وُلد برتراند آرثر ويليام راسل في بلدة تريليك بويلز في ويلز عام ألف وثمانمئة واثنين وسبعين، في واحدة من أعرق العائلات الأرستقراطية البريطانية. كان جدّه اللورد جون راسل رئيس وزراء بريطانيا مرتين في عهد الملكة فيكتوريا، وكانت عائلته تنتمي إلى النخبة اليمينية في البلاد. لكن طفولته كانت قاسية على نحو غير عادي، فقد ماتت أمه وأخته الكبرى وهو في الرابعة، ثم مات أبوه وهو في السادسة، ثم مات جده بعد عامين، فتولّت جدته تربيته في قصر بيمبروك لودج، وكانت امرأة متزمتة دينيًا وأخلاقيًا، فرضت عليه تربية صارمة جعلته في شبابه يكره الدين ويكره السلطة، لكنها منحته في الوقت نفسه مكتبة ضخمة وحرية في القراءة. وفي تلك الفترة، قرأ راسل كتب الفلسفة والرياضيات، وبدأ يشعر بأن الرياضيات قادرة على إعطائه اليقين الذي لم يجده في الدين.
درس راسل الرياضيات والفلسفة في جامعة كامبريدج، حيث تتلمذ على يد ج. م. إ. مكتاغارت، ثم تحرّر من مثاليته الهيغلية وتوجّه إلى منطق جديد. وفي عام ألف وتسعمئة، بينما كان يحضر مؤتمرًا فلسفيًا في باريس، التقى جوزيبه بيانو وقرأ أعماله، فاهتدى إلى أفكار المنطق الرياضي الحديث. ثم انكبّ على دراسة فريجه الذي كان قد شبه نُسي في ذلك الوقت، وسرعان ما اكتشف التناقض الذي هدم نظام فريجه، وهو ما سماه فريجه في رده «مفارقة راسل»، وقد كتب إليه راسل بنفسه يخبره بها عام ألف وتسعمئة واثنين. وهكذا بدأ مشروعه الأكبر مع ألفريد نورث وايتهيد: كتاب «مبادئ الرياضيات» في ثلاثة مجلدات، صدر الأول عام ألف وتسعمئة وعشرة، والثاني والثالث عام ألف وتسعمئة واثنين وثلاثة عشر. وقد حاولا فيه أن يبنيا الرياضيات كلها على أساس من المنطق، وأن يبينا أن قضايا الرياضيات ليست إلا قضايا منطقية في لبّها، وهو ما صار يُعرف بـ«المنطقانية»، وقد أثّر هذا الكتاب في الفلسفة والرياضيات تأثيرًا لا يزال ظاهرًا حتى اليوم، رغم أن برنامج المنطقانية تعرّض لانتقادات من كورت غودل وغيره.
لكن راسل لم يكن فيلسوفًا أكاديميًا منعزلًا، إنما كان واحدًا من أكثر المفكرين انخراطًا في السياسة والحياة العامة في القرن العشرين. عارض الحرب العالمية الأولى، فطُرد من جامعة كامبريدج، وسُجن عدة أشهر عام ألف وتسعمئة وثمانية عشر بتهمة معاداة التجنيد، وهناك كتب مقدمة «مبادئ الرياضيات» وقرأ الأدب الروسي. سافر إلى روسيا بعد الثورة البلشفية عام ألف وتسعمئة وعشرين والتقى لينين، فخرج من اللقاء ناقدًا للبلشفية بسبب ما رآه من قمع وإلغاء للحرية. ثم سافر إلى الصين واليابان وألقى محاضرات هناك، وعاد ليكتب «مشكلات الفلسفة» عام ألف وتسعمئة واثنين وعشرين، وهو من أكثر كتبه قراءة حتى اليوم، و«مقدمة للفلسفة الرياضية»، و«مذهب الذرات المنطقي»، و«تحليل الذهن» عام ألف وتسعمئة وواحد وعشرين، و«تحليل المادة» عام ألف وتسعمئة وسبعة وعشرين.
ومن مفاهيمه الأساسية «نظرية الأوصاف»، وهي التي أخرجت الفلسفة التحليلية من مأزق كبير. فقد سأل راسل: كيف يمكن أن نقول «ملك فرنسا الحالي أصلع» إذا لم يكن هناك ملك فرنسا حاليًا؟ الجواب أن هذه الجملة ليست إثباتًا لصفة، إنما تعبير عن قضية وجودية مركبة، وأن الأوصاف المعرفة ليست أسماء، إنما جمل مخفية تحمل شروط وجود ووحدانية. هذا التحليل، الذي نشره في مقالته «عن الدلالة» عام ألف وتسعمئة وخمسة، صار أساسًا لكل فلسفة اللغة التحليلية، وأثّر في فتغنشتاين وكارناب وكواين وكل من جاء بعدهم.
وفي «مبادئ الرياضيات» وكتابه «مشكلات الفلسفة»، بنى راسل نظرية في المعرفة تقوم على التمييز بين «المعرفة باللقاء»، أي المعرفة المباشرة بالأشياء والألوان والأصوات والأحاسيس، و«المعرفة بالوصف»، أي المعرفة غير المباشرة التي نصل إليها عبر الاستدلال. وهو يرى أن كل معرفتنا بالعالم الخارجي تقوم في نهاية الأمر على المعرفة باللقاء، لكنها تحتاج أيضًا إلى مبادئ قبلية مثل مبدأ الاستقراء ومبدأ السببية، وهذه المبادئ لا تُستمد من التجربة وحدها، إنما هي شروط تجعل العلم ممكنًا. وبهذا يقف راسل بين التجريبية البريطانية التقليدية وبين كانط، محاولًا أن يبني منطقًا للعلم بلا أن يغرق في الميتافيزيقا.
لكن راسل لم يكن فيلسوفًا للعلم فقط، كان أيضًا كاتبًا غزير الإنتاج في السياسة والأخلاق والتربية والدين والزواج والمجتمع. كتب «أخلاق الزواج» و«تربية الأطفال» و«الحرية والمجتمع» و«السلطة والفرد» و«تاريخ الفلسفة الغربية» عام ألف وتسعمئة وخمسة وأربعين، الذي صار من أكثر كتب الفلسفة انتشارًا في العالم، رغم ما وُجّه إليه من نقد بسبب تجاوزاته التاريخية وتبسيطه لبعض الفلاسفة. وكتب «لماذا لست مسيحيًا» عام ألف وتسعمئة وسبعة وعشرين، و«الدين والعلم» عام ألف وتسعمئة وخمسة وثلاثين، وفيهما دافع عن العقلانية والإلحاد وانتقد الدين بوصفه قوة تعوق التقدم الأخلاقي والعلمي. وكان ليبراليًا راديكاليًا في السياسة، واشتراكيًا في الاقتصاد، وداعيًا للسلام العالمي، وأناركيًا في شبابه، ثم صار عقلانيًا إصلاحيًا في شيخوخته.
وفي أعوامه الأخيرة، تحوّل راسل إلى واحد من أكثر الأصوات العالمية شهرة في النضال من أجل السلام، فأسّس مع ألبرت أينشتاين «بيان راسل-أينشتاين» عام ألف وتسعمئة وخمسة وخمسين، الذي دعا فيه الدول إلى تجنّب الحرب النووية، ثم أسّس «مؤتمر بوتواش للعلوم والشؤون العالمية»، وحضر مؤتمر «محكمة راسل» التي حاكمت الولايات المتحدة على حرب فيتنام، وأصدر بيانات نارية ضد السياسة الأميركية والتدخلات العسكرية. ونال جائزة نوبل في الأدب عام ألف وتسعمئة وخمسين، تقديرًا لكتاباته المتنوعة في مجالات الفكر الإنساني، لكنه قال في خطابه إن الجائزة كانت مفاجأة له، وأنه كان يخشى أن تكون من قبيل التقدير الأدبي لا الفلسفي. وقد سُجن مرة أخرى في الثمانينيات من عمره بسبب مشاركته في مظاهرة ضد السلاح النووي. توفي راسل في بلده ويلز عام ألف وتسعمئة وسبعين عن ثمانية وتسعين عامًا، وقد كان حتى اللحظة الأخيرة يكتب ويتدخل في الشأن العام.
تأثر راسل بجون ستيوارت مل في الليبرالية، وبمكتاغارت في المثالية الهيغلية في شبابه ثم انفصل عنه، وبفريجه وبيانو في المنطق، وبألفريد نورث وايتهيد في الرياضيات، وبمل في الأخلاق والسياسة، وبإبنز في المنطق. وأثّر هو في الفلسفة التحليلية كلها، وفي فتغنشتاين الذي كان تلميذه ثم ناقده، وفي كارناب وكواين ومور وأستن ورايل وجيلبرت رايل، وفي المنطق الرياضي وعلوم الحاسوب ونظرية المعرفة. وقد ساهم في تأسيس فلسفة اللغة والمنطق الرياضي والفلسفة العلمية بشكل لم يسبق له مثيل في القرن العشرين.
لكنه انتُقد بشدة أيضًا، واتُّهم بالتبسيط الشديد في «تاريخ الفلسفة الغربية» حتى إن بعض الفلاسفة قالوا إن فصوله عن أفلاطون وأرسطو لا تصلح إلا كمدخل شعبي، واتُّهم بالمراوغة السياسية في بعض مراحل حياته، وخاصة عندما دعا بريطانيا إلى الاستمرار في الحرب العالمية الأولى بعد أن كان قد عارضها، واتُّهم بمواقف مثيرة للجدل من الزواج والتربية، واتُّهم في سنواته الأخيرة بالانحياز إلى طرف في الصراع الدولي مع أنه ادعى الحياد، وبأنه حينما كان يتحدث عن السلام كان يهاجم الغرب أكثر مما يهاجم الاتحاد السوفيتي، ولم يكن ناقدًا للستالينية بالقدر الذي نقد به الرأسمالية. كما اتُّهم بجفاف فلسفي وبأنه ركّز على المنطق واللغة أكثر من المسائل الوجودية والإنسانية، لكن حتى منتقدوه يعترفون بأنه واحد من أكبر العقول الموسوعية في القرن العشرين، وأنه جمع بين الرياضيات والفلسفة والسياسة والأدب، وأنه لم يعش حياته في برج عاجي، إنما نزل إلى السجون والمظاهرات والمنابر العامة دفاعًا عمّا آمن به.
يبقى راسل مهمًا اليوم ليس لأنه أعطى أجوبة نهائية، إنما لأنه علّمنا أن الفلسفة ليست ترفًا أكاديميًا، إنها حاجة إنسانية، وأن المنطق ليس لعبة رياضية، إنه أداة للفكر الواضح، وأن العقل لا يمكن أن يكون حرًّا إذا لم يكن الإنسان حرًّا في حياته اليومية. وكتب راسل في آخر رسالة له إلى العالم: «إننا نقف على مفترق طرق، وإذا اخترنا الصراع فسنختار الموت، وإذا اخترنا التعاون فسنختار الحياة»، وهي كلمات تبدو اليوم أكثر إلحاحًا مما كانت عليه عندما كتبها.
تعليقات: (0) إضافة تعليق