العلة والسببية: لماذا نبحث عن الأسباب؟

 


 عندما نسمع صوتًا عاليًا، نسأل: «ما هذا الصوت؟» وعندما نرى دخانًا، نسأل: «من أين هذا الدخان؟» وعندما يمرض شخص، نسأل: «ما سبب هذا المرض؟»

البحث عن الأسباب هو جزء أساسي من تفكيرنا اليومي. نحن لا نكتفي بملاحظة الأحداث، بل نريد أن نفهم لماذا حدثت. هذه الرغبة في فهم الأسباب هي ما جعل العلم ممكنًا، وهي ما يدفعنا إلى بناء نظريات تفسر العالم.

لكن عندما نتعمق في مفهوم «السبب»، نجد أنه ليس بهذه البساطة. ما معنى أن نقول إن «أ» سبب في «ب»؟ هل العلاقة بين السبب والنتيجة ضرورية أم أنها مجرد تعاقد منتظم؟ هل يمكننا أن نرى السببية بأعيننا أم أننا نستنتجها؟ هذه الأسئلة شغلت الفلاسفة منذ أرسطو حتى يومنا هذا.


 معنى السببية: العلاقة الضرورية

عندما نقول إن «سقوط المطر سبب في ابتلال الأرض»، فإننا لا نعني فقط أن المطر سقط ثم ابتلت الأرض. بل نعني أن هناك علاقة ضرورية بينهما: المطر هو الذي أوجد الابتلال. لو لم يسقط المطر، لما ابتلت الأرض.

هذه الفكرة – أن السبب يوجب النتيجة – هي جوهر مفهوم السببية. السببية ليست مجرد تعاقب زمني، بل هي علاقة إنتاج وإيجاد.

لكن الفيلسوف ديفيد هيوم سيشكك في هذا كله. وسيسأل: هل نرى حقًا هذه «الضرورة» بأعيننا؟ أم أننا نرى تعاقبًا منتظمًا ثم نضيف فكرة الضرورة بأذهاننا؟


 أرسطو: الأسباب الأربعة

قبل أن نصل إلى هيوم، علينا أن نتوقف عند أرسطو الذي وضع نظرية متكاملة عن الأسباب. يرى أرسطو أن معرفة الشيء معرفة تامة تستدعي معرفة أسبابه الأربعة.

1. السبب المادي هو المادة التي يتكون منها الشيء. البرونز الذي صنع منه التمثال هو سبب مادي.

2. السبب الصوري هو الشكل أو الماهية التي تجعل الشيء ما هو. شكل التمثال وتصميمه هو سبب صوري.

3. السبب الفاعلي هو الفاعل الذي صنع الشيء. النحات الذي نحت التمثال هو سبب فاعلي.

4. السبب الغائي هو الغاية أو الهدف الذي من أجله صنع الشيء. التجميل أو تخليد شخصية معينة هو سبب غائي.


هذه الأسباب الأربعة – بحسب أرسطو – ضرورية لفهم أي شيء. فالتمثال لا يُفهم إلا إذا عرفنا مادته، وشكله، وصانعه، وغايته.

لنأخذ الكرسي. سببه المادي هو الخشب أو المعدن الذي صنع منه. سببه الصوري هو التصميم الذي يجعله كرسيًا: أربع أرجل، ظهر، مقعد. سببه الفاعلي هو النجار أو المصنع الذي صنعه. وسببه الغائي هو الجلوس عليه.

هذه النظرية كانت ثورية في زمنها، وظلت مؤثرة لقرون. لكنها تعرضت لنقود لاحقًا، خاصة مع تطور العلم الحديث الذي اهتم بالسبب الفاعلي وأهمل الأسباب الأخرى.

هل يمكننا فهم ظاهرة طبيعية مثل الزلزال بالأسباب الأربعة؟ ربما نجد أن العلم الحديث لا يتحدث عن «غاية» للزلزال، بينما أرسطو كان يرى أن لكل شيء غاية.


 هيوم: السببية كعادة ذهنية

ديفيد هيوم هو أكثر فلاسفة العصر الحديث تشكيكًا في مفهوم السببية. ينطلق هيوم من مبدأ أساسي: كل أفكارنا مصدرها الانطباعات الحسية. فكرة لا يمكن تتبعها إلى انطباع حسي هي فكرة فارغة لا معنى لها.

الآن، ما الانطباع الحسي الذي منه نستمد فكرة «السببية»؟

عندما نرى كرة البلياردو تصطدم بأخرى فتحركها، ماذا نرى بالضبط؟ نرى كرة تتحرك، ثم تلامس الأخرى، ثم تتحرك الأخرى. لكننا لا نرى «الضرورة» التي تربط بين الحركتين. لا نرى أن الكرة الأولى «أوجبت» حركة الثانية. كل ما نراه هو تعاقب منتظم: كلما حدثت حركة من النوع الأول، تبعتها حركة من النوع الثاني.

من أين إذن تأتي فكرة «الضرورة»؟ يقول هيوم: إنها تأتي من العادة. عندما نرى تعاقبًا منتظمًا مرات كثيرة، يعتاد ذهننا على توقع النتيجة عند رؤية السبب. هذا التوقع النفسي هو كل ما يعنيه «السبب». السببية ليست علاقة ضرورية في العالم، بل هي عادة ذهنية.


يقول هيوم في كتابه «بحث في الفهم البشري»: «السببية ليست سوى ارتباط ذهني ناتج عن العادة. فعندما نرى حدثين يتعاقبان باستمرار، يصبح الذهن معتادًا على الانتقال من أحدهما إلى الآخر، وهذا الانتقال هو جوهر الضرورة التي ننسبها إلى العلاقة السببية.»

نتائج هذا النقد مدمرة. العلم الذي يقوم على السببية يفقد أساسه الميتافيزيقي. لا يمكننا الجزم بأن الشمس ستشرق غدًا، لأن ذلك يعتمد على عادة لا على ضرورة. كل توقعاتنا للمستقبل تقوم على عادة ذهنية، لا على معرفة حقيقية.

هيوم لم يكن يريد أن يلغي العلم، بل كان يريد أن يقول إن العلم لا يقوم على يقين عقلي، بل على عادة نفسية. نحن نؤمن بالسببية لأننا لا نستطيع أن نفعل غير ذلك، وليس لأن لدينا دليلاً عقليًا عليها.


كانط: إنقاذ السببية

قرأ إيمانويل كانط هيوم وتأثر به تأثرًا عميقًا. يقول كانط إن هيوم أيقظه من «سُباته الدوغمائي». لكن كانط لم يقبل بنتيجة هيوم. حاول أن ينقذ السببية بطريقة مختلفة.

يميز كانط بين الأحكام التحليلية والأحكام التركيبية والأحكام التركيبية القبلية. الأحكام التحليلية هي التي يكون فيها الخبر مستخلصًا من الموضوع، مثل: «المثلث له ثلاث زوايا». الأحكام التركيبية هي التي يضيف فيها الخبر شيئًا جديدًا، مثل: «هذا المثلث أحمر». معظم الأحكام العلمية هي أحكام تركيبية.

لكن الأحكام التركيبية تحتاج إلى تبرير. كيف نعرف أن الشمس ستشرق غدًا؟ هيوم يقول: لا تبرير، إنها مجرد عادة. كانط يقول: هناك تبرير، لكنه ليس من التجربة، بل من العقل نفسه.

يقول كانط: مبدأ السببية هو «حكم تركيبي قبلي». أي أنه حكم يضيف معرفة جديدة، لكنه لا يستمد صحته من التجربة، بل هو شرط لإمكان التجربة ذاتها. نحن لا نستنتج السببية من التجربة، بل نأتي بها إلى التجربة. بدون مبدأ السببية، لن يكون للعالم أي نظام، ولن نتمكن من تكوين أي خبرة متماسكة.

يميز كانط بين «الظاهرة» – العالم كما يظهر لنا – و«الشيء في ذاته» – العالم كما هو بغض النظر عن إدراكنا. السببية، عند كانط، تنطبق على عالم الظواهر، لأنها صورة من صور تنظيمنا للخبرة. أما العالم في ذاته، فلا نعرف إن كانت السببية تنطبق عليه أم لا.

بهذه الطريقة، أنقذ كانط السببية من نقد هيوم، لكنه دفع ثمنًا باهظًا: السببية لم تعد صفة للعالم في ذاته، بل صفة لطريقة تنظيمنا للعالم.


 تطورات معاصرة في نظرية السببية

بعد هيوم وكانط، لم تتوقف الفلسفة عن التفكير في السببية. ظهرت نظريات متعددة تحاول تقديم تفسير أفضل.

1. النظرية المنتظمة هي امتداد لنقد هيوم. ترى أن السببية ليست أكثر من تعاقد منتظم. هذا الموقف يجد سندًا في الفلسفة التجريبية المعاصرة.

2. النظرية السببية الحقيقية ترى أن هناك علاقة حقيقية في العالم بين السبب والنتيجة، وأن العلم الحديث – خاصة الفيزياء – يكتشف هذه العلاقات. هذا الموقف يرفض نقد هيوم ويعتبره مبالغًا فيه.

3. النظرية الميكانيكية ترى أن التفسير السببي الحقيقي هو الذي يكشف عن الآليات الداخلية التي تربط السبب بالنتيجة. هذه النظرية شائعة في فلسفة البيولوجيا وفلسفة الطب.

4. أثارت فيزياء الكم أسئلة جديدة حول السببية. ففي العالم الكمي، لا تبدو الأحداث خاضعة لنفس النوع من السببية الميكانيكية التي نعرفها في العالم الكبير. بعض الظواهر الكمية تبدو غير سببية بالمعنى الكلاسيكي، مما دفع بعض الفلاسفة إلى إعادة النظر في مفهوم السببية ذاته.


السببية في حياتنا اليومية

قد يبدو نقاش الفلاسفة حول السببية بعيدًا عن حياتنا اليومية. لكنه في الحقيقة حاضر في كل لحظة.

عندما يمرض شخص، نسأل عن السبب. لكن ما معنى أن نقول إن «الفيروس سبب المرض»؟ هل هذا التفسير يكتفي بالارتباط المنتظم – كلما دخل الفيروس مرض الشخص – أم أنه يفترض علاقة ضرورية؟

عندما نتخذ قرارات، نفترض أن أفعالنا لها نتائج. لكن إذا كانت السببية مجرد عادة ذهنية، فهل يمكننا التأكد من أن أفعالنا ستؤدي إلى النتائج التي نتوقعها؟

عندما نحاكم شخصًا، نفترض أن أفعاله – السبب – أدت إلى ضرر – النتيجة. لكن إذا كانت السببية مجرد تعاقد منتظم، فهل يمكننا إسناد المسؤولية؟

هذه الأسئلة الفلسفية ليست أكاديمية. إجاباتنا عنها تؤثر في نظرتنا للعلم والقانون والأخلاق والحياة اليومية.


 قبل أن نمضي

السببية هي العلاقة التي تربط بين سبب ونتيجة، وهي أكثر من مجرد تعاقب زمني. أرسطو وضع نظرية الأسباب الأربعة: المادي، الصوري، الفاعل، الغائي. وكانت هذه النظرية مسيطرة لقرون.

هاجم هيوم مفهوم السببية: لا نرى ضرورة في العالم، بل نرى تعاقدًا منتظمًا. فكرة الضرورة تأتي من العادة الذهنية. السببية إذن ليست حقيقة عقلية، بل عادة نفسية.

حاول كانط إنقاذ السببية: مبدأ السببية هو حكم تركيبي قبلي، أي شرط لإمكان التجربة وليس مستنتجًا منها. نحن لا نستنتج السببية من العالم، بل نأتي بها إلى العالم.

بعد هيوم وكانط، ظهرت نظريات متعددة: النظرية المنتظمة، النظرية السببية الحقيقية، النظرية الميكانيكية. وفيزياء الكم أثارت أسئلة جديدة حول طبيعة السببية.

هذا النقاش ليس نظريًا فقط، إنما يمتد إلى فهم العلم والقانون والأخلاق.

في المقال القادم، سنتناول مفهومًا آخر أساسيًا هو «الإمكان والوجوب». سنتساءل: ما الفرق بين الممكن والواجب؟ كيف استخدم الفلاسفة هذا التمييز في البرهنة على وجود الله؟ وما نظرية العوالم الممكنة التي ظهرت في الفلسفة المعاصرة؟

 

 

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي