آخر الأخبار

كارل ماركس

+حجم الخط-



وُلد كارل ماركس في مدينة ترير ببروسيا عام ألف وثمانمئة وثمانية عشر، في عائلة يهودية تحوّلت إلى المسيحية اللوثرية قبل ولادته لأسباب عملية تتعلق بحقوق المواطنة والعمل في القانون، إذ كان والده محاميًا ناجحًا في المدينة. درس ماركس القانون في بون ثم الفلسفة في برلين، وتأثر في شبابه بهيغل الذي كان فكره يسيطر على الجامعات الألمانية في ذلك الوقت، ثم انخرط في الصحافة الفلسفية والراديكالية، وعمل رئيسًا لتحرير صحيفة «راينيشه تسايتونغ»، غير أن الرقابة البروسية أغلقته، فهاجر إلى باريس عام ألف وثمانمئة وثلاثة وأربعين، وهناك التقى فريدريك إنغلز الذي صار رفيقه وصديقه وشريكه في كل شيء حتى النهاية. ثم طُرد من باريس، فانتقل إلى بروكسل، ثم إلى لندن عام ألف وثمانمئة وتسعة وأربعين حيث قضى ما بقي من عمره، عاش معظمه في فقر مدقع، فقد مات ثلاثة من أولاده في طفولتهم بسبب المرض والفقر، وكان يعتمد في معيشته على دعم إنغلز الذي كان يعمل في مصنع عائلته في مانشستر، وكانت مراسلاتهما الطويلة تشهد على صداقة نادرة في تاريخ الفكر.


عاش ماركس حياته كلها في المنفى، متنقلًا بين المدن، مطرودًا من دولة إلى أخرى، ومع ذلك كتب في هذه الظروف القاسية أكثر من خمسين مجلدًا، وأسّس مع إنغلز أول تنظيم شيوعي دولي، وكتب (البيان الشيوعي) الذي غيّر مسار التاريخ الحديث. وكان سؤاله المركزي هو: كيف يعمل المجتمع؟ وكيف يُنتج الإنسان حياته المادية والاجتماعية؟ ولماذا يعيش أغلب الناس في فقر بينما تتراكم الثروة في أيدٍ قليلة؟ وكيف يمكن أن يتغيّر هذا النظام؟ كان يرى أن الفكرة التي تسيطر على عصر ما ليست نتاجًا حرًّا للعقل، إنما تعبير عن العلاقات المادية التي يقوم عليها هذا العصر، وأن الوعي ليس هو الذي يحدد الوجود، إنما الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي. ومن هنا انطلق مشروعه كله.


بدأ ماركس من نقد الفلسفة الهيغلية ومن نقد الدين، فقال إن الدين ليس وهمًا مخترعًا من الكهنة، إنه تنهيدة المخلوق المضطهد، وقلب عالم بلا قلب، وروح ظروف اجتماعية بلا روح، ولهذا لا يمكن علاجه إلا بتغيير الظروف نفسها التي أنتجته. ثم انتقل إلى نقد الدولة والقانون في كتابه «نقد فلسفة الحق عند هيغل»، وإلى المسألة اليهودية، حيث ربط التحرر السياسي بالتحرر الإنساني. وكتب «المخطوطات الاقتصادية الفلسفية» عام ألف وثمانمئة وأربعة وأربعين، التي عالج فيها مفهوم «الاغتراب»، أي أن العامل في النظام الرأسمالي يفقد علاقته بذاته وبعمله وبالمنتج وبالآخرين، فيصبح عمله سلعةً لا تعبيرًا عن ذاته، وتصبح حياته قوة غريبة عنه تسيطر عليه بدلًا من أن يسيطر عليها.


وفي عام ألف وثمانمئة وثمانية وأربعين، كتب مع إنغلز «البيان الشيوعي»، وهو نص صغير الحجم عظيم الأثر، شرح فيه أن تاريخ كل مجتمع حتى الآن هو تاريخ صراع الطبقات، وأن الرأسمالية ليست نهاية التاريخ إنما مرحلة انتقالية، وأن البرجوازية أنجزت ثورة إنتاجية هائلة لكنها أنتجت في الوقت نفسه قبرها، وأن العمال في النهاية سيتحررون عبر ثورة تنهي الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج. ثم كتب «رأس المال» في ثلاثة مجلدات، الأول عام ألف وثمانمئة وستة وستين، والثاني والثالث بعد وفاته بتحقيق إنغلز. وفي هذا الكتاب، الذي يعدّ أعظم عمل في الاقتصاد السياسي في القرن التاسع عشر، حلّل ماركس الرأسمالية تحليلًا يمكن أن يُوصف بأنه تشريح كامل، فبدأ من السلعة ومن قيمة العمل، وشرح كيف ينتج ما سماه «القيمة الزائدة»، أي ذلك الجزء من قيمة ما ينتجه العامل الذي يذهب إلى الرأسمالي ولا يعود إلى العامل، وكيف أن تراكم الرأسمال لا يمكن أن يستمر إلا باستخراج هذه القيمة الزائدة، وما يترتب على ذلك من صراع ومصادرة وتوسع دائم في الأسواق، وتناقضات داخلية تسير بالرأسمالية نحو أزمات دورية لا مفر منها.


ومن مفاهيم ماركس الأساسية «المادية التاريخية»، وهي أن القوى المنتجة والعلاقات الاجتماعية للإنتاج هي أساس كل بناء اجتماعي وسياسي وقانوني وفكري، وأن تطور هذه القوى هو محرك التاريخ. ومنها «الصراع الطبقي»، أي أن تاريخ المجتمعات هو تاريخ صراع بين طبقات، بين من يملكون وسائل الإنتاج ومن لا يملكونها إلا عملهم. ومنها «الاغتراب»، ومنها «الأيديولوجيا»، أي مجموع الأفكار والتصورات التي تعبّر عن مصالح الطبقة المسيطرة، فتبدو للناس حقائق مطلقة وعامة، وهي في الحقيقة تعبير عن مصالح خاصة. ومنها «فيتيشية السلعة»، أي أن العلاقات الاجتماعية بين الناس في الرأسمالية تظهر كما لو كانت علاقات بين أشياء، فتتحول السلعة إلى كائن ساحر يخفي وراءه علاقات الاستغلال والصراع. ومنها «التناقضات الداخلية» التي تحمل في طياتها إمكانية التحول الجذري.


تأثر ماركس بهيغل في المنطق الجدلي، وبفيورباخ في نقد الدين والاغتراب، وبآدم سميث وريكاردو في الاقتصاد السياسي، وبسان سيمون وفورييه وأوين في الاشتراكية الطوباوية، وبالثورة الفرنسية وبحركات العمال في أوروبا. وأثّر هو في تاريخ الفكر الإنساني تأثيرًا يصعب وصفه، فقد أسّس الماركسية بوصفها فلسفة وعلمًا اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وألهمت أفكاره أحزابًا وثورات ودولًا وحركات تحرر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا، ومن بين من تأثروا به لينين وتروتسكي وماو وغرامشي وكارل كاوتسكي وروزا لوكسمبورغ وفرانتز فانون وتشي غيفارا وسارتر وألتوسير وهابرماس ولويس ألتوسير وديفيد هارفي وأنطونيو نغري وغيرهم، كما كان له أثر عميق في علم الاجتماع والاقتصاد والتاريخ والفلسفة والأدب والدراسات الثقافية.


لكن ماركس انتُقد بشدة، حتى قبل أن تتأسس الدول التي تُسمّى باسمه. اتُّهم بأن نظريته في التاريخ حتمية إلى حدّ يلغي دور الفرد والإرادة، وبأن تنبؤاته الاقتصادية لم تتحقق كما صاغها، إذ لم تنهار الرأسمالية في أوروبا كما توقّع، بل تكيّفت واستمرت، وبأن الطبقة العاملة لم تصبح الثورة الوحيدة في المجتمعات المتقدمة، إنما صارت جزءًا من النظام، وبأن الدولة التي نادى بها ماركس، أي ديكتاتورية البروليتاريا، تحولت في تجارب القرن العشرين إلى أنظمة استبدادية قمعت الحرية وأعادت إنتاج عدم المساواة بلباس آخر. كما اتُّهم ماركس بأنه أهمل قضايا الجنس والعرق والبيئة والثقافة لصالح الطبقة وحدها، وأن مفهوم الأيديولوجيا عنده يفسّر كل فكر مخالف بأنه فكر طبقي، فيغلق باب الحوار. وقد شهد القرن العشرون صراعات كبرى بين الماركسيين أنفسهم حول تفسير ماركس، فمنهم من رأى أن الاتحاد السوفييتي تشويه لماركس، ومنهم من رأى أنه النتيجة المنطقية لأفكاره، وما زال هذا الجدل قائمًا حتى اليوم.


يبقى ماركس مهمًا اليوم لأن أسئلته لم تُغلق: لماذا يزداد التفاوت بين الأغنياء والفقراء في العالم كله؟ كيف تعمل الرأسمالية اليوم في زمن العولمة والرقمنة والذكاء الاصطناعي؟ كيف يستخرج رأس المال قيمة زائدة من العمل في زمن المنصات والعمل المؤقت والعمال المهاجرين؟ كيف تُصنَع الأيديولوجيا وتُدار في الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي؟ كيف نفهم الأزمات الدورية التي تعود كل عقد تقريبًا؟ وكيف يمكن أن نتصور مجتمعًا أكثر عدالة بلا أن نقع في تجارب القرن العشرين القمعية؟ لم يقدّم ماركس وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن ننظر إلى المجتمع بوصفه بنية متصارعة، لا مكانًا متناغمًا، وأن نشك في الأفكار التي تُقدَّم لنا كأنها حقائق بديهية، وأن نرى في الفقر مشكلة في النظام، لا في الفقراء أنفسهم. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومثيرًا للجدل ومطلوبًا في زمن يعود فيه السؤال الطبقي من جديد، بلباس جديد.


  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي