أكتبُ نفسي فأمحوها


أمسكُ القلمَ كأنّي أمسكُ حافةَ الوجودِ.

أحفرُ في الورقةِ البيضاءِ كمن يبحثُ عن جثةِ المعنى تحتَ الثلج.

لكنّ الكلماتِ تتكسّرُ كأمواجٍ على شاطئِ الصمتِ.


أيّها الحرفُ المشّاءُ في متاهتي:

هل أنتِ جسرٌ إلى العالمِ، أم أنتِ الحائطُ الذي يصدّني عنه؟


أكتبُ "أنا" فتنفتحُ أبوابُ السؤالِ:

مَنْ هذا الذي يكتبُ؟

مَنْ هذا الذي يُكتَبُ؟

وأينَ "أنا" بين الضميرِ والفعلِ؟


في كلِّ مساءٍ، أُحصي جثثَ الكلماتِ التي خنقتُها بالحبرِ.

أعترفُ: أنا لستُ كاتبًا، بل مُرتَهَنٌ لشهوةِ البوحِ.

أعترفُ: أنا لستُ سوى ظلٍّ لحرفٍ لم يُكتَبْ بعدُ.


أَرجُفُ كَالسَّطرِ الأخيرِ في كِتابٍ مُمزَّقٍ..

وَأَبقى كَاللَّفظَةِ المَنسيَّةِ بَينَ دَفَّتَيِ القاموسِ.

أَترُكُ فَراغاتِي لِلرِّيحِ كَي تَملَأَها بِالعَتَمَةِ،

وَأَصرُخُ في مَوجَةِ الحِبرِ: "أَينَ الحَقُّ؟ أَينَ الكَلامُ؟"

فَيَجيِبُني الصَّمتُ بِصَوتٍ كَسُقوطِ الأَوراقِ:

"الحَقُّ أَنَّكَ لَيسَ سِوى وَهمِ القَلَمِ..

وَالكَلامُ جُثَّةٌ تَدفِنُها أَيدينا كَي نُبعِدَ الخَوفَ عَنِ المَعنى!"


هَذِهِ المَرَّةَ..

سَأَترُكُ الكَلِماتِ تَشرَحُ نَفسَها بِلُغَةِ الغُيوبِ،

سَأَكتُبُ بِالضَّوءِ الَّذي يَتَسرَّبُ مِن شَقوقِ الذَّاكِرَةِ،

وَأَقولُ لِلصَّمتِ: "هَذِهِ المَرَّةَ.. لَن أَخونَ المَوتَ بِالكَلِماتِ!"

يَبقى السُّؤالُ:

هَل نَكتُبُ لِنُخرِسَ صَوتَ العَدمِ..

أَم لِنُعيدَ اختراعَ العَدمِ نَفسِهِ؟


أمجد نيّوف



  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي