الجوهر والعرض: ما الذي يبقى عندما يتغير كل شيء؟

 


لنتأمل تفاحة على الطاولة. بعد أسبوع، ستذبل وتتغير. بعد شهر، ستتعفن وتتحول إلى شيء آخر. لكن خلال كل هذه التغيرات، كنا نسميها «تفاحة». ما الذي ظل ثابتًا طوال هذه التغيرات؟

هذا السؤال يقودنا إلى مفهوم «الجوهر». الجوهر هو ما يبقى ثابتًا خلف الأعراض المتغيرة. هو الركيزة التي تحمل الصفات، والتي إذا تغيرت الصفات تبقى هي هي.

لكن هل يمكننا إدراك الجوهر مباشرة؟ أم أننا لا ندرك إلا الأعراض؟ وهل الجوهر شيء حقيقي أم مجرد فكرة نخلقها في أذهاننا؟ هذه الأسئلة شغلت الفلاسفة منذ أرسطو حتى يومنا هذا.


الجوهر والعرض: تعريف أولي

لنبدأ بتعريف بسيط: الجوهر هو ما يقوم بذاته، أي لا يحتاج إلى غيره لوجوده. الجوهر هو الشيء في ذاته، بغض النظر عن صفاته العارضة. أما العرض فهو ما لا يقوم بذاته، بل يحتاج إلى جوهر يحل فيه. العرض هو صفة من صفات الشيء، يمكن أن تتغير دون أن يتغير جوهر الشيء.

التفاحة هي جوهر. لونها الأحمر هو عرض. يمكن للتفاحة أن يتغير لونها إلى الأخضر دون أن تتوقف عن كونها تفاحة. الإنسان هو جوهر. طوله، لون شعره، وزنه هي أعراض. يمكن لهذه الأعراض أن تتغير مع بقاء الإنسان هو هو. الكرسي هو جوهر. لونه، مادته، ارتفاعه هي أعراض. يمكن إعادة طلائه، أو تغيير ارتفاعه، ويظل كرسيًا.

هذا التمييز يبدو بديهيًا، لكنه يثير سؤالاً عميقًا: كيف نعرف الجوهر؟ هل نراه مباشرة؟ أم أننا نرى الأعراض فقط ونستنتج الجوهر؟

عندما أنظر إلى تفاحة، أرى لونها، شكلها، حجمها. لكنني لا أرى «التفاحة» كجوهر منفصل عن هذه الصفات. كل ما أراه هو مجموعة من الصفات مجتمعة معًا. فكيف أعرف أن هناك جوهرًا وراء هذه الصفات؟ هذا السؤال سيقودنا إلى نقود عميقة لمفهوم الجوهر.


أرسطو: الجوهر الأول والجوهر الثاني

أرسطو هو أول من وضع نظرية متكاملة عن الجوهر. في كتابه «المقولات»، يميز بين نوعين من الجوهر.

الجوهر الأول هو الفرد الموجود في الخارج. هذا الإنسان بعينه، هذه التفاحة بالذات، هذا الحصان الفلاني. الجوهر الأول هو الوجود الفردي الملموس.

أما الجوهر الثاني فهو النوع أو الجنس الذي يندرج تحته الجوهر الأول. «الإنسان» كجنس، «الحيوان» كجنس أعم. الجوهر الثاني ليس موجودًا بشكل فردي، لكنه موجود في الأذهان كمفهوم.

لماذا هذا التمييز مهم؟ لأن أرسطو يريد أن يقول إن الوجود الحقيقي الأول هو للفرد، وليس للمفهوم الكلي. أفلاطون كان يرى أن الحقائق الحقيقية هي المثل الكلية مثل «الإنسان» المثالي، وأن الأفراد الفرديين ظلال لتلك المثل. أرسطو قلب الأمر: الجوهر الأول – الفرد – هو الأصل، والجوهر الثاني مشتق منه.

يقول أرسطو: «الجوهر الأول هو الذي يقال عنه سائر الأشياء، ولا يقال هو في موضوع. فمثلاً: هذا الإنسان يقال عنه إنه إنسان وإنه حيوان، لكن لا يقال هذا الإنسان في موضوع.»

لنأخذ «زيدًا» كجوهر أول. نقول عنه: «زيد إنسان» – جوهر ثانٍ، «زيد طويل» – عرض. الإنسان والطويل يقالان عن زيد، أما زيد فلا يقال عن شيء آخر. هذا هو معنى أن الجوهر الأول هو «الموضوع» الذي تحمل فيه الصفات.


ديكارت: الجوهر المفرد والجوهر الممتد

مع رينيه ديكارت (1650-1596)، حدث تحول جذري في مفهوم الجوهر. ديكارت يعرّف الجوهر بأنه «ما لا يحتاج إلى غيره لوجوده».

من خلال تأملاته، يصل ديكارت إلى وجود جوهرين متميزين تمامًا. الأول هو الجوهر المفكر، أي العقل أو النفس، وصفته الأساسية هي التفكير. هذا الجوهر غير ممتد في المكان، ولا يخضع لقوانين المادة. والثاني هو الجوهر الممتد، أي المادة أو الجسد، وصفته الأساسية هي الامتداد – أي أن له طولًا وعرضًا وعمقًا – وهذا الجوهر لا يفكر.

 

هذه هي «الثنائية الديكارتية» الشهيرة. ديكارت يرى أن الإنسان يتكون من جوهرين منفصلين: نفس مفكرة غير مادية، وجسد ممتد مادي. وهما يتفاعلان في الغدة الصنوبرية في الدماغ.

لكن الثنائية الديكارتية واجهت إشكالية كبرى: كيف يمكن لجوهرين مختلفين تمامًا – أحدهما غير ممتد والآخر ممتد – أن يتفاعلا؟ كيف تؤثر النفس غير المادية في الجسد المادي؟ وكيف تؤثر المؤثرات المادية في النفس؟

هذه الإشكالية ظلت تلاحق الثنائية، ودفعت فلاسفة لاحقين إما إلى نبذ الثنائية بالكامل، أو إلى محاولة إعادة صياغتها.

يقول ديكارت في «التأملات»: «أنا جوهر مفكر غير ممتد، وجسدي جوهر ممتد غير مفكر. بينهما فرق حقيقي.


هيوم: نقد الجوهر من جذوره

في القرن الثامن عشر، وجّه الفيلسوف ديفيد هيوم (1711-1776) نقدًا حادًا لمفهوم الجوهر. هيوم ينطلق من مبدأ أساسي: كل أفكارنا مصدرها الانطباعات الحسية. فكرة لا يمكن تتبعها إلى انطباع حسي هي فكرة فارغة لا معنى لها.

الآن، من أين أتت فكرة «الجوهر»؟ ما الانطباع الحسي الذي تستند إليه؟

عندما أنظر إلى تفاحة، لا أرى «جوهرًا» منفصلاً عن لونها وشكلها وحجمها. كل ما أراه هو مجموعة من الانطباعات الحسية مجتمعة معًا. فكرة «الجوهر» هي مجرد اسم نطلقه على هذه المجموعة من الانطباعات. ليس هناك شيء اسمه «جوهر» وراء الانطباعات.

يقول هيوم: «عندما أدخل في نفسي، لا أجد شيئًا سوى انطباعات متعاقبة. لا أجد أبدًا جوهرًا ثابتًا يحمل هذه الانطباعات. الجوهر مجرد اسم مجرد لا يشير إلى أي شيء قابل للإدراك.»

نتيجة هذا النقد: مفهوم الجوهر ليس مفهومًا عن شيء حقيقي، بل هو عادة ذهنية تجعلنا نتوقع أن مجموعة من الصفات تبقى متماسكة معًا.


كانط: الجوهر كفئة من فئات الفهم

تأثر إيمانويل كانط بنقد هيوم، لكنه لم يذهب إلى الحد الذي ذهب إليه هيوم. كانط يرى أن الجوهر ليس شيئًا موجودًا في العالم الخارجي يمكن إدراكه بالحواس، لكنه أيضًا ليس مجرد وهم أو عادة ذهنية.

بالنسبة لكانط، «الجوهر» هو فئة من فئات الفهم. أي أنه مبدأ من مبادئ العقل التي ننظم بها خبراتنا. نحن لا نرى الجوهر في العالم، لكننا نضطر إلى التفكير بواسطته لكي تكون لنا خبرة متماسكة.

عندما أرى تفاحة تتغير ألوانها، أفترض أن هناك شيئًا ثابتًا هو «التفاحة» يحمل هذه التغيرات. هذا الافتراض ليس مستنتجًا من التجربة، بل هو شرط لإمكان التجربة ذاتها. بدون افتراض الجوهر، لن يكون للتغير أي معنى، لأن التغير يعني أن شيئًا يبقى ثابتًا والصفات تتغير.

كانط يميز بين «الظاهرة» – ما يظهر لنا – و«الشيء في ذاته» – ما هو عليه الشيء بغض النظر عن إدراكنا. الجوهر، بالنسبة لكانط، هو فكرة نستخدمها لتنظيم الظواهر، لكننا لا نعرف إن كان هناك جوهر في «الشيء في ذاته».


ما بعد نقد الجوهر

بعد نقد هيوم وكانط، لم يعد بالإمكان العودة إلى مفهوم الجوهر الكلاسيكي بالطريقة الساذجة. لكن هذا لا يعني أن الفلسفة تخلت عن مفهوم الجوهر تمامًا.

الوجودية تخلت عن البحث عن جوهر ثابت للإنسان، وكرست نفسها لدراسة الوجود الإنساني كوجود حر يصنع ذاته. سارتر يقول: «الوجود يسبق الماهية»، أي ليس للإنسان جوهر ثابت.

البراغماتية نظرت إلى مفهوم الجوهر كأداة عملية. ويليام جيمس (1842-1910) يقول: إن معنى أي مفهوم هو آثاره العملية. فكرة الجوهر مفيدة بقدر ما تساعدنا في تنظيم خبراتنا.

أما الفلسفة التحليلية فانقسمت. بعض التيارات كالوضعية المنطقية رفضت مفهوم الجوهر كفكرة ميتافيزيقية بلا معنى. وتيارات أخرى حاولت إعادة بناء مفهوم الجوهر بلغة أكثر دقة، بعيدًا عن الميتافيزيقا الكلاسيكية.

 

في الفلسفة المعاصرة، عاد النقاش حول الجوهر بقوة، خاصة في فلسفة اللغة وفلسفة الذهن. لكنه عاد بصيغة مختلفة: ليس كبحث عن جوهر ساكن مخفي خلف الأعراض، بل كبحث عن شروط هوية الأشياء واستمراريتها.


الجوهر في حياتنا اليومية

قد تعتقد أن هذا النقاش الفلسفي حول الجوهر بعيد عن حياتك اليومية. لكنه في الحقيقة حاضر بقوة.

عندما تسأل: «هل هذا هو نفس الشخص الذي عرفته قبل عشرين عامًا؟» فأنت تسأل عن الجوهر. هل تغيرت صفاته الجسدية والنفسية لدرجة أنه لم يعد هو هو؟

عندما تتساءل عن هويتك الشخصية: «هل أنا نفس الشخص الذي كنت عليه في طفولتي؟» فأنت تسأل عن جوهرك الثابت.

عندما تناقش قضايا أخلاقية مثل: «هل الجنين إنسان؟» أو «هل المريض في غيبوبة تامة إنسان؟» فأنت تسأل عن ماهية الإنسان وجوهره.

هذه الأسئلة ليست أكاديمية، بل هي أسئلة عملية تمس حياتنا اليومية. الإجابة عنها تعتمد – ولو ضمنيًا – على فهم معين لمفهوم الجوهر.


قبل أن نمضي

الجوهر هو ما يقوم بذاته، والعرض هو ما لا يقوم إلا بجوهر. الجوهر هو الركيزة الثابتة خلف الأعراض المتغيرة.

ميّز أرسطو بين الجوهر الأول – الفرد الموجود – والجوهر الثاني – النوع والجنس – وجعل الجوهر الأول هو الوجود الحقيقي.

حوّل ديكارت مفهوم الجوهر إلى «ما لا يحتاج إلى غيره لوجوده»، وأسس ثنائية الجوهر المفكر والجوهر الممتد.

نقد هيوم الجوهر بأنه لا مصدر له في الانطباعات الحسية، واعتبره مجرد اسم مجرد.

اعتبر كانط الجوهر فئة من فئات الفهم، أي مبدأ ننظم به خبراتنا، وليس شيئًا ندركه في العالم.

بعد هذا النقد، تعاملت الفلسفة المعاصرة مع الجوهر بطرق متنوعة، من الرفض الكامل إلى إعادة البناء.

هذا النقاش ليس نظريًا فقط، بل يمتد إلى قضايا الهوية الشخصية، والمسؤولية الأخلاقية، وفهم طبيعة الإنسان.

في المقال القادم، سنتناول مفهومًا آخر أساسيًا هو «العلة والسببية». سنتساءل: ما معنى أن نقول إن شيئًا ما سبب لشيء آخر؟ هل العلاقة بين السبب والنتيجة ضرورية أم مجرد عادة ذهنية؟ وكيف أمكن إنقاذ السببية بعد نقد هيوم؟

 

 


  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي