عندما تقول: «هذا الكتاب موجود»، ماذا تعني بالضبط؟ هل تعني أنك تستطيع رؤيته؟ لكن ماذا لو أغمضت عينيك؟ هل يتوقف الكتاب عن الوجود؟ هل تعني أنك تستطيع لمسه؟ لكن ماذا لو كان بعيدًا عن متناول يدك؟ هل تعني أن له مكانًا في الزمان والمكان؟ لكن ماذا عن الأفكار والأرقام؟ هل هي «موجودة» بنفس المعنى؟
يبدو أن مفهوم «الوجود» أعمق
وأكثر تعقيدًا مما نظن. هذا المفهوم هو أول مفاهيم الميتافيزيقا وأهمها. فكل ما
سنتحدث عنه لاحقًا – الجوهر، العلة، الزمن، الحرية – يفترض فهمًا ما لماهية الوجود.
الوجود: المفهوم
الأوسع
لطالما اعتبر الفلاسفة أن مفهوم
«الوجود» هو أوسع المفاهيم وأولها. لماذا؟ لأن أي مفهوم آخر – مهما كان – لا يمكن
أن يكون أوسع من الوجود. فكرة «الكرسي» تشمل مجموعة من الكراسي، لكنها لا تشمل
الطاولات. فكرة «الحيوان» تشمل الإنسان والحصان، لكنها لا تشمل الجماد. أما فكرة
«الوجود» فتشمل كل شيء: الكراسي، الطاولات، الحيوانات، الجماد، الأفكار، الأرقام،
وحتى الخيالات.
لهذا السبب، قال الفيلسوف توما
الأكويني (1225-1274) إن «الوجود هو أقدم المفاهيم وأكثرها بداهة». فكلما حاولت
تعريف الوجود بشيء أوسع منه، لن تجد شيئًا. الوجود هو السقف الذي لا يوجد فوقه
شيء.
لكن هذه الأسبقية تجعل تعريف
الوجود صعبًا. فعادةً ما نعرف الأشياء بوضعها في جنس أقرب وفصل مميز. مثلاً:
«الإنسان هو حيوان ناطق». أما الوجود فلا يمكن وضعه في جنس، لأنه ليس نوعًا من شيء
أعم. لهذا قال الفلاسفة إن الوجود «مفهوم بديهي» لا يمكن تعريفه بشكل مباشر، بل
نفهمه بحدسنا المباشر.
حاول أن تشرح لشخص لا يعرف
العربية معنى كلمة «موجود» دون أن تستخدم أي كلمة مرادفة أو تشير إلى شيء موجود.
ستجد أن الأمر شبه مستحيل. هذا يخبرنا أن الوجود ليس مفهومًا كغيره من المفاهيم.
الوجود الذهني
والوجود الخارجي
اعتاد الفلاسفة، منذ أفلاطون
وأرسطو، على التمييز بين نوعين من الوجود:
الأول
هو «الوجود الذهني»، وهو وجود الأفكار والمعاني والتصورات
في العقل. عندما تتخيل «حصانًا مجنحًا»، فهذا الحصان موجود في ذهنك، حتى لو لم يكن
له وجود في العالم الخارجي.
والثاني هو «الوجود الخارجي»، وهو وجود الأشياء في
العالم خارج العقل. هذا الكتاب الذي تقرأه، هذه الغرفة التي تجلس فيها، هذا الجسد
الذي تملكه – كلها موجودة وجودًا خارجيًا.
يبدو هذا التمييز بسيطًا، لكنه
يثير أسئلة عميقة: هل كل ما في الذهن له أصل في الخارج؟ هل يمكن للشيء أن يكون
موجودًا في الذهن وغير موجود في الخارج؟ هل يمكن للشيء أن يكون موجودًا في الخارج
وغير موجود في الذهن؟
لكن السؤال الأصعب يظهر عندما
نتأمل أشياء لا نعرف كيف نصفها: أين توجد الأرقام؟ أين توجد القيم الأخلاقية؟ أين
توجد القوانين المنطقية؟
أين توجد الأرقام؟
مشكلة الوجود المجرد
خذ الرقم «7». أين يوجد؟
هل هو موجود في الذهن فقط؟ إذا
كان الأمر كذلك، فهل كان ««7 موجودًا
قبل أن يفكر فيه البشر؟ لو انقرضت البشرية، هل يتوقف الرقم ««7 عن الوجود؟
إذا كان موجودًا في الخارج فقط،
فأين؟ هل ترى ««7 في
الطبيعة كما ترى الأشجار؟ يمكنك أن ترى سبع تفاحات، لكنك لا ترى «السبعة» نفسها.
السبعة ليست شيئًا ماديًا.
هذه هي «مشكلة الوجود المجرد».
هناك فئة من الأشياء – الأرقام، المجموعات الرياضية، القيم الأخلاقية، القوانين
المنطقية – تبدو موجودة، لكن وجودها لا يشبه وجود الكراسي والطاولات. ولا يشبه
وجود الأفكار في الأذهان.
انقسم الفلاسفة حول هذه المسألة.
هناك من قال إن المجردات موجودة وجودًا حقيقيًا خارج العقل، في عالم خاص بها. هذا
رأي أفلاطون الذي قال إن هناك عالمًا «للمُثُل» لا نراه بالحواس لكنه حقيقي. وهناك
من قال إن «المجردات» ليست موجودة إلا كأسماء وألفاظ، ولا وجود للأرقام خارج
الاستخدام اللغوي. وهناك من قال إن المجردات موجودة في العقل فقط، هي أفكار
نصنعها.
هذا النقاش ليس أكاديميًا فقط.
فكيف نفهم الرياضيات إذا كانت الأرقام غير موجودة؟ وكيف نفسّر فعالية الرياضيات في
وصف الطبيعة إذا كانت مجرد أفكار في أذهاننا؟ تقودنا هذه الأسئلة إلى عمق الفلسفة.
الوجود ليس صفة:
نقد كانط للبرهان الأنطولوجي
في القرن الثامن عشر، وجّه
الفيلسوف «إيمانويل كانط» (1724-1804) ضربة قاصمة لفكرة قديمة: فكرة أن الوجود
يمكن أن يكون «صفة» من صفات الأشياء.
لفهم ذلك، لنميز أولاً بين نوعين
من القضايا. هناك «القضية
التحليلية»، وهي التي يكون فيها خبرها مستخلصًا من موضوعها. مثل: «المثلث
له ثلاث زوايا». بمجرد أن تفهم معنى «مثلث»، تعرف أنه له ثلاث زوايا. هذه القضايا
لا تضيف معرفة جديدة عن العالم، بل توضح ما هو مضمر في المفهوم.
وهناك «القضية التركيبية»، وهي التي يضيف فيها الخبر شيئًا
جديدًا ليس مستخلصًا من الموضوع. مثل: «هذا المثلث مرسوم باللون الأحمر». هنا،
اللون الأحمر ليس جزءًا من مفهوم المثلث. هذه القضايا تضيف معرفة جديدة.
الآن، ماذا عن قضية «هذا الشيء
موجود»؟ هل هي تحليلية أم تركيبية؟
لو كان «الوجود» صفة كسائر
الصفات، وكانت القضية «هذا الشيء موجود» تحليلية، لكان بإمكاننا استنتاج وجود أي
شيء من مجرد تعريفه. وهذا ما فعله «القديس أنسلم» (1033-1109) في «البرهان
الأنطولوجي» على وجود الله. قال أنسلم: الله هو «أعظم موجود يمكن تصوره». والموجود
في الواقع أعظم من الموجود في الذهن فقط. إذن، لكي يكون الله أعظم موجود يمكن
تصوره، يجب أن يكون موجودًا في الواقع. هكذا «استنتج» أنسلم وجود الله من مجرد
تعريفه.
هنا تدخل كانط ليقول: هذا
الاستنتاج خاطئ. لأن «الوجود» ليس صفة حقيقية. القضية «س موجود» ليست تحليلية، بل
تركيبية. لا يمكنك استنتاج وجود شيء من مفهومه مهما كان تعريفه.
يضرب كانط مثله الشهير: «مئة تالر
حقيقية لا تحتوي على أكثر من مئة تالر ممكنة». يقول كانط: لو كنت أتأمل مفهوم «مئة
تالر»، فسأجد فيه العدد والقيمة النقدية. سواء قلت «مئة تالر ممكنة» أو «مئة تالر
حقيقية»، فالمفهوم واحد. الفرق ليس في المفهوم، بل في أن المئة تالر الحقيقية
ترتبط بكل خبرتي الحسية. الوجود يضيف شيئًا إلى المفهوم، لكنه ليس صفة داخلة فيه.
يقول كانط في نصه الشهير: «إن
الوجود ليس حملاً حقيقيًا، أي أنه ليس مفهومًا لشيء يمكن إضافته إلى مفهوم شيء.
إنه مجرد وضع الشيء أو تعيينه في ذاته. ففي التصور الواقعي، لا يُضاف شيء إلى
المفهوم، بل يُضاف المفهوم نفسه إلى كلية الخبرة.»
ومغزى ذلك: لا يمكن لأي برهان أن
يثبت وجود شيء من مجرد تعريفه. الوجود يُكتشف بالتجربة، لا يُستنتج بالمفاهيم
وحدها.
الوجود بين الفلسفة
والدين
نقد كانط للوجود ليس فقط دقة
منطقية. إنه يهدم كل البراهين التي حاولت إثبات وجود الله من خلال تعريفه وحده.
لكنه أيضًا يعيد تعريف علاقتنا بالوجود.
إذا كان الوجود لا يُستنتج من
المفاهيم، فكيف نعرف أن شيئًا ما موجود؟ الجواب عند كانط: من خلال التجربة. نحن لا
نعرف الوجود بالعقل وحده، بل بحساسيتنا المفتوحة على العالم.
هذا يعني أن الوجود ليس مجرد فكرة
نتصورها، بل هو لقاء مع ما يخالف توقعاتنا، مع ما يفاجئنا، مع ما يفرض نفسه علينا
من الخارج. الوجود هو أن نجد أنفسنا أمام شيء لم نصنعه، لم نخلقه، لم نتصوره
مسبقًا.
في هذا السياق، يمكن فهم قول
الفيلسوف الوجودي «جان بول سارتر» (1905-1980): «الوجود يسبق الماهية». يعني سارتر
أن الإنسان ليس له ماهية محددة مسبقًا يكتشفها، بل هو يوجد أولاً، ثم يصنع ماهيته
بأفعاله. نحن لسنا كالكرسي الذي صُمم لأجل الجلوس قبل أن يُصنع. نحن نوجد، ثم
نختار من نكون.
قبل أن نمضي
مفهوم الوجود هو أول مفاهيم
الميتافيزيقا وأوسعها. وهو مفهوم بديهي لا يمكن تعريفه بشكل مباشر.
يميز الفلاسفة عادة بين الوجود
الذهني والوجود الخارجي، لكن هناك فئة من الكيانات – كالأرقام والقيم – يصعب
تصنيفها ضمن هذين القسمين.
نقد كانط للوجود كان ثوريًا:
الوجود ليس صفة حقيقية، ولا يمكن استنتاجه من المفاهيم. الوجود يُكتشف بالتجربة،
وليس بالبرهان العقلي وحده. هذا النقد فتح الباب لفهم جديد للوجود: ليس كصفة
نضيفها للأشياء، بل كحدث نلتقي فيه بما هو خارج عن تصوراتنا.
في المقال القادم، سنتعمق في
مفهوم آخر أساسي هو «الماهية». سنتناول أسئلة مثل: ما الذي يجعل الشيء هو هو؟ هل
للأشياء ماهيات ثابتة؟ وأيهما أسبق: الوجود أم الماهية؟

تعليقات: (0) إضافة تعليق