آخر الأخبار

يان ووكاشيفيتش

+حجم الخط-


وُلد يان ووكاشيفيتش في الحادي والعشرين من ديسمبر عام 1878 في مدينة لمبرغ، التي كانت آنذاك جزءًا من الإمبراطورية النمساوية المجرية، وهي المدينة المعروفة اليوم بلفيف في أوكرانيا. كان الطفل الوحيد لباول ووكاشيفيتش، الضابط في الجيش النمساوي، وليوبولدينا هولتزر، ابنة موظف مدني، وكانت عائلته من الروم الكاثوليك. أنهى دراسته الثانوية في الفيلولوجيا، ثم التحق بجامعة لمبرغ عام 1897، حيث درس الفلسفة والرياضيات، وكان تلميذًا للفيلسوف كازيميرز تواردوفسكي، أحد أبرز ممثلي المدرسة الفلسفية التحليلية في بولندا .


في عام ألف وتسعمئة واثنين، حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة، وتحت رعاية الإمبراطور فرانتس يوزيف الأول، مُنح خاتم دكتوراه خاصًا مرصعًا بالألماس. قضى ثلاث سنوات معلمًا خاصًا، ثم نال منحة دراسية عام 1905 لإكمال دراسته في الفلسفة في جامعة برلين وجامعة لوفان في بلجيكا. وفي عام 1906، قدّم أطروحته للتأهل الجامعي إلى جامعة لمبرغ بعنوان «تحليل وبناء مفهوم السبب»، ثم عُيّن محاضرًا فيها، وبعدها أستاذًا استثنائيًا من قبل الإمبراطور. وفي عام 1915، دُعي لإلقاء محاضرات كأستاذ بدوام كامل في جامعة وارسو، التي أعادت سلطات الاحتلال الألماني فتحها بعد أن أغلقتها الحكومة القيصرية في القرن التاسع عشر .


في عام 1919، ترك الجامعة لفترة قصيرة ليخدم وزيرًا للطوائف الدينية والتعليم العام في حكومة باديريفسكي، حتى عام1920. وفي هذه الفترة القصيرة، قاد تطوير منهج بولندي جديد يحل محل المناهج الروسية والألمانية والنمساوية التي كانت مستخدمة في بولندا المقسمة، وركز منهجه على الاكتساب المبكر للمفاهيم المنطقية والرياضية. ثم عاد إلى جامعة وارسو أستاذًا، وظل فيها حتى عام 1939، حيث شغل منصب رئيس الجامعة مرتين، وأسّس مع ستانيسواف ليشنيفسكي ما عُرف بمدرسة لفوف-وارسو للمنطق، التي اشتهرت لاحقًا عالميًا بفضل ألفريد تارسكي، الذي كان أحد طلاب ليشنيفسكي .


مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، دُمّر منزله بالقنابل الألمانية وأُغلقت الجامعة. عمل خلال سنوات الاحتلال في جامعة وارسو السرية، وفي صيف عام 1944، غادر بولندا مع زوجته بمساعدة هاينريش شولز، وأمضيا الأشهر الأخيرة من الحرب في مونستر بألمانيا. ثم انتقل إلى بلجيكا، حيث التقى في بروكسل عام 1946 ضابطًا أيرلنديًا يتحدث البولندية، نصحه بالسفر إلى دبلن، حيث سترحب الحكومة الأيرلندية بالعلماء البارزين المهجرين. وفعلًا، في صيف ذلك العام، التقى ووكاشيفيتش مع رئيس الوزراء إيمون دي فاليرا، الذي وعده بأن يعتني بمصيره، ثم رتّب له تعيينًا أستاذًا للمنطق الرياضي في الأكاديمية الملكية الأيرلندية. وفي الثامن عشر من نوفمبر عام 1946، ألقى ووكاشيفيتش أول محاضرة عامة له في أيرلندا. ووصفته صحيفة إيريش بريس بأنه «أستاذ بلا كرسي، رجل بلا وطن، منحت هذه البلاد له مأوى ومكانة تليق بسمعته الرفيعة» . وفي عام 1948 أو 1949، أصبح أستاذًا في كلية دبلن الجامعية، حيث بقي حتى وفاته .


كان سؤاله المركزي يدور حول المنطق نفسه: ما هو المنطق الصحيح؟ وهل يمكن أن يكون هناك أكثر من منطق واحد؟ وهل القوانين التي ظنناها أبدية وضرورية، مثل مبدأ عدم التناقض وقانون الوسط المستبعد، قابلة للتعديل؟ وقد بدأ من تاريخ المنطق، فدرس أرسطو والرواقيين دراسة جديدة تمامًا، وأعاد قراءة القياس الأرسطي في ضوء المنطق الرمزي الحديث، وكتب صفحات وُصفت بأنها «أوضح ما كُتب في تاريخ المنطق» . لكن إسهامه الأكبر كان في المنطق متعدد القيم، الذي يعدّ مؤسسه الأول بلا منافس، إذ قدّم عام 1918 أول نظام مكتمل للمنطق الثلاثي القيم، قبل إميل ليون بوست بقليل، ثم وسّع النظام إلى أربع قيم، ثم إلى عدد لا نهائي قابل للعد من القيم الصدقية .


كان الدافع وراء اكتشافه هذا هو «المستقبليات الممكنة»، أي القضايا التي تتعلق بأحداث مستقبلية لم تحدث بعد، مثل «سأكون في وارسو غدًا». ففي المنطق التقليدي، إما أن تكون هذه القضية صادقة أو كاذبة، لكن ووكاشيفيتش رأى أن قضية عن المستقبل ليست صادقة بعد ولا كاذبة بعد، بل لها قيمة ثالثة هي «الممكن». ومن هنا انفتح الباب أمام فكرة أن منطق أرسطو ليس المنطق الوحيد الممكن، وأن هناك أنظمة منطقية بديلة لها نفس القدر من الصرامة والاتساق . وقد صار هذا المبدأ أساسًا لكل المنطق غير الكلاسيكي في القرن العشرين، من المنطق الحدسي إلى المنطق الموجّه إلى المنطق الغامض والمنطق الزمني.


وقد قدّم ووكاشيفيتش أيضًا صياغات أنيقة لمنطق القضايا الكلاسيكي، وأشهرها صياغة من ثلاث بديهيات فقط، لا تزال تُستعمل حتى اليوم . لكن أشهر ما ارتبط باسمه في عالم الحاسوب والتقنية هو «الترميز البولندي»، أو «الترميز دون أقواس»، الذي ابتكره نحو عام 1920 . في هذا الترميز، تُكتب الرموز المنطقية والرياضية قبل معاملاتها، بدلًا من بينها، فلا حاجة إلى أقواس لبيان ترتيب العمليات. وكتب ووكاشيفيتش نفسه أنه «جاء بفكرة الترميز دون أقواس في عام 1924، واستخدمه لأول مرة في مقالته المنشورة عام 1931» .


هذا الترميز، الذي وُلد من رحم البحث المنطقي المجرد، صار لاحقًا أساسًا لتصميم الحواسيب واللغات البرمجية. فمبدأ «المكدس» أو «التخزين المؤقت»، الذي يعمل بنظام «آخر ما يدخل أول ما يخرج»، هو الترجمة التقنية لفكرة الترميز البولندي، وقد استُخدم في تصميم أول حاسوب تجاري يستعمل هذا المبدأ، وهو حاسوب Burroughs B5000 عام 1960. ويُعدّ الترميز البولندي اليوم جزءًا أساسيًا من علوم الحاسوب، ويُستعمل في كثير من لغات البرمجة وفي تصميم المترجمات الإلكترونية .


وفي السنوات التي قضاها في دبلن، وهي سنوات وصفها أحد طلابه بأنها «من أكثر سنوات مسيرته العلمية خصوبة»، أعاد بناء أعمال كان قد بدأها في وارسو ثم توقف عنها بسبب الحرب، وأكمل أبحاثًا جديدة في المنطق الرمزي. وقد أهدى أحد كتبه في هذا العهد إلى إيمون دي فاليرا، رئيس الوزراء الأيرلندي، بوصفه رجل دولة وعالمًا، شكرًا له على أنه أتاح له أن يقضي آخر سنوات حياته الإبداعية في دبلن . توفي ووكاشيفيتش في دبلن في الثالث عشر من فبراير عام 1956 عن سبعة وسبعين عامًا، ودُفن هناك. وفي عام 2022، نُقلت رفاته من دبلن إلى وارسو، ليُدفن في «طريق المستحقين» في مقبرة بوڤازكي التاريخية، إلى جوار زوجته ريجينا .


تأثر ووكاشيفيتش بأرسطو والرواقيين في تاريخ المنطق، وبكازيميرز تواردوفسكي في الفلسفة التحليلية، وبالمنطق الرمزي الحديث في أعمال فريجه ورسل. وأثّر هو في كل المنطق غير الكلاسيكي في القرن العشرين، وفي ألفريد تارسكي الذي كان من طلاب مدرسة لفوف-وارسو، وفي فلاسفة المنطق وعلماء الحاسوب الذين بنوا على مفهوم المكدس والترميز البولندي. وفي عام 1998، اكتُشف كويكب وسُمّي «ووكاشيفيتش» تكريمًا له . وتوجد في بولندا جائزة سنوية تحمل اسمه، تُمنح لأكثر شركات تقنية المعلومات البولندية ابتكارًا .


يبقى ووكاشيفيتش مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت حاضرة في قلب المنطق وعلوم الحاسوب والفلسفة: هل هناك منطق واحد صحيح؟ كيف نتعامل مع الممكن والمستقبلي؟ كيف نبني لغة رمزية بلا لبس؟ وكيف يتحول بحث منطقي مجرد إلى تقنية تغيّر العالم؟ لم يقدّم ووكاشيفيتش وصفة جاهزة، لكنه فتح بابًا لا يزال مفتوحًا على مصراعيه في المنطق والحوسبة، وأثبت أن أعظم الابتكارات قد تأتي من أسئلة تبدو في ظاهرها نظرية بحتة، ثم تصبح أساسًا للتكنولوجيا التي نعيش بها اليوم.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي