آخر الأخبار

رونالد دوركين

+حجم الخط-

 



وُلد رونالد مايلز دوركين في 11 ديسمبر 1931 في بروفيدنس بولاية رود آيلاند الأمريكية، في عائلة يهودية، وكان الابن الأكبر لمادلين وديفيد دوركين. تخرّج من جامعة هارفارد عام 1953 بدرجة البكالوريوس في الآداب بمرتبة الشرف، ثم التحق بكلية ماغدالين في جامعة أكسفورد بمنحة رودس، ودرس على يد روبرت كروس وجاي إتش سي موريس، ثم نال درجة البكالوريوس في القانون من جامعة هارفارد عام 1957. عمل بعد تخرجه كاتبًا لدى القاضي ليرند هاند في محكمة الاستئناف الأمريكية للدائرة الثانية، ثم في مكتب محاماة في نيويورك، ثم انتقل إلى التدريس في كلية الحقوق بجامعة ييل بين عامي 1962 و1969. وفي عام 1969، خلفًا لإتش إل إيه هارت، شغل كرسي أستاذية القانون في جامعة أكسفورد، وظل فيه حتى عام 1998، ثم صار أستاذًا للقانون والفلسفة في جامعة نيويورك وأستاذًا للقانون في كلية لندن الجامعية. توفي في 14 فبراير 2013 في لندن عن 81 عامًا، بعد مسيرة أكاديمية جعلته واحدًا من أكثر فلاسفة القانون تأثيرًا في القرن العشرين .


كان سؤاله المركزي هو: ما هو القانون؟ وكيف ينبغي أن يحكم القضاة في «القضايا الصعبة» التي لا تنطبق عليها القواعد السابقة بشكل واضح؟ وهل القانون مجرد مجموعة من القواعد المكتوبة التي يضعها المشرّع أو يقررها القضاء، أم أنه يشمل أيضًا مبادئ أخلاقية وسياسية تمنح الأفراد حقوقًا تتجاوز ما هو منصوص عليه صراحة؟ وقد انطلق من نقد حاد لـ«الوضعية القانونية» التي كانت سائدة في الفلسفة القانونية الإنجليزية، وخاصة نسختها عند هارت، ورأى أنها تختزل القانون في «قواعده» وتتجاهل دور «المبادئ» في التفسير القضائي .


في كتابه الأول والأشهر «أخذ الحقوق على محمل الجد» الذي صدر عام 1977، هاجم دوركين الوضعية القانونية من أساسها. ورأى أن الوضعية تفترض أن القانون يتكون فقط من قواعد صادرة عن سلطة معترف بها، وأنه في القضايا التي لا توجد فيها قاعدة واضحة، يكون للقاضي «سلطة تقديرية» لخلق قانون جديد. وقد رفض دوركين هذه الفكرة، وقال إن الأفراد يملكون حقوقًا قانونية وسياسية وأخلاقية تتجاوز تلك المنصوص عليها صراحة، وأن هذه الحقوق تعمل كـ«أوراق رابحة» في مواجهة الدولة ومصالح الأغلبية. ومن هنا جاءت أطروحته الشهيرة بأن الحقوق الفردية ليست منحة من القانون، إنما هي قيود على القانون نفسه .


أما إسهامه الأكبر والأكثر تأثيرًا، فقد قدّمه في كتابه «إمبراطورية القانون» الذي صدر عام 1986، حيث طوّر نظرية «القانون كإنصاف». وتقوم هذه النظرية على فكرة أن القانون ليس فقط مجموعة من القواعد المنفصلة، إنما هو «ممارسة تفسيرية» تهدف إلى تقديم أفضل تفسير ممكن للمواد القانونية الموجودة، بحيث تجعلها متماسكة وتُظهرها في «أفضل صورة» أخلاقية وسياسية. وبهذا، لا يكون القاضي مجرد آلة تطبق القواعد، بل مفسّرًا يبحث عن المبدأ الذي يجعل القانون ككل أكثر اتساقًا مع العدالة والإنصاف .

ولتوضيح كيف يعمل هذا التفسير، قدّم دوركين «القاضي هرقل»، وهو قاضٍ افتراضي يتمتع بمعرفة شاملة بالقانون والتاريخ والقدرة العقلية الخارقة. هرقل ليس وصفًا لقاضٍ واقعي، إنما هو نموذج مثالي يوضح كيف ينبغي أن يكون التفسير القانوني: البحث عن التفسير الذي يحقق شرطين. 
الأول هو «الملاءمة»، أي أن التفسير يجب أن يتوافق مع أكبر قدر ممكن من المواد القانونية السابقة، من قواعد ومبادئ وقرارات قضائية. 
والثاني هو «أفضل تبرير»، أي أن التفسير يجب أن يجعل هذه المواد تظهر في أفضل صورة أخلاقية وسياسية ممكنة. وبهذا، يكون التفسير القانوني عملية بناء لا اكتشافًا سلبيًا، لكنه بناء مقيد بالمادة القانونية نفسها .


في قلب فلسفة دوركين الأخلاقية والسياسية تقف فكرة أن لكل فرد حقًا أساسيًا في «الاهتمام والاحترام المتساويين». وقد رأى أن هذا الحق هو الأساس الذي تُستمد منه الحقوق الأخرى، وأنه لا يتعارض مع الحرية كما يظن كثيرون، إنما إن الحريات الفردية نفسها مستمدة من هذا الحق في المساواة. وبهذا، دافع دوركين عن «العمل الإيجابي» الذي يمنح الأقليات فرصًا للوصول إلى الوظائف والتعليم، ورأى أنه لا يتعارض مع المساواة، بل هو وسيلة لتحقيقها، لأن «الحق في أن تُعامَل كمتساوٍ» لا يعني بالضرورة «الحق في معاملة متطابقة» .

وفي كتابه «سيادة الفضيلة» الصادر عام 2000، وسّع دوركين نظريته في المساواة، ودافع عن فكرة أن الحكومة يجب أن تتعامل مع جميع مواطنيها باهتمام واحترام متساويين، وأن هذا المبدأ هو ما يبرر إعادة التوزيع الضريبي وتوفير التعليم والرعاية الصحية للجميع، لا لأنه نفع عام أو حسابي، إنما لأنه شرط للكرامة الإنسانية .


أثّر دوركين تأثيرًا هائلًا في فلسفة القانون والفلسفة السياسية والقانون الدستوري. ويُعدّ واحدًا من أكثر الباحثين القانونيين الأمريكيين استشهادًا في القرن العشرين، وقال عنه كاس سونستين من جامعة هارفارد بعد وفاته إنه «واحد من أهم فلاسفة القانون في المائة عام الأخيرة، وقد يتصدر القائمة» . وقد أثّرت نظريته في التفسير القانوني في المحاكم الدستورية في الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى، وخاصة في القضايا المتعلقة بالحقوق الأساسية والمساواة والإجهاض والحرية الدينية. وقد شغل مناصب أكاديمية رفيعة، ونال جائزة هولبرغ الدولية في العلوم الإنسانية عام 2007، وجائزة بلزان عام 2012 .

لكنه انتُقد بشدة أيضًا. من أبرز نقاد نظريته في التفسير القانوني، الفيلسوف القانوني جوزيف راز، الذي رأى أن نظرية «القانون كإنصاف» تجعل القانون تابعًا للأخلاق بشكل يهدد فكرة سيادة القانون، لأنها تسمح للقاضي بأن يقرر ما هو القانون بناءً على تصوره لما هو «أفضل» أخلاقيًا، لا بناءً على ما هو موجود فعليًا. واتُّهم دوركين بأن «القاضي هرقل» نموذج غير واقعي، لأنه يفترض قاضيًا بقدرات خارقة لا توجد في أي إنسان، وأن نظريته لا تقدّم معيارًا واضحًا للتمييز بين تفسير صحيح وتفسير خاطئ. واتُّهم في فلسفته السياسية بأنه يقدّم تصورًا مثاليًا للعدالة والمساواة لا يمكن تحقيقه في عالم مليء بالصراعات والمصالح. واتُّهم في موقفه من الإجهاض والقتل الرحيم بأنه يتجاهل الاعتبارات الأخلاقية والدينية التي يراها كثيرون أساسية في هذه القضايا .

يبقى دوركين مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت في قلب النقاش القانوني والسياسي: ما هو القانون؟ كيف يفسّر القضاة الدستور في القضايا الصعبة؟ هل الحقوق الفردية سابقة على القانون أم منحة منه؟ ما العلاقة بين القانون والأخلاق؟ كيف نحقق المساواة بلا أن نلغي الحرية؟ وكيف نحمي كرامة الإنسان في عالم يتصارع فيه القانون والسياسة والأخلاق؟ 
لم يقدّم دوركين وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن القانون ليس قواعد جامدة فحسب، إنما ممارسة تفسيرية حيّة تحتاج إلى مبدأ واتساق وخيال أخلاقي، وأن أعظم سؤال في القانون ليس «ما هي القاعدة؟» إنما «أي تفسير يجعل القانون أفضل مما هو عليه؟».

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي