آخر الأخبار

ألفرد جولز آير

+حجم الخط-



وُلد ألفرد جولز آير في لندن في التاسع والعشرين من أكتوبر عام ألف وتسعمئة وعشرة، في عائلة تنتمي إلى الطبقة العليا الإنجليزية، إذ كان والده جول آير ضابطًا في الجيش الفرنسي ثم عمل في الخدمة المدنية السودانية، وأمه ريبيكا أخت الفيلسوف والمفكر الفرنسي إرنست جيلنر. نشأ آير في بيئة أرستقراطية مثقفة، ودرس في كلية إيتون ثم في كنيسة المسيح في أكسفورد، وهما من أعرق المؤسسات التعليمية في بريطانيا. وكان في شبابه رياضيًا بارعًا، إذ لعب الكريكيت لفريق أكسفورد، ومارس الملاكمة، وكان يركب الخيل، ويجيد الفرنسية والعربية. وفي عام ألف وتسعمئة واثنين وثلاثين، بعد تخرجه، سافر إلى فيينا لمدة عام ليدرس على يد موريتز شليك، زعيم حلقة فيينا التي كانت تشتغل على فلسفة العلم والمنطق الوضعي. وهناك سمع لأول مرة عن فتغنشتاين، وقرأ «الرسالة المنطقية الفلسفية»، فرجع إلى أكسفورد بفكرة جديدة عن الفلسفة، وبدأ يبني عليها كتابه الذي سيغير مسار الفلسفة التحليلية في العالم الناطق بالإنجليزية.


كان سؤاله المركزي هو: ما هي الفلسفة؟ وما هو العمل الذي يمكن أن تقوم به؟ وما الفرق بين قضية لها معنى وقضية بلا معنى؟ وكيف نبني مذهبًا في المعرفة والأخلاق على أساس من الوضوح اللغوي لا على أساس من الأساطير الميتافيزيقية؟ وكان جوابه الأولي هو أشهر ما كُتب في الفلسفة التحليلية: أن قضايا الفلسفة التقليدية ليست صحيحة ولا خاطئة، إنما بلا معنى، لأنها لا تقبل التحقق التجريبي ولا تنتمي إلى المنطق والرياضيات، وأن مهمة الفلسفة ليست في الكشف عن حقائق جديدة عن العالم، إنما في تحليل اللغة وتوضيح المعنى، وكشف ما يبدو مشكلات فلسفية وهو في الحقيقة التباس في اللغة. وقد كتب هذا الموقف في كتابه الأول والأشهر «اللغة والحقيقة والمنطق» الذي صدر عام ألف وتسعمئة وستة وثلاثين، وكان عمره ستة وعشرين عامًا فقط، فأصبح الكتاب الذي عرّف جيلًا كاملًا في الفلسفة الأنجلوأميركية بمشروع الوضعية المنطقية، وصار آير أشهر فيلسوف شاب في بريطانيا.


في هذا الكتاب، بنى آير مبدأه الأساسي: «مبدأ التحقق»، وهو أن معنى القضية يتحدد بمنهج التحقق منها. فالقضية التي لا يمكن أن يُتصور منهج للتحقق من صدقها أو كذبها، لا تكون قضية لها معنى. وعلى هذا الأساس، قسّم القضايا ذات المعنى إلى نوعين: قضايا تحليلية، وهي قضايا المنطق والرياضيات، وهي صادقة بحكم تعريف حدودها وليس لها مضمون تجريبي؛ وقضايا تركيبية، وهي قضايا العلوم التجريبية، وهي صادقة أو كاذبة بحسب التحقق الحسي منها. أما القضايا الميتافيزيقية، مثل «الله موجود» أو «الروح خالدة» أو «العالم كلي واحد»، فليست قضايا لها معنى، لأنها لا تخبرنا عن أي خبرة ممكنة. وبناء على ذلك، قال إن الميتافيزيقا ليست علمًا فاشلًا، إنما هي نوع من الشعر لا يمكن أن يكون صادقًا أو كاذبًا، وإن الفيلسوف الميتافيزيقي شاعر أخطأ الطريق وظن نفسه عالمًا. وقد أثار هذا الكتاب صدمة في الأوساط الفلسفية والدينية، وصار آير في سن السادسة والعشرين واحدًا من أكثر الفلاسفة إثارة للجدل في العالم.


وقد وسّع آير هذا المشروع في «أسس المعرفة التجريبية» عام ألف وتسعمئة وأربعين، و«اللغة والحقيقة والمنطق» في طبعة ثانية عام ألف وتسعمئة وستة وأربعين أضاف إليها مقدمة يرد فيها على منتقديه، ثم في «المشكلة المركزية في نظرية المعرفة» عام ألف وتسعمئة وستة وخمسين، وفيه دافع عن «الأساسية» أي أن المعرفة تقوم على قضايا أساسية أولية تُبنى عليها بقية المعرفة. لكنه في سنواته الأخيرة راجع موقفه من التحقق، إذ رأى أن مبدأ التحقق نفسه ليس قضية تحليلية ولا قضية تجريبية، وأن التحقق ليس معيارًا واحدًا صارمًا كما تصوره في شبابه، فخفف من حِدّته وقال إنه لا يمكن أن يكون قاعدة مطلقة، وأنه ليس إلا نصيحة منهجية تعين على التمييز بين ما يمكن أن نختبره وما لا يمكن.


وفي الأخلاق، طرح آير موقفًا جذريًا صار من أشهر ما كُتب في فلسفة الأخلاق في القرن العشرين. في الفصل الأخير من «اللغة والحقيقة والمنطق»، وفي كتاب «اللغة والأخلاق والسياسة» عام ألف وتسعمئة وسبعين، دافع عن «الانفعالية» أو «العاطفية» في الأخلاق. فالقضايا الأخلاقية عنده ليست قضايا تقريرية عن العالم، بل هي تعبيرات عن انفعالات ومواقف، ووسائل للتأثير على سلوك الآخرين. وقولنا «القتل خطأ» ليس وصفًا لحقيقة أخلاقية في العالم، إنما تعبير عن رفضنا للقتل ودعوة إلى الآخرين إلى الرفض نفسه. وهذا لا يعني عنده أن الأخلاق عبثية، إنما يعني أن الأخلاق ليست معرفة، إنما فعل، وأنها لا تحتاج إلى سند ميتافيزيقي لتكون حيّة ومؤثرة. وقد أثار هذا الموقف جدلًا واسعًا، ويُعدّ حتى اليوم واحدًا من أبرز مواقف المذهب الطبيعي «aturalism» في الأخلاق.


وفي حياته العملية، لم يكن آير فيلسوفًا أكاديميًا منعزلًا، إنما كان مشاركًا في أحداث عصره. عمل خلال الحرب العالمية الثانية في وحدة الاستخبارات البريطانية، ثم في السفارة البريطانية في باريس، ثم في التحقيق في جرائم الحرب، وسافر إلى ألمانيا وإلى النمسا وإلى باريس في مهمات حساسة، وكان له اتصال بشبكات المقاومة الفرنسية، وساهم في تحرير باريس. وقد قال إن تجربة الحرب غيّرت نظرته إلى الأخلاق، لأنه رأى كيف يمكن للناس في الظروف القاسية أن يتصرفوا بطرق لم يكن يتصورها. وقد انتخب أستاذًا لمنطق في أكسفورد عام ألف وتسعمئة وستة وأربعين، وكانت محاضراته من أشهر ما يُلقى في الجامعة، إذ كان حاضرًا بذكاء حاد وأسلوب ساخر وواضح لا يعرف المجاملة. ثم انتقل إلى لندن عام ألف وتسعمئة وستين ليشغل كرسي فلسفة العقل والمنطق في كلية لندن، وبقي فيها حتى تقاعده عام ألف وتسعمئة وثمانية وسبعين. وقد حاضر في جامعات كثيرة حول العالم، وكتب مقالات ومراجعات كثيرة في الصحافة، وأصبح واحدًا من أشهر الوجوه الفلسفية في بريطانيا، معروفًا بصراحته ورفضه للغموض. وفي عام ألف وستمئة وستة وسبعين ألف كتاب «فلسفة القرن العشرين»، ثم في عام ألف وتسعمئة واثنين وثمانين نشر سيرته الذاتية «الجزء من حياتي» في جزأين، وفيها يروي حياته بسخرية وصدق وحس فكاهي.


تأثر آير ببرتراند راسل وجورج إدوارد مور في البدايات، وبموريتز شليك ورودولف كارناب وأوتو نويرات في حلقة فيينا، وبفتغنشتاين، وخاصة في «الرسالة» الأولى، وبكارل بوبر في فلسفة العلم. وكان صديقًا لستيوارت هامبشير وبرتراند راسل وجيلبرت رايل وريتشارد رورتي وفرانك رامزي، وكان له دور كبير في تعريف الفلسفة الأنجلوأميركية بالوضعية المنطقية. وقد أثّر في تحليل اللغة وفي فلسفة العلم ونظرية المعرفة وفلسفة الأخلاق، وفي جيل كامل من الفلاسفة التحليليين، من بينهم ريتشارد رورتي في بداياته، وستراوسون، وهامبشير، ودانييل دينيت. وقد كان واحدًا من مؤسسي المجلة الفلسفية «مايند» بعد أن تولى تحريرها بين عامي ألف وتسعمئة وأربعة وستين وتسعة وستين، وجعلها واحدة من أهم منابر الفلسفة التحليلية في العالم.


لكنه انتُقد بشدة، ولا يزال مبدأ التحقق نفسه مثار جدل. اتُّهم بأنه يجعل الميتافيزيقا كلها بلا معنى بحكم تعريف مسبق، ويُصادر على المسألة من أول الطريق، وأنه لا يمكن التحقق من مبدأ التحقق نفسه، فيقع في تناقض ذاتي. واتُّهم بأنه اختزل العلم إلى حس مباشر، ولم يفهم أن العلم يقوم على نظريات وافتراضات نظرية لا يمكن أن تُختزل في حواس، وهذا ما اعترض عليه كارل بوبر وتوماس كون وكواين. واتُّهم في الأخلاق بالعاطفية، وأنه ألغى الأخلاق المطلقة حين جعلها انفعالات ومواقف، وأنه لا يستطيع أن يفسّر لماذا نحتاج إلى قواعد أخلاقية عامة، ولا كيف نناقش من يخالفنا أخلاقيًا إذا كان كل موقف أخلاقي انفعالًا فرديًا. واتُّهم في حياته الشخصية بأنه كان أرستقراطيًا في سلوكه ومواقفه، وأنه لم يكن ناقدًا جذريًا للمجتمع البريطاني الطبقي الذي جاء منه، بل ظل أسيرًا له في كثير من آرائه. واتُّهم بأنه رجل يعرف أن يجيد النقد والتحليل، لكنه لم يقدّم بديلًا واضحًا، ولا مشروعًا فلسفيًا بنّاء، وظل في نظر كثيرين فيلسوفًا لكتاب واحد صغير في شبابه، ثم فتح فمه بعد ذلك في كتب ومراجعات لم تكن بمستوى «اللغة والحقيقة والمنطق».


يبقى آير مهمًا اليوم لأن أسئلته عن المعنى والتحقق واللغة والأخلاق لم تُغلق: كيف نُفرّق بين قضية لها معنى وقضية بلا معنى؟ هل كل قضية يمكن أن نختبرها تجريبيًا؟ ما معنى أن نقول إن قضية أخلاقية صحيحة؟ هل الأخلاق معرفة أم انفعال؟ كيف نُفكّر في الميتافيزيقا في زمن العلم، وكيف نُفكّر في العلم في زمن الميتافيزيقا؟ وكيف يستطيع الفيلسوف أن يتحدث إلى جمهور أوسع بلغة واضحة؟ لم يقدّم آير إجابات نهائية، إنما علّمنا أن الفلسفة يمكن أن تكون واضحة، وأن غياب الوضوح ليس عمقًا، وأن أجرأ ما يمكن أن يقوله فيلسوف هو أن يسأل: ما معنى هذه الجملة؟ وهل يمكن أن تكون صحيحة أصلًا؟ ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومقلقًا ومفيدًا، حتى في نقد مبدئه نفسه.



  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي