آخر الأخبار

لويستن إيغبرتوس يان براور

+حجم الخط-

 


وُلد لويستن إيغبرتوس يان براور، الذي عُرف في أوساط أصدقائه باسم بيرتوس، في السابع والعشرين من فبراير عام 1881 في بلدة أوفرشي القريبة من روتردام بهولندا، في عائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى، إذ كان والده إيغبرتوس لويستن براور مدرّسًا في المدارس الابتدائية، وكانت أمه هندريكا بوتسما من عائلة ريفية محافظة . تلقّى تعليمه المدرسي في هورن وهارلم، ثم التحق بجامعة أمستردام عام ألف وثمانمئة وسبعة وتسعين ليدرس الرياضيات والفيزياء، وتخرّج فيها عام ألف وتسعمئة وأربعة. وفي شبابه، قبل أن يتخرج، ألقى سلسلة من المحاضرات في جامعة دلفت عام 1905 بعنوان «الحياة والفن والتصوف»، وهي محاضرات نُشرت لاحقًا في كتاب صغير، وتُعدّ واحدة من أعمق ما كتبه عن فلسفته في الحياة والذات واللغة، وفيها تظهر بوضوح جذور فكره الصوفي والعزلي الذي سيغذّي مذهبه الرياضي بعد ذلك . وفي فبراير عام 1907، نال الدكتوراه بأطروحة بعنوان «في أسس الرياضيات» بإشراف د. ج. كورتيفيغ، وفي هذه الأطروحة ظهرت بوادر مشروعه اللاحق في الحدسية وفي الطوبولوجيا .


بعد الدكتوراه، عمل براور محاضرًا خاصًا ثم أستاذًا استثنائيًا في جامعة أمستردام عام 1912، وألقى في تلك المناسبة محاضرة بعنوان «الحدسية والشكلية» التي صارت أول بيان مكتمل لمذهبه في فلسفة الرياضيات . وفي عام 1913 أصبح أستاذًا كاملًا في نظرية المجموعات ونظرية الدوال والبديهيات، وظل في هذا الكرسي حتى وفاته، رغم تلقّيه دعوات للتدريس في غوتنغن وبرلين، فقد فضّل أن يبقى في أمستردام حيث وُلد وعاش . وكان قد انتُخب عضوًا في الأكاديمية الملكية الهولندية للفنون والعلوم عام 1912، ثم نال عضوية الجمعية الملكية البريطانية عام 1948 . عاش حياة هادئة نسبيًا، لكنها لم تخلُ من صراعات شخصية وعلمية عنيفة، لا سيما مع ديفيد هلبرت، والتي سُمّيت «المعركة على أسس الرياضيات»، وسنأتي عليها. توفي في الثاني من ديسمبر عام 1966 في بلدة بلاريكوم بهولندا، إثر حادث مروري، عن خمسة وثمانين عامًا .


كان سؤاله المركزي واحدًا ومزدوجًا: ما هي الرياضيات؟ وكيف نعرفها؟ وفي مقابل المدرسة الشكلية التي رأت أن الرياضيات نظام من الرموز والقواعد يمكن أن يُبنى بلا معنى، وفي مقابل المدرسة المنطقية التي رأت أنها امتداد للمنطق، قدّم براور جوابًا ثالثًا جذريًا: الرياضيات ليست اكتشافًا لحقائق موجودة في عالم مفارق، وليست لعبة رمزية، إنما هي "فعل ذهني"، نشاط إنساني حيّ، بناء حرّ يقوم به العقل. ومن هنا جاء اسم مذهبه: "الحدسية" (Intuitionism)، أي أن الرياضيات تنبع من الحدس المباشر لا من الاستدلال المنطقي ولا من التجربة الحسية.


أسس براور مذهبه على فكرة أن الرياضيات «خَلْق حرّ للذهن» . فالأعداد والمسلمات والبراهين ليست كيانات قائمة في عالم ثالث مستقل عنا، بل هي بناءات ذهنية يصنعها الرياضي كما يصنع الفنان عمله. ولذلك، فإن معيار الحقيقة في الرياضيات عنده ليس التطابق مع واقع مفارق، إنما "القابلية للبناء"، أي أن نقول إن قضية رياضية «صحيحة» يعني أننا نستطيع أن نبنيها ذهنيًا. وهذا الموقف يختلف اختلافًا جذريًا عن موقف هلبرت، الذي رأى أن الرياضيات نظام صوري يُبنى على رموز لا تعني شيئًا، وأن الاتساق وحده هو المعيار.


ومن أهم نتائج هذا الموقف، رفض براور لمبدأ "الثالث المرفوع" أو "الوسط المستبعد"، أي المبدأ الذي يقول إن كل قضية إما صحيحة أو خاطئة، لا ثالث بينهما. فبراور رأى أن هذا المبدأ لا يمكن أن يُطبَّق بلا قيود على القضايا الرياضية غير المحسومة، أي القضايا التي لم نستطع بعد أن نُثبتها أو نُكذّبها. خذ مثالًا قضية تتعلق بظهور تسلسل معين من الأرقام في العدد π: هل ظهر في بسط π أم لا؟ ما دام بسط π لم يُبنَ بالكامل ذهنيًا، وما دامت القضية غير محسومة، فلا يمكن أن نقول إنها صحيحة أو خاطئة، إنما هي "غير محسومة". ومن هنا، لا يمكن أن نستعمل البرهان بالتناقض في الرياضيات الحدسية بالصورة التي نستعملها في الرياضيات الكلاسيكية، لأن استنتاج «إذن أ صحيحة» من «ليس صحيحًا أن أ خاطئة» يفترض أن كل قضية إما صحيحة أو خاطئة، وهذا ما يرفضه براور .


وقد أفضت هذه الرؤية إلى نتائج مهمة في الرياضيات. من أبرزها أن "الاستمرارية" في الرياضيات الحدسية ليست هي نفسها في الرياضيات الكلاسيكية، وأن "كل دالة معرفة على مجال من الأعداد الحقيقية تكون متصلة"، بخلاف ما هو الحال في الرياضيات الكلاسيكية التي تعرف دوالًا غير متصلة. وقد أثبت براور هذه النتائج في سلسلة من الأبحاث بين عامي 1914 و1927، وأظهر بها أن الرياضيات الحدسية ليست مجرد نسخة فلسفية من الرياضيات الكلاسيكية، بل رياضيات مختلفة لها قضاياها ونتائجها الخاصة .


لكن براور لم يكن فقط فيلسوفًا للرياضيات، إنما كان واحدًا من أعظم الرياضيين في القرن العشرين. فقد أسّس "الطوبولوجيا الحديثة" بمعنى الكلمة، وأدخل مفهوم "التقريب البسيط"، و"درجة التطبيق"، وأثبت نظريات أساسية في هذا المجال لا تزال تحمل اسمه حتى اليوم . ومن أشهر نظرياته "نظرية النقطة الثابتة" (1911)، وهي تقول إن أي تطبيق مستمر من كرة مغلقة إلى نفسها لا بد أن يُثبّت نقطة واحدة على الأقل، وهي نظرية لها تطبيقات واسعة في الاقتصاد الرياضي ونظرية الألعاب. وأثبت أيضًا "ثبات البُعد" (1910)، أي أن مفهوم البعد في الفضاءات الطوبولوجية ثابت لا يتغير تحت التشوهات المستمرة، وهذه المسألة كانت قد شغلت الرياضيين قبل ذلك، وكان براور أول من أعطى تعريفًا دقيقًا للبعد وأثبت ثباته . وقد أثبت "نظرية التقريب البسيط" في الطوبولوجيا الجبرية، التي تبرّر اختزال الفضاءات الطوبولوجية إلى مركبات بسيطة بغرض معالجتها، وهي نظرية ذات شهرة واسعة في الطوبولوجيا الجبرية .


كانت علاقة براور بهلبرت في البداية علاقة احترام وتقدير. فقد التقيا في إيشويننغن قرب عام 1920، وأثنى براور على هلبرت ووصفه بأنه «رياضي العالم الأول»، وكانت رسائل براور إلى هلبرت في تلك الفترة تحمل نبرة ودّية وحميمة. وقد كتب هلبرت توصية حارة لبراور عندما كانت جامعة أمستردام تفكر في تعيينه على كرسي، وعرض عليه منصبًا في غوتنغن عام 1919، لكن براور رفض وفضّل البقاء في أمستردام .


لكن هذا الودّ انقلب إلى عداء شخصي وأكاديمي حاد في عشرينيات القرن الماضي، حين بدأ براور حملة لفرض مذهبه الحدسي على الرياضيات الألمانية، وألقى محاضرات ناجحة في مؤتمرات الجمعية الرياضية الألمانية وفي برلين عام 1927، حتى قال بعض المراقبين إن «انقلابًا» يحدث في الرياضيات. وقد شعر هلبرت بالخطر، وبدأ يقاوم براور بكل نفوذه، وتحول الخلاف العلمي إلى معركة شخصية وصفها المؤرخون بـ«معركة أسس الرياضيات» .


ومن أبرز أحداث هذه المعركة قضية مجلة «ماتماتيشه أنالن» عام 1927. كان براور عضوًا في هيئة تحرير المجلة، فقرر هلبرت أن يُقصيه من هيئة التحرير، لأنه رأى أن وجوده فيه خطر على المجلة. وقد أدى هذا القرار إلى أزمة داخل هيئة التحرير، استقال على إثرها عدد من المحررين، ثم استقالت الهيئة كلها في النهاية، ولم يُعد تعيين براور . وقد ظل هذا الصراع قائمًا حتى وفاة هلبرت عام 1930، وظل براور يشعر بالمرارة منه حتى آخر حياته.


من العجيب أن مذهبًا فلسفيًا نشأ في عشرينيات القرن الماضي بدا في حينه صراعًا نظريًا بحتًا، صار في نهاية القرن العشرين واحدًا من الأسس النظرية لعلوم الحاسوب. فالمنطق الحدسي الذي طوّره براور، ثم صاغه تلميذه أريت هييتينغ بشكل رمزي، صار الأساس الذي يشتغل عليه علماء الحاسوب في بناء أنظمة البرهان الآلي والذكاء الاصطناعي المنطقي. وكان أريت هييتينغ، أحد أبرز طلاب براور، هو الذي صاغ المنطق الحدسي في صورة رمزية، ثم طوّر علماء الحاسوب في السبعينيات والثمانينيات نظريات «النوع الحدسي» (Intuitionistic Type Theory) التي صارت أساسًا للغات البرمجة الوظيفية وللأنظمة التي تُبنى على أساس «البرهان كبرنامج» . وهكذا، تحول مذهب رفضه كثيرون بأنه «مذهبي» و«رجعي» في عشرينيات القرن الماضي إلى أداة حيّة في علوم الحاسوب في نهايته.


أثّر براور في كل فلسفة الرياضيات في القرن العشرين. فقد أثّر في هيرمان فايل، الذي كان في الأصل تلميذًا لهلبرت ثم تحوّل إلى الحدسية بعد قراءة أعمال براور، رغم أنه اختلف مع براور في بعض مسائل لاحقة . وأثّر في أريت هييتينغ، الذي صار تلميذه وشارحه ومنظّر مذهبه. وأثّر في المنطق الرياضي والمنطق الحدسي، وفي نظرية الأنواع، وفي فلسفة الرياضيات البنائية. وفي المقابل، كان من أشد من نقد مذهبه هو برتراند راسل وألفريد نورث وايتهيد وديفيد هلبرت، الذين رأوا في الحدسية تهديدًا للرياضيات الكلاسيكية، لأنها تُلغي جزءًا كبيرًا من نتائجها، مثل البراهين بالتناقض، وقوانين الثالث المرفوع، ونظرية المجموعات الكانتورية.


وقد وُصف براور من قبل معاصريه بأنه «متزمت، ثوري، رجعي، ونبيّ في الوقت نفسه» . وكانت حياته الشخصية معقدة، ومواقفه السياسية مثيرة للجدل، فقد شنّ حملة لإلغاء مقاطعة العلماء الألمان بعد الحرب العالمية الأولى، وكان له دور في الجدل حول مشاركة الرياضيين الفرنسيين في مجلة «ماتماتيشه أنالن» . لكن ما بقي من إرثه ليس هذه المعارك، بل سؤاله المركزي: ما الذي يجعل المعرفة الرياضية ممكنة؟ وهل الرياضيات اكتشاف لحقائق قائمة أم بناء حرّ للعقل؟ وهل يمكن أن يكون هناك أكثر من رياضيات صحيحة؟


لم يقدّم براور وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن أسس الرياضيات ليست مسألة تقنية فقط، إنما مسألة فلسفية عن طبيعة المعرفة نفسها، وأن أعظم الرياضيين قد يكونون أيضًا أعمق الفلاسفة، وأن الشك في البديهيات قد يكون بداية لا نهاية.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي