لنتأمل التفاحة التي أمامك. لونها أحمر، طعمها حلو، شكلها دائري، قشرها ناعم. لكن تخيل أن هذه التفاحة تغير لونها إلى الأخضر، وتغير طعمها إلى الحامض، وتغير شكلها إلى البيضاوي، وتغير قشرها إلى الخشن. هل ستظل «تفاحة»؟
هذا السؤال يقودنا إلى مفهوم
«الماهية». الماهية هي ما يجعل الشيء هو هو، أي المجموعة من الخصائص التي إذا
فقدها الشيء توقف عن كونه ذلك الشيء. التفاحة قد تتغير أعراضها – لونها، طعمها،
حجمها – لكنها تبقى تفاحة ما دامت تحتفظ بماهيتها.
لكن ما هذه الماهية بالضبط؟ وهل
لكل شيء ماهية ثابتة؟ وهل الوجود يسبق الماهية أم الماهية تسبق الوجود؟ هذه
الأسئلة هي محور رحلتنا اليوم.
ما معنى الماهية؟
لنفرق أولاً بين سؤالين: السؤال
الأول: «هل هذا الشيء موجود؟» هذا سؤال عن الوجود. والسؤال الثاني: «ما هو هذا
الشيء؟» هذا سؤال عن الماهية.
عندما ترى شيئًا في الأفق، قد
تسأل: «هل هذا طائر أم طائرة؟» أنت هنا تسأل عن ماهية هذا الشيء، عن حقيقته، عن ما
هو عليه.
التعريف التقليدي للماهية في
الفلسفة هو: «ما به يكون الشيء ما هو». أو بعبارة أخرى: «مجموعة الخصائص الجوهرية
التي إذا فقدها الشيء توقف عن كونه ذلك الشيء».
لنأخذ مثالاً: ماهية الإنسان في
الفلسفة الكلاسيكية هي «حيوان ناطق». هذا التعريف يتكون من الجنس القريب، وهو
«حيوان» (ما يشاركه فيه الإنسان مع غيره من الكائنات)، والفصل المميز، وهو «ناطق»
(ما يميز الإنسان عن غيره من الحيوانات). فإذا وجدنا كائنًا ليس حيوانًا، أو ليس
ناطقًا، فلا يمكن أن نقول عنه إنه إنسان.
حاول أن تعرف ماهية الكرسي. هل هو
«ما يُجلس عليه»؟ لكن الأرض يمكن أن تُجلس عليها، وهي ليست كرسيًا. هل هو «ما له
أربع أرجل وظهر»؟ لكن بعض الكراسي ليس لها أربع أرجل، وبعضها ليس له ظهر. تعريف الماهية
ليس دائمًا سهلاً كما يبدو.
الوجود والماهية:
تمييز أساسي
قد يبدو أن الوجود والماهية
مفهومان متلازمان، لكن الفلسفة تميز بينهما تمييزًا حادًا.
الوجود يجيب عن سؤال «هل الشيء
موجود؟» الماهية تجيب عن سؤال «ما هو الشيء؟». يمكن لشيء أن تكون له ماهية معينة
دون أن يكون موجودًا. فالحصان المجنح له ماهية – هو حصان له أجنحة – لكنه غير
موجود في الواقع. ويمكن لشيء أن يكون موجودًا دون أن نعرف ماهيته بالكامل. فالعديد
من الظواهر الطبيعية كانت معروفة الوجود قبل أن يعرف العلماء ماهيتها.
هذا التمييز بين الوجود والماهية
هو أحد إرث الفلسفة الإسلامية التي طورته بشكل دقيق، ثم انتقل إلى الفلسفة
اللاتينية في العصور الوسطى.
ابن سينا: الماهية
بين الإمكان والوجوب
يعتبر الفيلسوف ابن سينا (980-1037)
من أكثر من أنجزوا نظرية دقيقة في التمييز بين الوجود والماهية. يقول ابن سينا: إن
الممكن الوجود بذاته – أي كل مخلوق – يتكون من ماهية تقبل الوجود والعدم، ووجود
يتحقق به في الخارج.
الماهية في ذاتها – بحسب ابن سينا
– ليست موجودة ولا معدومة. هي «لا هي موجودة ولا هي معدومة»، بل هي قابلة للوجود
والعدم. مثال ذلك: ماهية «الإنسان» في ذاتها ليست موجودة في الخارج، لكنها قابلة
لأن توجد. وعندما توجد، ينضم إليها الوجود.
أما واجب الوجود – الله – فماهيته
هي وجوده. لا يمكن أن نقول إن لله ماهية غير وجوده، لأنه لو كان كذلك لكان ممكنًا
محتاجًا إلى علة. هذا التمييز بين الممكن (الذي له ماهية غير وجوده) والواجب (الذي
ماهيته وجوده) هو جوهر نظرية ابن سينا.
يقول ابن سينا في كتابه «الشفاء»:
«الممكن لذاته هو الذي لا يكون وجوده أولى من عدمه. وكل ممكن لذاته فله ماهية غير
وجوده، لأنه لو لم تكن له ماهية غير وجوده لكان وجوده ضروريًا بذاته.»
المعضلة الكبرى:
أيهما أسبق؟
هذا السؤال هو أحد أعظم الأسئلة
في تاريخ الفلسفة. هل للأشياء ماهيات ثابتة تسبق وجودها؟ أم أن الوجود هو الذي
يسبق الماهية؟
أسبقية الماهية: الموقف الكلاسيكي
يرى هذا الموقف أن للأشياء ماهيات
ثابتة موجودة في العلم الإلهي أو في عالم المثل، وأن الوجود يأتي لاحقًا. هذا هو
موقف أفلاطون الذي قال بوجود عالم المثل، وموقف أرسطو الذي قال إن الماهية سابقة
على الوجود في الترتيب العقلي، وموقف المدرسية في العصور الوسطى.
وفق هذا الموقف، الإنسان له ماهية
ثابتة «حيوان ناطق» موجودة قبل وجود أي إنسان فردي. الأفراد يأتون ويذهبون، لكن
الماهية باقية.
أسبقية الوجود: الموقف الوجودي
هذا الموقف هو أحد أسس الفلسفة
الوجودية. يقول الفيلسوف جان بول سارتر بعبارته الشهيرة: «الوجود يسبق الماهية».
ماذا يعني ذلك؟ يعني سارتر أن
الإنسان – على خلاف الأشياء – لا يصمم وفق ماهية محددة مسبقًا. الكرسي يصممه صانع
في ذهنه أولاً – ماهيته – ثم يصنعه – وجوده. أما الإنسان، فلا يوجد إله أو طبيعة
بشرية محددة تحدد ماهيته مسبقًا. الإنسان يوجد أولاً: يولد، يوجد في العالم، ثم
يصنع ماهيته بأفعاله واختياراته.
يقول سارتر في كتابه «الوجودية
مذهب إنساني»: «الإنسان هو ما يفعل به نفسه. هذا هو المبدأ الأول للوجودية. إن
الإنسان ليس شيئًا آخر سوى مجموع أفعاله، وليس سوى حياته.»
هذا الموقف له تبعات أخلاقية
عميقة. فإذا كان الإنسان يصنع ماهيته بنفسه، فهو مسؤول مسؤولية كاملة عن كل ما
يفعله. ليس هناك طبيعة بشرية ثابتة يحتج بها، ولا قدر محتوم يلقي عليه اللوم.
الماهية في عالمنا
المعاصر
ربما تعتقد أن هذا النقاش الفلسفي
بعيد عن حياتك اليومية. لكن الحقيقة أن السؤال عن الماهية يعود بقوة في نقاشات
معاصرة.
هل للشعوب ماهيات ثابتة؟ هل
للثقافات ماهيات ثابتة؟ هل للجنسين ماهيات ثابتة؟ هذه الأسئلة تثير نقاشات حادة.
فمن جهة، هناك من يرى أن لكل هوية ماهية ثابتة يجب الحفاظ عليها. ومن جهة أخرى،
هناك من يرى أن الهويات تتشكل وتتغير باستمرار، وأن القول بماهيات ثابتة هو شكل من
أشكال التصلب الفكري.
في الفلسفة النسوية مثلًا، هناك
نقاش حول ما إذا كانت هناك «ماهية أنثوية» ثابتة أم أن مفهوم «الأنوثة» هو بناء
اجتماعي متغير. نفس النقاش موجود في فلسفة العرق، وفلسفة الثقافة، وفلسفة الدين.
هذا يدل على أن السؤال عن الماهية
– الذي بدا في البداية سؤالاً ميتافيزيقيًا جافًا – هو في الحقيقة سؤال يمتد إلى
صميم حياتنا العملية والاجتماعية. إنه سؤال عن الهوية، عن الثبات والتغير، عن
الحرية والانتماء.
قبل أن نمضي
الماهية هي ما يجعل الشيء هو هو،
وهي الإجابة عن سؤال «ما هو؟». نميز بين الوجود – الذي يجيب عن سؤال «هل الشيء
موجود؟» – والماهية، ويمكن لشيء أن تكون له ماهية دون وجود، ويمكن أن يوجد دون أن
نعرف ماهيته.
في الفلسفة الإسلامية، طوّر ابن
سينا نظرية دقيقة في التمييز بين الوجود والماهية، وجعلها أساسًا للبرهان على وجود
واجب الوجود.
أما المعضلة الكبرى فهي: هل
الماهية تسبق الوجود أم الوجود يسبق الماهية؟ الموقف الكلاسيكي يرى أسبقية
الماهية، والوجودية تقدم أسبقية الوجود.
هذا النقاش ليس نظريًا فقط، بل له
تطبيقات في فهم الهوية الشخصية والجماعية، وفي مفهوم الحرية والمسؤولية.

تعليقات: (0) إضافة تعليق