وُلد ديفيد هلبرت في الرابع والعشرين من يناير عام 1862، في مقاطعة بروسيا الشرقية، إما في كونيغسبرغ أو في بلدة فيلاو القريبة منها، وكان والده أوتو هلبرت قاضيًا، وأمه ماريا تيريزا إردتمان من عائلة تجارية، وكانت هي التي شكّلت اهتمامات ابنها بالرياضيات والفلك، إذ كانت عالمة رياضيات وفلك هاوية . بدأ دراسته في سن العاشرة في مدرسة فريدريشسكولليغ، وهي المدرسة نفسها التي درس فيها إيمانويل كانط قبل مئة وأربعين عامًا، ثم انتقل إلى مدرسة فيلهلم ذات التوجه العلمي، وتخرّج منها عام 1880 . وفي خريف العام نفسه، التحق بجامعة كونيغسبرغ، وهناك عقد صداقة تدوم مدى الحياة مع هيرمان مينكوفسكي، أحد أعظم رياضيات القرن العشرين، ثم انضم إليهما أدولف هورتز، وشكّل الثلاثة حلقة علمية مكثفة ومثمرة في مدينة كونيغسبرغ . حصل على الدكتوراه عام 1885، بأطروحة عن الخصائص الثابتة للأشكال الثنائية، وبقي في جامعة كونيغسبرغ بصفة أستاذ خاص حتى عام 1895 .
في عام 1895، وبفضل دعم فيليكس كلاين، انتقل هلبرت إلى جامعة غوتنغن ليشغل كرسي الرياضيات فيها، وبقي فيها حتى تقاعده عام 1930 . وفي أثناء وجوده في غوتنغن، تحوّلت الجامعة، بفضله وبفضل زملائه وطلابه، إلى أهم مركز للرياضيات في العالم، وصارت قبلة للباحثين والطلاب من كل أنحاء الأرض . وكان من بين طلابه هرمان ويل، وإرنست زرميلو، وكارل غوستاف همبل، وبطل الشطرنج إيمانويل لاسكر، وكان جون فون نيومان مساعده، وهو الذي سيشكل لاحقًا جزءًا أساسيًا من تاريخ الحوسبة والمنطق الرياضي . وقد قال أحد مؤرخي الرياضيات إنه لو كانت حياة أي رياضي في القرن العشرين يمكن أن تكون تاريخًا للرياضيات في زمانه، فإنها حياة ديفيد هلبرت .
كان أول أعماله الكبرى في «نظرية الثوابت»، وهي فرع من الجبر كان يقوم على حسابات هائلة ومعقدة. وفي عام 1888، أثبت هلبرت ما صار يُعرف بـ«مبرهنة الأساس»، وهي تثبت وجود مجموعة محدودة من المولّدات للثوابت في أي عدد من المتغيرات، لكنه أثبتها بطريقة جديدة كليًا: لم يعرض هذه المجموعة بناءً صريحًا، بل أثبت وجودها فقط. وقد أثار هذا الأمر جدلًا واسعًا، إذ رفض بول غوردان، خبير نظرية الثوابت في مجلة «Mathematische Annalen»، نشر المقال، وكتب في تقريره عبارته الشهيرة: «هذا ليس رياضيات، هذا لاهوت». لكن كلاين أدرك أهمية العمل فضمن نشره دون تعديل، وبعد أن انتشرت الطريقة وثبتت فائدتها، عاد غوردان نفسه ليقول إنه اقتنع بأن «اللاهوت» له مزايا أيضًا .
وفي عام 1899، نشر كتابه «أسس الهندسة»، الذي أحدث ثورة في الطريقة التي نُفهم بها الهندسة والمسلّمات معًا. فبدلًا من أن تكون المسلّمات حقائق بديهية واضحة بذاتها كما كان الحال منذ إقليدس، رأى هلبرت أن المسلّمات ليست إلا شروطًا تحدد العلاقات بين مصطلحات غير معرَّفة، وأنه يمكن أن نسمي النقطة والخط والمستوى بأي أسماء أخرى، حتى «الكراسي والطاولات وكؤوس الجعة»، دون أن يتغير شيء في بنية النظرية . وقد قال في شبابه، في محطة قطار في برلين، بعد سماعه محاضرة عن أسس الهندسة: «يجب أن يكون بوسع المرء أن يقول دائمًا، بدلًا من النقاط والخطوط والمستويات: كراسي وطاولات وكؤوس جعة» . وبهذا المنهج، صارت الهندسة نظرية صورية، لا تعتمد على حدسنا المكاني، بل على اتساق المسلّمات واستقلال بعضها عن بعض. وقد مثّل هذا الكتاب، بالنسبة إلى كثير من الرياضيين، المستقبل، وبدا كأن إقليدس قد نزل أخيرًا عن عرشه الذي جلس عليه أكثر من ألفي سنة .
وفي عام 1900، وفي المؤتمر الدولي الثاني لعلماء الرياضيات في باريس، ألقى هلبرت محاضرة بعنوان «مسائل في الرياضيات»، عرض فيها ثلاثة وعشرين مسألة غير محلولة، حددت مسار جزء كبير من البحث الرياضي في القرن العشرين . وقد حلّت معظم هذه المسائل في القرن العشرين، لكن بعضها ما زال مفتوحًا حتى اليوم، ومنها فرضية الاستمرارية التي أثبت غودل وكوهن استقلالها عن مسلّمات نظرية المجموعات، وفرضية ريمان التي لا تزال من أعظم المسائل المفتوحة في الرياضيات . وقد قال هلبرت في محاضرته عبارته التي سُطرت لاحقًا على ضريحه: «يجب أن نعلم، وسوف نعلم» . وفي المسألة السادسة من مسائله، دعا إلى «أكسمة الفيزياء»، أي إيجاد مسلّمات تستند إليها الفيزياء كلها، من قوانين نيوتن إلى معادلات حركة السوائل والغازات . وقد ظلت هذه المسألة تفتح أبوابًا للبحث لأكثر من قرن، حتى قيل في عام 2025 إن فريقًا من العلماء، بينهم عالم لبناني، اقترب من حلّها بربط المستويات الثلاثة: المستوى المجهري الذي تحكمه قوانين نيوتن، والمستوى شبه المجهري الذي تحكمه معادلة بولتزمان، والمستوى العياني الذي تحكمه معادلات نافييه-ستوكس .
وفي عام 1909، بدأ هلبرت أبحاثه في المعادلات التكاملية، وقاده ذلك إلى تأسيس «التحليل الدالي»، ثم إلى مفهوم «فضاء هلبرت»، وهو فضاء لا متناهي الأبعاد، صار لاحقًا أداة أساسية في ميكانيكا الكم وفي الفيزياء الرياضية . وقد كان هلبرت شغوفًا بالفيزياء، ورأى أن «الفيزياء أصعب من أن تُترك للفيزيائيين وحدهم»، فخاض فيها بنفسه . وفي عام 1915، دعا ألبرت أينشتاين إلى غوتنغن ليلقي محاضرات عن النسبية العامة، ثم قدّم هو صيغته الخاصة لمعادلات مجال الجاذبية في النسبية العامة قبل أيام قليلة من تقديم أينشتاين صيغته، وإن اضطر إلى تعديل معادلاته قبل نشرها في مارس عام 1916 .
وفي سنواته الأخيرة، انصرف هلبرت إلى مشروعه الأكبر: إيجاد أساس منطقي متين للرياضيات كلها. وقد سمّى مشروعه «البرنامج الصوري»، ورأى أن الرياضيات يمكن أن تُبنى كنظام صوري من الرموز والقواعد، وأن يُثبت اتساق هذا النظام بوسائل «متناهية» لا تستخدم اللانهاية. وقد قال إن إخراج مبدأ الثالث المرفوع من يد الرياضي «يشبه منع الملاكم من استخدام قبضتيه»، في ردّه على مدرسة الحدس عند بروير . وقد عمل مع بول بيرنايز على «أسس الرياضيات» في مجلدين، ونشرا فيهما برنامجه بالتفصيل . لكن في عام1931، وفي اليوم السابق لخطاب هلبرت الأخير في كونيغسبرغ، أعلن كورت غودل الشاب، في حلقة نقاش، عن نظريته الشهيرة «مبرهنات عدم الاكتمال»، التي أظهرت أن أي نظام صوري يتضمن حساب بيانو ولا بد أن يكون غير مكتمل، أي أن فيه قضايا صادقة لا يمكن إثباتها داخل النظام، وأنه لا يمكن أن يثبت اتساقه من داخله. وقد تلقّى هلبرت هذه النتيجة ضربة موجعة لمشروعه، لكنه ظل مخلصًا لفكرة البحث والصرامة حتى النهاية . وقد قال في خطابه الأخير في كونيغسبرغ عام 1930: «يجب أن نسعى في طلب المعرفة، وسوف نعرف» . وفي تلك المناسبة، منحته مدينة كونيغسبرغ لقب مواطن شرف .
تأثر هلبرت بإقليدس وبكانط في المدرسة التي درس فيها، وبجورج كانتور في نظرية المجموعات والأعداد الموغلة، وقد دافع عن كانتور بحرارة وقال: «لا يمكن لأحد أن يطردنا من فردوس اللانهاية الذي خلقه كانتور» . وتأثر بفيليكس كلاين وبول غوردان في الجبر، وبكل من جاء قبله في الرياضيات، لكنه تجاوزهم جميعًا. وأثّر هو في كل شيء في الرياضيات: في الجبر ونظرية الأعداد والهندسة والتحليل والمنطق والفيزياء الرياضية والتحليل الدالي وفضاءات هلبرت. وأثّر في طلاب جيل كامل، من هرمان ويل إلى جون فون نيومان، وفي مدرسة غوتنغن التي صارت مركز الرياضيات في العالم. وكتب بعد موته أحد كبار الرياضيين في بريطانيا أن «أعمال أي رياضي في العالم تقريبًا تنبع من أعمال هلبرت» .
لكن هلبرت انتُقد بشدة أيضًا. فقد اتُّهم في بداياته بأن طريقته «لاهوتية»، إذ لم يقدّم بناءً صريحًا للأشياء التي أثبت وجودها، فردّ بأن «البرهان هو الشيء»، وأن البناء يتضمن في المبدأ إذا أثبت وجوده . واتُّهم في مشروعه الصوري بأنه اختزل الرياضيات في رموز وقواعد، وأنه أهمل المعنى والحدس، وأنه لم يستطع أن ينجو من مبرهنات غودل التي أظهرت استحالة ما كان يطمح إليه. واتُّهم في السياسة بأنه لم يقف بصلابة كافية أمام صعود النازية، وأنه بعد عام 1933، حين طرد النظام النازي أساتذة غوتنغن اليهود، لم يبدِ احتجاجًا صريحًا قويًا، وظل صامتًا إلى حد كبير. وقد قال في تلك الفترة، حين سُئل عن حال الرياضيات في غوتنغن بعد أن هاجر كثيرون: «الرياضيات في غوتنغن لم تعد موجودة»، وهي عبارة تختصر مأساة مدرسته ومأساة أوروبا في تلك السنوات . لكن حتى هذه النقود لا تمس إسهامه العلمي الهائل، ولا حقيقة أنه أحد آخر الرياضيين العالميين الذين أحاطوا بكل فروع الرياضيات وأضافوا إلى كل منها.
يبقى هلبرت مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت حاضرة: ما أساس المعرفة الرياضية؟ هل يمكن أن تُبنى الرياضيات كلها على نظام صوري واحد؟ ما معنى اللانهاية؟ كيف نُوفّق بين الحدس والصرامة؟ كيف نوحّد الفيزياء في مسلّمات واحدة؟ كيف نتعامل مع المسائل التي لا نعرف بعد كيف نحلها؟ وما معنى قولنا إننا «سوف نعلم» في زمن تحكمه الشكوك والاحتمالات؟ لم يقدّم هلبرت إجابات نهائية، بل قدّم مسائل، وهذا أجدر ما يقدّمه عالم. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومؤسسًا وملهمًا، كما كان في حياته.
.jpg)
تعليقات: (0) إضافة تعليق