.jpg)
وُلد أبراهام هيل برانكو فرانكل في السابع من فبراير عام 1891 في ميونخ بألمانيا، في عائلة يهودية تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وكان والده تاجرًا. درس الرياضيات في جامعة ميونخ ثم في جامعة ماربورغ، وتأثر بأستاذه إرنست تسيرميلو الذي كان قد وضع أسس نظرية المجموعات البديهية عام 1908. نال الدكتوراه من جامعة ماربورغ عام 1914 بأطروحة في نظرية الحلقات، ثم عمل أستاذًا للرياضيات في جامعة ماربورغ ثم في جامعة كيل، وفي عام 1928 انتقل إلى الجامعة العبرية في القدس حيث أسّس قسم الرياضيات وأداره سنوات طويلة. توفي في القدس في الخامس عشر من أكتوبر عام 1956 عن خمسة وستين عامًا.
كان سؤال فرانكل المركزي امتدادًا مباشرًا لسؤال تسيرميلو: كيف نبني نظرية مجموعات بديهية خالية من التناقضات والمفارقات؟ وقد لاحظ فرانكل أن نظام تسيرميلو الذي صدر عام ألف وتسعمئة وثمانية فيه ثغرات تقنية، لا سيما في بديهية الفصل التي تسمح بتكوين مجموعات من أي خاصية، مما يفتح الباب لمفارقة راسل. ومن هنا جاءت مساهمته الأكبر: تعديل نظام تسيرميلو وإصلاح ثغراته، حتى صار النظام يُعرف باسم (نظام تسيرميلو-فرانكل) أو (ZF)، وهو النظام الذي تقوم عليه الرياضيات الحديثة كلها اليوم.
في عام 1922، نشر فرانكل بحثه الذي قدّم فيه تعديلًا جوهريًا على بديهية الفصل عند تسيرميلو. فقد استبدلها باسم "بديهية الاستبدال"، وهي بديهية تقول إنه إذا كانت لدينا مجموعة، وكانت لدينا دالة تُنسب لكل عضو فيها عضوًا آخر، فإن الصور الناتجة تشكل مجموعة أيضًا. هذه البديهية أقوى من بديهية الفصل، لكنها أكثر أمانًا، إذ لا تسمح بتكوين مجموعات ضخمة مثل «مجموعة كل المجموعات» التي تؤدي إلى مفارقة راسل. وقد صار هذا التعديل حجر الزاوية في نظرية المجموعات البديهية، ولا يزال يُدرَّس في كل كتب المنطق الرياضي في العالم.
وقد وسّع فرانكل عمله في نظرية المجموعات في كتابه «مقدمة إلى نظرية المجموعات» الذي صدر عام 1928، وهو أول كتاب مدرسي شامل في هذا المجال، وأعيد طبعه مرات كثيرة. وقد أدخل فيه أيضًا "بديهية الاختيار" بصورتها النهائية، وشرح العلاقة بينها وبين باقي البديهيات. وقد ظل هذا الكتاب مرجعًا أساسيًا لعقود، ولا يزال يُستشهد به حتى اليوم.
وفي الرياضيات الصرفة، عمل فرانكل في "نظرية الحلقات" و"نظرية الأعداد" و"الجبر التبادلي"، ونشر أبحاثًا في "نظرية الزمر" و"نظرية الحقول"، لكن اسمه ارتبط أكثر ما ارتبط بنظرية المجموعات. وقد رأى أن الأساس البديهي ليس ترفًا فلسفيًا إنما ضرورة للرياضيات كلها، وأن الرياضيات لا يمكن أن تكون صارمة إلا إذا كانت مبنية على أسس لا تسمح بالتناقض.
أثّر فرانكل تأثيرًا هائلًا في الرياضيات الحديثة. فنظام ZF الذي صاغه هو الأساس الذي تُبنى عليه كل الرياضيات اليوم، من التحليل إلى الطوبولوجيا إلى نظرية الأعداد إلى علوم الحاسوب. وقد صار هذا النظام مع بديهية الاختيار يُعرف بـ"ZFC"، وهو النظام البديهي الأكثر استخدامًا في الرياضيات المعاصرة. وقد عمل كورت غودل على هذا النظام وأثبت مبرهناته الشهيرة في عدم الاكتمال، وعمل بول كوهين على استقلال بديهية الاختيار، وكل هذا البناء الرياضي الضخم يعود إلى نظام فرانكل.
لكنه انتُقد أيضًا من بعض الفلاسفة والرياضيين الذين رأوا أن نظرية المجموعات البديهية قد أبعدت الرياضيات عن الحدس وأصبحت لعبة صورية بلا معنى، وأن التركيز على الأسس قد أخذ وقتًا كبيرًا من الرياضيين على حساب الرياضيات نفسها. لكن هذه النقود لا تمس حقيقة أن فرانكل قدّم البناء الذي جعل الرياضيات الحديثة ممكنة، وأن اسمه مرتبط بأحد أهم أنظمة المنطق الرياضي في التاريخ.
يبقى فرانكل مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت في قلب الرياضيات والمنطق: كيف نبني نظامًا رياضيًا خاليًا من التناقضات؟ ما البديهيات التي نحتاجها لبناء الرياضيات؟ ما حدود ما يمكن أن نُسميه مجموعة؟ وكيف نتعامل مع اللانهاية بلا مفارقات؟ لم يقدّم فرانكل وصفة جاهزة، لكنه قدّم البناء الأول الذي جعل الرياضيات الحديثة ممكنة، وأثبت أن الدقة الرياضية ليست ترفًا إنما أساس الوجود الرياضي نفسه.
تعليقات: (0) إضافة تعليق