الإمكان والوجوب: لماذا يوجد «شيء» بدلاً من «لا شيء»؟

 


لنتأمل جملة: «غدًا قد يمطر أو لا يمطر». هذه الجملة تعبر عن «الممكن». المطر غدًا ليس ضروريًا، لكنه أيضًا ليس مستحيلاً. إنه ممكن.

لنتأمل جملة أخرى: «2+2=4». هذه الجملة تعبر عن «الواجب». لا يمكن أن تكون 2+2 تساوي 5. هذه حقيقة ضرورية.

لنتأمل جملة ثالثة: «النقيضان يجتمعان». هذه الجملة تعبر عن «الممتنع». لا يمكن أن يكون الشيء موجودًا ومعدومًا في نفس الوقت وفي نفس العلاقة.

هذه المفاهيم الثلاثة – الواجب، الممكن، الممتنع – هي من أقدم المفاهيم في الفلسفة. لكنها وصلت إلى ذروة تطورها في الفلسفة الإسلامية عند ابن سينا، وفي الفلسفة الحديثة عند لايبنتز. في هذا المقال، سنتعرف على هذه المفاهيم وكيف استخدمها الفلاسفة في البرهنة على وجود الله، وفي فهم طبيعة الإمكان والضرورة.


مفاهيم الإمكان والوجوب والامتناع

لنبدأ بتعريف دقيق لهذه المفاهيم.

1. الواجب الوجود هو ما لا يمكن ألا يكون. أي أن عدمه مستحيل. «2+2=4»، «المربع له أربع أضلاع». هذه حقائق لا يمكن أن تكون على غير ما هي عليه.

2. الممكن الوجود هو ما يمكن أن يكون وما يمكن ألا يكون. وجوده ليس أولى من عدمه، وعدمه ليس أولى من وجوده. هطول المطر غدًا، فوز فريق معين بالمباراة. هذه أمور يمكن أن تحدث وقد لا تحدث.

3. الممتنع الوجود هو ما لا يمكن أن يكون. أي أن وجوده مستحيل. جمع النقيضين، دائرة مربعة. هذه أمور لا يمكن أن توجد في الواقع.

هذه المفاهيم ليست ألعاب ذهنية. إنها تشكل الأساس لفهم طبيعة الوجود ذاته. فكل موجود في العالم – بحسب الفلاسفة – إما أن يكون واجبًا أو ممكنًا. والواجب لا يمكن أن يكون إلا واحدًا، بينما الممكنات لا حصر لها.


ابن سينا: الممكن والواجب

يعتبر الفيلسوف ابن سينا من أعظم من أنجزوا نظرية في الإمكان والوجوب. يبدأ ابن سينا من تقسيم الوجود إلى ثلاثة أقسام.

1. واجب الوجود بذاته هو الذي إذا فرضنا عدمه وقع التناقض. وجوده ضروري، وعدمه مستحيل.

2. ممكن الوجود بذاته هو الذي يكون وجوده وعدمه متساويين بالنظر إلى ذاته. هو يحتاج إلى علة خارجية ترجح وجوده على عدمه.

3. ممتنع الوجود بذاته هو الذي إذا فرضنا وجوده وقع التناقض. وجوده مستحيل.


النقطة المركزية في نظرية ابن سينا هي أن الممكن الوجود بذاته لا يمكن أن يوجد دون علة. لأنه لو كان موجودًا دون علة، لكان وجوده أولى من عدمه، فيصير واجبًا. لكنه ليس واجبًا. إذًا لا بد له من علة.

هذه العلة – إذا كانت ممكنة – تحتاج إلى علة أخرى. ولا يمكن أن يتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية. إذًا لا بد من الوصول إلى علة ليست ممكنة، بل واجبة الوجود بذاتها. هذه العلة الواجبة هي الله.

يقول ابن سينا في كتابه «الشفاء»: «الممكن لذاته هو الذي لا يكون وجوده أولى من عدمه. وكل ممكن لذاته فله ماهية غير وجوده، لأنه لو لم تكن له ماهية غير وجوده لكان وجوده ضروريًا بذاته.»

هذا البرهان – الذي أطلق عليه ابن سينا اسم «البرهان الصديقي» – يعتبر من أقوى البراهين على وجود الله في تاريخ الفلسفة الإسلامية.


برهان الإمكان والوجوب خطوة بخطوة

لنفهم برهان ابن سينا بشكل أوضح.

1. كل موجود في العالم إما أن يكون واجب الوجود بذاته، أو ممكن الوجود بذاته.

2. الممكن الوجود بذاته لا يوجد بنفسه. لأنه لو وجد بنفسه لكان واجبًا. إذًا لا بد له من علة توجده.

3. هذه العلة إما أن تكون واجبة أو ممكنة. إذا كانت ممكنة، فهي تحتاج إلى علة أخرى.


لا يمكن أن يتسلسل هذا التسلسل إلى ما لا نهاية. لأن التسلسل غير المتناهي في الأسباب يؤدي إلى عدم وجود أي شيء أصلاً.

إذًا لا بد أن نصل إلى علة ليست ممكنة، بل واجبة الوجود بذاتها.


النتيجة: إذًا واجب الوجود موجود.

هذا البرهان لا يعتمد على ملاحظة العالم الخارجي، بل على تحليل عقلي لمفهوم الإمكان والوجوب. لذلك سماه ابن سينا «برهان الصديقين» لأنه يثبت وجود الله من خلال التأمل العقلي وحده، دون الحاجة إلى الاستدلال بالمخلوقات.


لايبنتز: العوالم الممكنة

بعد ابن سينا بستة قرون، جاء الفيلسوف الألماني جوتفريد فيلهلم لايبنتز (1646-1716) ليقدم نظرية جديدة في الإمكان والوجوب: نظرية «العوالم الممكنة».

يتصور لايبنتز أن الله – قبل خلق العالم – كان يتأمل عددًا لا نهائيًا من العوالم الممكنة. كل عالم من هذه العوالم هو صورة محتملة للواقع، تتوافق مع قوانين المنطق. بعض هذه العوالم قد يكون فيها مطر اليوم، وبعضها قد لا يكون. بعضها قد يكون فيه بشر، وبعضها قد لا يكون.

من بين هذه العوالم الممكنة كلها، اختار الله أن يخلق عالمًا واحدًا. والسؤال: لماذا اختار هذا العالم بالذات؟

يجيب لايبنتز: لأن الله كامل، والكامل لا يفعل شيئًا دون سبب. والسبب الذي جعله يختار هذا العالم هو أنه «أفضل العوالم الممكنة». أي أنه العالم الذي يحتوي على أكبر قدر من الكمال وأقل قدر من الشر، بالنظر إلى القيود المنطقية التي لا يمكن لله أن يتجاوزها.

أثارت هذه النظرية جدلاً واسعًا. فمن جهة، حاولت حل مشكلة الشر: الشر موجود في العالم، لكن الله اختار هذا العالم لأنه أقل شرًا من غيره. ومن جهة أخرى، تعرضت لنقد عنيف، أشهره نقد فولتير في روايته «كانديد» التي سخرت من فكرة أن هذا العالم هو أفضل العوالم الممكنة.

يقول لايبنتز في كتابه «ثيوديسيا»: «عالمنا هو أفضل العوالم الممكنة. ليس لأن الله لم يستطع خلق عالم أفضل، بل لأنه – بحكم كماله – لا يمكنه إلا أن يختار الأفضل.»


نقد نظرية العوالم الممكنة

واجهت نظرية لايبنتز عدة اعتراضات.

1. كيف يمكن لله أن يقارن بين عدد لا نهائي من العوالم ويختار أفضلها؟ هذا يفترض أن هناك معيارًا موضوعيًا للتفضيل، وهذا المعيار نفسه يحتاج إلى تبرير.

2. هل يمكن حقًا أن يكون هذا العالم – بكل ما فيه من شر وظلم – هو أفضل العالم الممكنة؟ فولتير سخر من هذه الفكرة من خلال روايته «كانديد»، حيث يمر بطل الرواية بمعاناة لا توصف، ويظل مكررًا مقولة معلمه: «كل شيء على ما يرام في أفضل العوالم الممكنة».

3. تفترض نظرية العوالم الممكنة وجود هذه العوالم قبل الخلق. لكن ما معنى «وجود» عالم لم يُخلق بعد؟ هل هي موجودة في عقل الله؟ أم هي موجودة بشكل مستقل عنه؟

هذه الاعتراضات دفعت فلاسفة لاحقين إلى إعادة النظر في نظرية العوالم الممكنة. بعضهم رفضها تمامًا، وبعضهم أعاد صياغتها بلغة أكثر دقة.


تطورات معاصرة: المنطق الموضعي

في الفلسفة المعاصرة، عادت نظرية العوالم الممكنة بقوة، لكن بصيغة جديدة. هذه المرة، ليس كأداة لحل مشكلة الشر، بل كأداة لفهم طبيعة الضرورة والإمكان في المنطق واللغة.

طور الفلاسفة في القرن العشرين فرعًا من المنطق يسمى «المنطق الموضعي». هذا المنطق يتعامل مع مفاهيم مثل «من الضروري أن» و «من الممكن أن». لفهم هذه المفاهيم، استخدم الفلاسفة فكرة العوالم الممكنة كأداة تحليلية.

يقول الفيلسوف سول/شاول كريبك (1940-2022): العوالم الممكنة ليست عوالم حقيقية موجودة في مكان آخر، بل هي مجرد أداة لتحليل مفاهيم الضرورة والإمكان. عندما نقول «من الممكن أن يكون المطر غدًا»، فهذا يعني أن هناك عالمًا ممكنًا – أي وصفًا محتملاً للواقع – يتحقق فيه المطر.

أما الفيلسوف ديفيد لويس (1941-2001) فذهب إلى أبعد من ذلك. قال لويس إن العوالم الممكنة موجودة فعلًا، بنفس معنى وجود عالمنا الحقيقي. نحن نعيش في عالم واحد من بين عدد لا نهائي من العوالم الممكنة، وكل هذه العوالم موجودة بشكل حقيقي.

هذا الموقف – الذي يسمى «واقعية العوالم الممكنة» – أثار جدلاً واسعًا. معظم الفلاسفة اليوم لا يقبلون وجود العوالم الممكنة ككيانات حقيقية، لكنهم يستخدمونها كأداة تحليلية مفيدة.


الإمكان والوجوب في حياتنا اليومية

مفاهيم الإمكان والوجوب ليست مجرد مفاهيم فلسفية جافة. إنها تدخل في تفكيرنا اليومي بشكل مستمر.

عندما نقول «من الممكن أن أنجح في الامتحان»، فإننا نعبر عن إمكان. عندما نقول «من الضروري أن أذاكر لأنجح»، فإننا نعبر عن ضرورة مشروطة.

عندما نتخذ قرارات، نفترض أن هناك بدائل ممكنة. لو لم تكن هناك بدائل، لما كان للاختيار معنى. هذا هو الصلة بين مفهوم الإمكان ومفهوم الحرية.

عندما نفكر في الماضي، نتساءل: هل كان يمكن أن يحدث خلاف ما حدث؟ هذا السؤال عن الإمكان في الماضي هو سؤال عما إذا كان التاريخ محتومًا أم مفتوحًا على بدائل.

هذه الأسئلة الفلسفية لها آثار عملية عميقة على فهمنا للمسؤولية الأخلاقية، والحرية الشخصية، ومعنى الحياة.


قبل أن نمضي

الإمكان والوجوب من أقدم المفاهيم الفلسفية وأكثرها أهمية. نميز بين ثلاثة مفاهيم: الواجب – ما لا يمكن ألا يكون، الممكن – ما يمكن أن يكون وما يمكن ألا يكون، والممتنع – ما لا يمكن أن يكون.

طور ابن سينا نظرية عميقة في الإمكان والوجوب، وبنى عليها برهانه الشهير على وجود الله: الممكنات تحتاج إلى علة، ولا تسلسل، إذًا لا بد من واجب الوجود.

طور لايبنتز نظرية العوالم الممكنة: الله يتأمل عددًا لا نهائيًا من العوالم الممكنة ويختار أفضلها. هذه النظرية حاولت حل مشكلة الشر لكنها واجهت نقودًا قوية.

في الفلسفة المعاصرة، عادت نظرية العوالم الممكنة في إطار المنطق الموضعي، كأداة لفهم مفاهيم الضرورة والإمكان. بعض الفلاسفة يعتبرونها مجرد أداة تحليلية، وبعضهم يعتبرها كيانات حقيقية.

هذه المفاهيم ليست نظرية فقط، بل تدخل في تفكيرنا اليومي حول الحرية، والمسؤولية، ومعنى الحياة.

في المقال القادم، سنتناول مفهومًا آخر أساسيًا هو «الزمن». سنتساءل: ما الزمن؟ هل هو حقيقي أم وهم؟ ما الفرق بين نظريتي الزمن A و B؟ وكيف غيرت الفيزياء الحديثة فهمنا للزمن؟

 

 

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي