وُلد توماس مايكل "تيم" سكانلون في 28 يونيو 1940 في إنديانابوليس بولاية إنديانا الأمريكية، وتوفي عام 2024 . يُعدّ واحدًا من أبرز فلاسفة الأخلاق والسياسة في العالم الناطق بالإنجليزية، ومؤسس ما يُعرف بـ«العقدانية الأخلاقية» (Moral Contractualism)، وهي واحدة من أهم النظريات الأخلاقية المعاصرة . درس في جامعة برينستون حيث حصل على البكالوريوس في الفلسفة عام 1962، ثم قضى عامًا في جامعة أكسفورد بمنحة فولبرايت، ثم نال الدكتوراه من جامعة هارفارد عام 1968 تحت إشراف بورتون دريبن . درّس في جامعة برينستون بين عامي 1966 و1984، ثم انتقل إلى جامعة هارفارد حيث شغل كرسي ألفورد للدين الطبيعي والفلسفة الأخلاقية والنظام المدني حتى تقاعده عام 2016 . كان أحد مؤسسي مجلة «فلسفة والشؤون العامة»، وانتُخب عضوًا في الجمعية الفلسفية الأمريكية عام 2018 .
كان سؤاله المركزي هو: ما الذي يدين به بعضنا لبعض؟ وما هي الأسس التي تجعل فعلًا ما صوابًا أو خطأً بلا أن نستند إلى المنفعة العامة ولا إلى أوامر إلهية ولا إلى حدس أخلاقي مباشر؟ وقد صاغ جوابه في كتابه الأشهر «ما ندين به لبعضنا البعض» الذي صدر عام 1998، والذي صار واحدًا من أهم كتب الفلسفة الأخلاقية في القرن العشرين، حتى إنه ظهر في المسلسل الكوميدي الأمريكي «The Good Place» كأحد النصوص الأساسية التي تُدرَّس للشخصية الرئيسية .
تقوم نظرية سكانلون على مبدأ بسيط وعميق: **يكون الفعل خطأً إذا كانت أي قاعدة تسمح به يمكن أن يرفضها بشكل معقول أشخاص يبحثون عن قواعد عامة للحكم على السلوك، لا يمكن لأشخاص آخرين يشاركونهم الدافع نفسه أن يرفضوها بشكل معقول** . ومعنى ذلك أن معيار الصواب والخطأ ليس في النتائج وحدها، ولا في القاعدة وحدها، بل في **إمكانية التبرير** أمام كل من قد يتأثر بالفعل. فالسؤال الأخلاقي ليس «هل هذا الفعل ينفعني؟» ولا «هل هذا الفعل ينفع الأغلبية؟» بل «هل يمكن أن أبرر هذا الفعل لكل من قد يتأثر به، بوصفهم كائنات عقلانية تستحق التبرير؟».
وقد شدّد سكانلون على أن العقدانية ليست نظرية في «الاتفاق الفعلي» أو «الاتفاق الافتراضي» بمعنى ما قد يوافق عليه الناس في ظروف معينة، إنما هي نظرية في «الرفض المعقول»: ما يهم ليس ما سيفعله الناس، إنما ما سيكون من المعقول أو غير المعقول أن يفعلوه في تلك الظروف . وبهذا، تختلف نظريته عن نظريات العقد الاجتماعي الكلاسيكية عند لوك وروسو، وعن نظرية العدالة عند رولز، لأنها لا تعتمد على «حجاب الجهل» ولا على «الوضع الأصلي»، إنما على اختبار الرفض المعقول الذي يجريه كل فرد بنفسه.
ومن أهم ما يميز العقدانية عند سكانلون أنها "لا تسمح بتجميع الأسباب عبر الأفراد". ففي النفعية، يمكن التضحية بفرد واحد لإنقاذ خمسة لأن مجموع المنفعة أكبر. أما عند سكانلون، فلا يمكن أن نُضيف أسباب فرد إلى أسباب فرد آخر، لأن كل فرد له وزنه الأخلاقي المستقل، ولا يجوز أن نستخدمه كوسيلة لتحقيق خير الآخرين . وبهذا، تقدم العقدانية بديلًا أخلاقيًا عن النفعية، يحمي الفرد من أن يُضحّى به باسم «الصالح العام».
في كتابه «أن نكون واقعيين بشأن الأسباب» الصادر عام 2014، دافع سكانلون عن موقف أسماه «أصولية الأسباب» (Reasons Fundamentalism)، وهو أن هناك حقائق معيارية غير قابلة للاختزال بشأن ما لدينا سبب لفعله، وأن هذه الحقائق ليست مجرد تعبيرات عن رغباتنا أو مواقفنا، إنما هي حقائق موضوعية يمكن أن تكون صادقة أو خاطئة . وقد رأى أن الأسباب هي المفاهيم الأساسية في الأخلاق، وأن أي محاولة لتفسير الأخلاق بأشياء أخرى (كالرغبة أو المنفعة أو العاطفة) تفشل في تفسير القوة المعيارية التي تحملها الأسباب.
في كتابه «الأبعاد الأخلاقية: الجواز، المعنى، اللوم» الصادر عام 2008، وسّع سكانلون نظريته إلى مسائل اللوم والمسؤولية. ورأى أن اللوم ليس مجرد حكم تقييمي على شخص بأنه «سيئ»، إنما هو "تغيير في العلاق"ة بين اللائم والملوم: أن تقرر أن ما فعله هذا الشخص يضر بعلاقتك به بطريقة تبرر تغيير نواياك تجاهه، وكيفية فهمك لعلاقتك به . وبهذا، يكون اللوم فعلًا علائقيًا لا مجرد حكم على الشخص، ويفتح الباب لأسئلة جديدة عن متى يكون اللوم مبررًا ومتى لا يكون.
أثّر سكانلون تأثيرًا عميقًا في الفلسفة الأخلاقية والسياسية المعاصرة. وتُعدّ عقدانيته واحدة من أهم النظريات الأخلاقية البديلة عن النفعية والكانطية، وقد أثّرت في أعمال فلاسفة كبار مثل ديريك بارفيت وتوماس ناغل، وفي النقاشات حول العدالة والمساواة والحرية والتسامح وحقوق الإنسان . وقد تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة، ودرّس في أعرق الجامعات، وكان له تأثير واسع خارج الأوساط الأكاديمية أيضًا.
لكنه انتُقد بشدة أيضًا. من أبرز النقود التي وُجّهت إلى عقدانيته أنها غامضة في معيار «الرفض المعقول»: كيف نحدد ما هو «معقول» وما هو غير معقول؟ ألا يعتمد هذا في النهاية على حدس أخلاقي لا يمكن تبريره؟ وقد اعترف سكانلون نفسه بأن نظريته لا تقدم «آلة لإنتاج مبادئ جديدة»، وأنها تعتمد على أحكام جوهرية يمارسها الفاعل الأخلاقي . واتُّهمت نظريته بأنها "مثالية أكثر من اللازم"، لأنها تفترض في الناس قدرة على التجرد والنظر في أسباب الآخرين أكثر مما هو موجود في الواقع. واتُّهم في «الأبعاد الأخلاقية» بأن تفسيره للوم علائقي لا يفسر لماذا نشعر باللوم تجاه أشخاص لا تربطنا بهم علاقة شخصية. واتُّهم في «أصولية الأسباب» بأنها تقدم ميتافيزيقا ثقيلة للأسباب لا يمكن إثباتها، وأنها تعود إلى نوع من الأفلاطونية الأخلاقية التي هاجمها الوضعيون المنطقيون.
يبقى سكانلون مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت في قلب النقاش الأخلاقي والسياسي: ما الذي ندين به لبعضنا البعض؟ كيف نبرر أفعالنا لمن قد يتأثرون بها؟ هل يمكن أن نبني أخلاقًا بلا دين وبلا نفعية وبلا حدس؟ ما معنى اللوم والمسؤولية في عالم يفسر السلوك بأسباب نفسية وعصبية؟ وكيف نحمي الفرد من أن يُضحّى به باسم الصالح العام؟
لم يقدّم سكانلون وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن السؤال الأخلاقي الأساسي ليس «ما هي القاعدة؟» ولا «ما هي النتيجة؟» إنما «هل يمكن أن أبرر فعلي هذا لكل من قد يتأثر به؟». ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومؤثرًا ومقلقًا.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق