وُلد روبرت آلان دال في 17 ديسمبر 1915 في بلدة إنوود بولاية آيوا الأمريكية، وتوفي في 5 فبراير 2014 في هامدن بولاية كونيتيكت عن 98 عامًا . يُعدّ واحدًا من أبرز علماء السياسة الأمريكيين في القرن العشرين، وأحد مؤسسي نظرية «الديمقراطية التعددية»، وأكثر من أثر في دراسة الديمقراطية المقارنة والسلطة السياسية .
كان سؤاله المركزي هو: من يحكم فعليًا في نظام سياسي يبدو ديمقراطيًا؟ وهل الديمقراطية التمثيلية الحديثة تحقق فعلًا وعدها بالمساواة السياسية، أم أن السلطة تتركز في أيدي نخبة قليلة رغم الآليات الانتخابية؟ وقد انطلق من رفضه لنظريات «النخبة الحاكمة» التي قالت إن كل المجتمعات تحكمها أقلية منظمة، ورأى أن الواقع الأمريكي أكثر تعقيدًا وتعددًا من ذلك .
في كتابه الشهير «من يحكم؟ الديمقراطية والسلطة في مدينة أمريكية» الصادر عام 1961، درس دال بنية السلطة في مدينة نيو هيفن بولاية كونيتيكت، وتوصل إلى نتيجة مخالفة لنظريات النخبة: لا توجد نخبة واحدة تسيطر على كل القرارات، إنما توجد مجموعات مختلفة من النخب، كل منها يهيمن على مجال مختلف من مجالات السياسة، ويتفاوض مع الآخرين ويتنازع معهم . وبهذا صاغ دال مفهوم «التعددية» بوصفه وصفًا للسياسة الأمريكية: نظام تتعدد فيه مراكز القوة، وتتنافس فيه الجماعات على التأثير، ولا يحتكر فيه طرف واحد القرار .
لكن دال لم يكن ساذجًا في تفاؤله. فقد رأى أن التعددية ليست ديمقراطية كاملة، بل هي «أقرب ما وصلت إليه المجتمعات الحديثة» من المثل الديمقراطي. ومن هنا جاء مفهومه الأكثر شهرة: «البولياركية» أو «تعددية السلطة»، وهو نظام حكم تعددي لا يحققه المجتمع البشري تمامًا، لكنه يقترب من المثل الأعلى للديمقراطية أكثر من أي نظام آخر .
طوّر دال مفهوم البولياركية في كتابه «البولياركية: المشاركة والمعارضة» الصادر عام 1971، وحدد لها سبعة شروط أساسية: سيطرة المسؤولين المنتخبين على قرارات الحكومة، وانتخابات حرة ونزيهة، وحق التصويت العام، وحق الترشح للجميع، وحرية التعبير، وتوافر مصادر معلومات بديلة، وحق المواطنين في تكوين جمعيات مستقلة بما فيها الأحزاب السياسية . ورأى أن البولياركية ليست ديمقراطية مثالية، لكنها النظام الذي يسمح بأعلى درجة من المشاركة والتنافس والمساءلة في عالم واقعي .
وفي كتابه «الديمقراطية ونقادها» الصادر عام 1989، حدد دال خمسة معايير لعملية ديمقراطية مثالية: المشاركة الفعالة، والمساواة في التصويت، والفهم المستنير، وسيطرة المواطنين على جدول الأعمال، والشمولية . ثم قارن هذه المعايير بالواقع، وخلص إلى أن أي دولة حديثة، بما فيها الولايات المتحدة، لا تحققها كاملة، وأن البولياركية تبقى تقريبًا ناقصًا للمثل الديمقراطي .
في سنواته الأخيرة، وسّع دال نقده ليشمل الاقتصاد. في كتابه «مقدمة للديمقراطية الاقتصادية» الصادر عام 1985، رأى أن الديمقراطية السياسية لا يمكن أن تزدهر في ظل تفاوتات اقتصادية ضخمة تمنح أصحاب رأس المال نفوذًا يفوق نفوذ المواطنين العاديين . وقد دافع عن فكرة «ديمقراطية مكان العمل»: أن تكون الشركات مملوكة للعمال ويديرها العمال أنفسهم، لأن ذلك يوسّع قاعدة المساواة السياسية ويعطي الأفراد خبرة في الحكم الذاتي، بدلًا من نظام الرأسمالية المؤسسية أو الاشتراكية الدولة . وقد رأى أن هذا البديل ليس خيالًا، إنما يمكن أن يستند إلى تجارب في دول مختلفة .
أثّر دال تأثيرًا هائلًا في علم السياسة المقارن ونظرية الديمقراطية. كان أستاذًا في جامعة ييل لأكثر من أربعين عامًا، ورئيسًا للجمعية الأمريكية للعلوم السياسية، وأول من نال جائزة يوهان شوته في علم السياسة عام 1995 . وقد أثّرت أعماله في دراسة التحول الديمقراطي، وفي فهم العلاقة بين الحرية والمساواة، وفي تحليل توزيع السلطة في المجتمعات الحديثة .
لكنه انتُقد بشدة أيضًا. من أبرز نقاده عالم الاجتماع ج. وليام دومهوف، الذي رأى أن دراسة دال لنيو هيفن تجاهلت النفوذ الحقيقي للنخبة الاقتصادية، وأن التعددية التي وصفها دال هي في الحقيقة واجهة لهيمنة رأس المال على السياسة . واتُّهم دال في سنواته الأخيرة بأنه أصبح أكثر تشاؤمًا بشأن الديمقراطية الأمريكية، خاصة في كتابه «ما مدى ديمقراطية الدستور الأمريكي؟» الصادر عام 2002، حيث رأى أن الآباء المؤسسين كانوا يجهلون الكثير عن المستقبل، وأن الدستور أقل ديمقراطية مما ينبغي، لكنه لم يقدّم بديلًا واضحًا سوى الدعوة إلى إصلاحات محدودة .
يبقى دال مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت في قلب النقاش السياسي: من يحكم فعلًا في الديمقراطيات الحديثة؟ هل الانتخابات وحدها كافية لتحقيق المساواة السياسية؟ كيف يؤثر التفاوت الاقتصادي في جودة الديمقراطية؟ وما الفرق بين المثل الديمقراطي والواقع البولياركي؟
لم يقدّم دال وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن الديمقراطية ليست حالة تُبلغ مرة واحدة، بل عملية مستمرة من توسيع المشاركة والمساءلة، وأن السؤال الصحيح ليس «هل نحن ديمقراطيون؟» بل «إلى أي حد نقترب من المثل، وأين نخفق؟».
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق