريدي تقف أخلاقيات المعلومات، وهي نظرية أخلاقية شاملة (ماكرو-أخلاق) لا تقتصر على البشر وحدهم، إنما تشمل كل الكيانات المعلوماتية. ويقول فلوريدي إن كل شيء موجود، حتى الحجر في الطريق، له قيمة أخلاقية داخلية دنيا لأنه كيان معلوماتي، وأن الخير هو ما يعزز «ازدهار المعلوماتية» (Informational Flourishing)، والشر هو ما يُنتج «العشوائية المعلوماتية» (Informational Entropy) أي الفوضى والتفكك.
وقد صاغ فلوريدي أربعة مبادئ أخلاقية أساسية، مستلهمًا إياها من قوانين أسيموف للروبوتات، وهي على النحو التالي: ألا يُسبّب المرء عشوائية معلوماتية، وأن يمنعها، وأن يزيلها، وأن يعزز ازدهار المعلوماتية لكل الكيانات والفضاء المعلوماتي ككل.



أثّر فلوريدي تأثيرًا عميقًا في فلسفة التكنولوجيا وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي والسياسات الرقمية. فقد كان من المبادرين الأوائل إلى قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، وعمل مع المفوضية الأوروبية على بناء أول نموذج لتدقيق أنظمة الذكاء الاصطناعي وفق التشريعات الأوروبية . وفي مقابلة معه، حذّر من أن الذكاء الاصطناعي «يخلق تبعية» قد تُفقد الإنسان مهاراته وقدرته على التفكير النقدي، وقال إن «الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون قويًا جدًا دون أن يكون ذكيًا، ولهذا نحتاج إلى السياسة والقواعد والمسؤولية البشرية».
لكن أخلاقيات المعلومات التي طرحها فلوريدي انتُقدت بشدة أيضًا. اتُّهمت أولًا بأنها تقع في «المغالطة الطبيعية» حين تستخرج القيم الأخلاقية من وقائع معلوماتية . واتُّهمت بأن مفهوم العشوائية المعلوماتية غامض وغير قابل للقياس الكمي، فلا يمكن أن نبني عليه حكمًا أخلاقيًا . واتُّهمت بأنها تنتهي في النهاية إلى عودة إلى المركزية البشرية رغم ادعائها تجاوزها، إذ لا يمكن في النهاية أن نقارن بين قيمة كائن معلوماتي وقيمة إنسان . واتُّهمت بأنها تمنح قيمة أخلاقية داخلية لكل شيء، حتى الكائنات التي توجد لتُدمّر، مما يخلق تناقضًا في الحكم الأخلاقي.



يبقى فلوريدي مهمًا اليوم لأنه يطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها في زمن الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والمنصات الرقمية: ما معنى أن يكون الإنسان كائنًا معلوماتيًا؟ كيف نحكم أخلاقيًا على أنظمة لا يفهمها أحد بالكامل؟ ما مسؤولية الإنسان في عالم من الوكلاء الاصطناعيين؟ وهل يمكن أن نبني أخلاقًا لا تقتصر على البشر وحدهم؟ لم يقدّم فلوريدي وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن الفلسفة يمكن أن تكون في قلب العصر الرقمي لا على هامشه، وأن أخلاقيات المعلومات ليست ترفًا فكريًا إنما ضرورة وجودية.
  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي