.jpg)
وُلد غراهام بريست في لندن في الثامن من مارس عام 1948، في عائلة تنتمي إلى الطبقة العاملة، وكان والده عاملًا في مصنع، وكانت هذه النشأة المتواضعة سمة ميّزته عن كثير من الفلاسفة الأكاديميين في بريطانيا في عصره. درس الرياضيات في جامعة كامبريدج، ثم انتقل إلى الفلسفة، وحصل على الدكتوراه من جامعة أكسفورد بإشراف جون لوكاس، بأطروحة عن نظرية المعنى عند تارسكي. عمل في جامعات بريطانية مختلفة، من بينها جامعة سانت أندروز وجامعة غرب أستراليا، ثم استقر في جامعة ملبورن بأستراليا حيث شغل كرسي الفلسفة، ثم انتقل إلى جامعة نيويورك حيث كان أستاذًا للفلسفة حتى تقاعده. وهو واحد من أبرز الفلاسفة المعاصرين، واشتهر عالميًا بتأسيسه ما يُعرف بمنطق «اللامتّسق» أو «اللامتّسق المتسامح»، وهو واحد من أكثر النظم المنطقية غير الكلاسيكية إثارة للجدل في العقود الأخيرة.
كان سؤال بريست المركزي واحدًا من أعمق الأسئلة في المنطق والفلسفة: هل يمكن أن تكون هناك تناقضات صادقة؟ وهل يمكن أن يكون هناك نظام منطقي لا ينهار إذا احتوى على تناقض؟ وقد انطلق من مفارقات دلالية معروفة، مثل مفارقة الكذاب، ومفارقة راسل، ومفارقة غريلينغ، ورأى أن كل محاولات حلّها بالطرق التقليدية قد فشلت، وأن الحل الوحيد المعقول هو أن نقبل أن بعض التناقضات صادقة، وأن نبني منطقًا لا يُدمّر نفسه إذا واجهها.
في عام 1979، نشر بريست كتابه الأول «المنطق والتناقض»، وهو الكتاب الذي أسّس فيه «اللامتّسق» أو «الجدلوية» بوصفها موقفًا فلسفيًا ومنطقيًا. والجدلوية عنده ليست موقفًا يقول إن كل شيء متناقض، إنما موقف يقول إن هناك بعض التناقضات الصادقة، وإن المنطق الكلاسيكي الذي يعتبر أن أي قضية متناقضة لا بد أن تكون خاطئة، وأن من التناقض يمكن أن نستنتج أي شيء، هو منطق غير قادر على معالجة المفارقات التي تنشأ في التفكير البشري. وقد صاغ بريست منطقًا جديدًا أسقط فيه «قانون عدم التناقض» بصورته المطلقة، وأبقى على «قانون الوسط المستبعد» أي أن كل قضية إما صادقة أو خاطئة، لكنه سمح لقضايا معينة أن تكون صادقة وخاطئة في الوقت نفسه. وبهذا المنطق، يمكن أن تكون الجملة «هذه الجملة كاذبة» صادقة وخاطئة معًا، دون أن ينهار النظام.
وقد وسّع بريست هذا المشروع في كتب لاحقة، من بينها «في حدود المعنى والمنطق» و«الحقيقة والتناقض» و«نظرة جديدة على التناقض»، و«الرياضيات والمتناقضات». وقد رأى أن المفارقات ليست عيوبًا في اللغة أو في الفكر، إنما هي ظواهر طبيعية في عالمنا، وأن أي نظام معرفي قوي بما يكفي للتعبير عن نفسه لا بد أن يقع في تناقضات، وأن الحل ليس في إنكار المفارقات أو الهروب منها، إنما في بناء أنظمة منطقية قادرة على احتوائها بلا انفجار.
إلى جانب اللامتّسق، كان لبريست إسهام في فلسفة الرياضيات، إذ دافع عن «المنطقانية» بصورتها الحديثة، أي الرأي القائل إن الرياضيات ليست إلا امتدادًا للمنطق. وقد رأى أن المنطقانية لم تفشل، وأن ما فشل هو صيغتها الكلاسيكية عند فريجه وراسل، وأن الصيغة الجديدة التي تعتمد على المنطق اللامتّسق يمكن أن تحقق البرنامج المنطقياني. كما عمل في «نظرية المجموعات» وفي «فلسفة المنطق»، وساهم في النقاشات المعاصرة حول «الحقيقة» و«الوجود» و«الهوية» و«الزمن»، ورأى في «الزمن» أن الحاضر ليس له وجود خاص، وأن الماضي والمستقبل موجودان بالقدر نفسه الذي فيه الحاضر، وهو موقف يُعرف بـ«اللامتّسق الزمني».
أثّر بريست في فلسفة المنطق والرياضيات في أستراليا وبريطانيا وأمريكا، وكان له دور كبير في تأسيس «مدرسة ملبورن» في المنطق اللامتّسق، التي صارت واحدة من أهم المدارس المنطقية المعاصرة. وقد أنشأ مع ريتشارد روتلي وفرانشيسكو بيرسي «مجلة المنطق اللامتّسق» عام 1973، وهي أول مجلة متخصصة في هذا المجال. وقد نال عضوية الأكاديمية الأسترالية للعلوم الإنسانية، وعضوية الأكاديمية البريطانية، وحصل على زمالة أرك من المجلس الأسترالي للبحوث، وجائزة ياروسلاف هاشيك من الأكاديمية التشيكية للعلوم عام ألفين وتسعة.
لكنه انتُقد بشدة من الفلاسفة والمناطقة الكلاسيكيين، الذين رأوا أن إسقاط قانون عدم التناقض يفتح الباب لكل أنواع الهراء، وأن أي نظام يسمح بقضايا صادقة وخاطئة في الوقت نفسه يفقد القدرة على التمييز بين الصدق والكذب، وأن المنطق الكلاسيكي قادر على معالجة المفارقات بطرق أقل تكلفة، من خلال التمييز بين مستويات اللغة كما فعل تارسكي، أو من خلال نظرية الأنواع كما فعل راسل. واتُّهم بريست بأنه يقدّم حلًا جذريًا لمشكلة كان يمكن حلها بوسائل أقل راديكالية. لكن بريست ظل يدافع عن موقفه بقوة، ويقول إن الأنظمة الكلاسيكية التي ترفض التناقضات الصادقة هي التي تفشل في تفسير المفارقات، لا العكس.
يبقى غراهام بريست مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت في قلب النقاش المنطقي والفلسفي: هل يمكن أن تكون هناك قضايا صادقة وخاطئة في الوقت نفسه؟ كيف نتعامل مع المفارقات التي لا مفر منها؟ هل المنطق الكلاسيكي هو المنطق الوحيد الصحيح؟ وكيف نبني أنظمة معرفية لا تنهار إذا واجهت تناقضًا؟ لم يقدّم بريست وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن الشك في البديهيات قد يكون بداية لا نهاية، وأن المنطق ليس مطلقًا إنما يمكن أن يكون موضوعًا للتطوير والتعديل، وأن أعظم الأسئلة الفلسفية قد تُطرح بأبسط الصور وأدق الصيغ.
تعليقات: (0) إضافة تعليق