آخر الأخبار

إرنست تسيرميلو

+حجم الخط-



وُلد إرنست فريدريش فرديناند تسيرميلو في برلين في السابع والعشرين من يوليو عام 1871، في عائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى البروسية . درس الرياضيات والفيزياء والفلسفة في جامعات برلين وهاله وفرايبورغ، وأنهى أطروحته للدكتوراه عام 1894  في جامعة برلين تحت إشراف لازاروس فوكس وهيرمان شفارز، وكانت الأطروحة في حساب التغايرات، وهو فرع من الرياضيات يبحث في إيجاد الدوال التي تحقق شروطًا معينة . ثم انتقل إلى غوتنغن حيث نال شهادة التأهل للأستاذية عام 1897، وعمل فيها محاضرًا ثم أستاذًا حتى عام ألف وتسعمئة وعشرة .


عمل تسيرميلو أستاذًا في جامعة زيورخ من عام ألف وتسعمئة وعشرة حتى عام 1916، لكن صحته اعتلت فاستقال من منصبه وانتقل إلى منطقة شفارتزفالد حيث عاش منعزلًا حتى عام 1926 . وفي العام نفسه عُيّن أستاذًا في جامعة فرايبورغ، وبقي فيها حتى عام 1935، حين استقال احتجاجًا على سياسات النظام النازي، ثم عاد إلى منصبه بعد نهاية الحرب عام 1946، وظل أستاذًا فخريًا حتى وفاته في فرايبورغ في الحادي والعشرين من مايو عام 1953 .


كان سؤال تسيرميلو المركزي يدور حول أساس الرياضيات: كيف نُبني نظرية المجموعات بناءً خاليًا من التناقضات والمفارقات؟ وكيف نُبرّر استخدام مبادئ رياضية لم نُصرّح بها من قبل؟ وقد ظهر هذا السؤال في لحظة أزمة حقيقية في تاريخ الرياضيات، إذ اكتشف برتراند راسل عام ألف وتسعمئة وواحد مفارقة شهيرة في نظرية المجموعات الكانتورية، وهي مفارقة «مجموعة كل المجموعات التي لا تحتوي على نفسها»، وهذه المفارقة هددت الأسس التي كانت الرياضيات كلها تقوم عليها .


في عام 1904، نشر تسيرميلو ورقة بحثية قصيرة لا تتجاوز ثلاث صفحات في مجلة «الرياضيات» بعنوان «إثبات نظرية الترتيب الجيد» . في هذه الورقة، أثبت أن كل مجموعة يمكن أن تُرتَّب ترتيبًا جيدًا، أي أن نضع أعضاءها في ترتيب بحيث تكون لكل مجموعة فرعية غير خالية عنصر أول. لكن إثباته هذا اعتمد على مبدأ لم يُصرّح به من قبل، وهو «بديهية الاختيار»، التي تقول إنه إذا كانت لدينا مجموعة من المجموعات غير الخالية، فإنه توجد دالة تختار عنصرًا واحدًا من كل مجموعة . وقد أثارت هذه البديهية جدلًا واسعًا بين الرياضيين، إذ قبلها بعضهم ورفضها آخرون، لأنها لا تُعطي طريقة محددة للاختيار، إنما تقول فقط إن اختيارًا ما ممكن. ومع ذلك، صارت بديهية الاختيار اليوم من أهم مبادئ الرياضيات، ويُستعمل بدلها غالبًا «مبرهنة زورن» المكافئة لها .


ثم جاءت الخطوة الأعظم في عام 1908، حين نشر تسيرميلو بحثه «دراسات في أسس نظرية المجموعات» . في هذا البحث، قدّم أول نظام بديهي لنظرية المجموعات، أي بدلًا من أن نُعرّف «المجموعة» ونبني كل شيء انطلاقًا من ذلك التعريف، نضع قائمة من البديهيات التي تُحدد ما يمكن أن يُعتبر مجموعة وما لا يمكن. وقد صاغ تسيرميلو سبع بديهيات، من بينها بديهية الامتداد (المجموعتان متساويتان إذا كان لهما الأعضاء نفسها)، وبديهية المجموعة الخالية (توجد مجموعة لا تحتوي على أي شيء)، وبديهية الفصل (إذا كانت لدينا مجموعة وخاصية معينة، فإن الأعضاء الذين يحققون هذه الخاصية يشكلون مجموعة) . وقد صُمّمت هذه البديهيات لتجنّب المفارقات التي ظهرت في نظرية كانتور، إذ تمنع تكوين مجموعات «كبيرة جدًا» مثل «مجموعة كل المجموعات» .


لم يكن نظام تسيرميلو كاملًا، إذ كانت هناك ثغرات تقنية في صياغة بعض البديهيات، وخاصة ما يتعلق بمفهوم «الخاصية المحددة» التي تُستخدم في بديهية الفصل. فجاء إبراهام فرانكل عام 1922، ثم ثورالف سكوليم، وأدخلا تعديلات مهمة على النظام، فصار يُعرف بنظام «تسيرميلو-فرانكل» أو اختصارًا ZF، وهو النظام الذي تُبنى عليه الرياضيات الحديثة اليوم . وفي ثلاثينيات القرن العشرين، أضاف كورت غودل وبول كوهين نتائج مهمة حول هذا النظام، إذ أظهر غودل أن بديهية الاختيار متسقة مع بقية البديهيات، وأظهر كوهين أنها مستقلة عنها .


ولم تقتصر إسهامات تسيرميلو على نظرية المجموعات. فقد عمل في الرياضيات التطبيقية والفيزياء الرياضية، وفي عام 1929 نشر أول وصف لنموذج التقييم الرياضي للاعبي الشطرنج، وهو النموذج الذي يُستخدم اليوم في أنظمة التصنيف الرياضي والمنافسات، ويُعدّ الأساس الأول لما يُعرف اليوم بنظرية المقارنات الزوجية . وفي عام 1930، نشر تسيرميلو مفهوم «رتبة المجموعة»، الذي صار يُعرف لاحقًا بـ«رتبة فون نيومان»، وهو تصنيف للمجموعات بحسب مستوياتها في الهرم الكوني للمجموعات .


تأثر تسيرميلو بكانتور في نظرية المجموعات، وبفوكس وشفارز في الرياضيات، وبكانط في الفلسفة. وأثّر هو في كل بناء الرياضيات الحديثة، إذ لا تكاد توجد اليوم نظرية رياضية لا تُبنى على نظام تسيرميلو-فرانكل، وصارت بديهية الاختيار جزءًا من هذا النظام، وأصبحت أعماله الأساس الذي انطلق منه غودل وكوهين وكل من جاء بعدهما في نظرية المجموعات والمنطق الرياضي.


يبقى تسيرميلو مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت في قلب الرياضيات والفلسفة: كيف نُبني نظامًا رياضيًا خاليًا من التناقضات؟ كيف نُبرّر استخدام مبادئ غير قابلة للبرهان؟ ما حدود ما يمكن أن نُسميه «مجموعة»؟ وكيف نتعامل مع اللانهاية بلا أن نقع في مفارقات؟ لم يقدّم تسيرميلو وصفة جاهزة، لكنه قدّم البناء الأول الذي جعل الرياضيات الحديثة ممكنة، وأثبت أن أعظم الأسئلة الفلسفية قد تُحلّ بأدوات رياضية دقيقة، وأن الدقة لا تعني البرود، بل قد تكون أعلى صور الشجاعة الفكرية.



  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي