وُلد ديفيد هيوم في إدنبرة باسكتلندا في السادس والعشرين من أبريل عام ألف وسبعمئة وأحد عشر، في عائلة تنتمي إلى الطبقة الريفية المتوسطة، إذ كان والده جوزيف هيوم من ملاك الأراضي الصغار، وكان له أصل نبيل من نسل إيرل هيوم، غير أن ثروة العائلة كانت محدودة. مات والده وهو في الثانية من عمره، فتولّت أمه تربيته مع أخيه وأخته، وكانت امرأة ذكية وحازمة حرصت على تعليم أبنائها. درس هيوم في جامعة إدنبرة، وكانت في ذلك الوقت من أكثر جامعات أوروبا انفتاحًا على الفكر الجديد، وهناك قرأ لوك ونيوتن وبيركلي وبعض الفلاسفة الفرنسيين. ولم يتابع دراسته الأكاديمية إلى نهايتها، إذ ترك الجامعة وهو في نحو الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة ليعود إلى بيت العائلة ويبدأ في تأمل فلسفي خاص به، وكان يعاني في هذه السنوات من اكتئاب وقلق شديدين بسبب فرط التفكير والوحدة، ثم قرر أن يترك العزلة ويخالط الناس، فانتقل إلى بريستول ثم إلى فرنسا حيث كتب كتابه الأول والأهم في سنواته المبكرة.
في عام ألف وسبعمئة وتسعة وثلاثين، وهو في الثامنة والعشرين من عمره، نشر هيوم في لندن كتابه الأول «رسالة في الطبيعة البشرية» في ثلاثة أجزاء، وهو الكتاب الذي أراد أن يجمع فيه المنطق والأخلاق والسياسة والدين في نظام فلسفي واحد. لكن الكتاب سقط سقوطًا مُرًّا، إذ قيل إنه «وُلد ميتًا من المطبعة»، ولم يقرأه أحد تقريبًا، ولم يثر أي نقاش، ولم يُترجم إلى الفرنسية إلا بعد سنوات. وقد قال هيوم في سيرته الذاتية إنه لم يجد في هذا الكتاب ما يستحق أن يكتب له سطر واحد في الصحف، وإنه بقي مجهولًا في وطنه. ومع ذلك، فإن هذا الكتاب الذي لم يقرأه أحد في زمانه صار بعد قرن من موته واحدًا من أعظم الكتب في تاريخ الفلسفة، ويُقال إن كانط استيقظ من «سباته الدوغمائي» بقراءة هيوم كما قال هو نفسه. وقد أعاد هيوم صياغة أفكاره في كتب أخرى بلغة أبسط وأكثر شعبية، فكتب «مبحث في الفهم البشري» عام ألف وسبعمئة وثمانية وأربعين، و«مبحث في مبادئ الأخلاق» عام ألف وسبعمئة وواحد وخمسين، و«مقالات سياسية» عام ألف وسبعمئة واثنين وخمسين، و«تاريخ إنجلترا» في ستة مجلدات بين عامي ألف وسبعمئة وخمسة وخمسين وسبعمئة واثنين وستين، و«تاريخ الأديان الطبيعية» عام ألف وسبعمئة وخمسة وخمسين، و«حوارات في الدين الطبيعي» التي نُشرت بعد موته عام ألف وسبعمئة وسبعة وسبعين.
لم يكن هيوم فيلسوفًا أكاديميًا، إنما عاش من الكتابة والمراجعة والمرافقات والعمل في المناصب العامة. عمل سكرتيرًا للجنرال سانت كلير في بعثة عسكرية إلى البرتغال في الحرب النمساوية للخلافة، ثم كان مديرًا للمكتبة القضائية في إدنبرة، ثم وكيلًا لوزير في لندن، ثم سكرتيرًا للسفارة البريطانية في باريس بين عامي ألف وسبعمئة وثلاثة وستين وسبعمئة وستة وستين، وهناك خالط أشهر مفكري عصره: ديدرو، وروسو، ودالمبير، ومدام دي بوفوار، وهولباخ. وقد صادق روسو وأخذه معه إلى إنجلترا، لكن الصداقة انتهت إلى خصام عنيف بعد أشهر، إذ اتهمه روسو بالتآمر عليه، وهاجمه في رسائل نشرها في أوروبا، وردّ هيوم بهدوء وروح عالية. وفي سنواته الأخيرة عاد إلى إدنبرة وأقام في بيت في شارع سانت ديفيد، وكتب سيرته الذاتية في أشهر قليلة قبل موته، وتوفي في الخامس والعشرين من أغسطس عام ألف وسبعمئة وسبعة وسبعين عن ستة وستين عامًا، وكان قد كتب في سيرته أنه لم يعانِ من الموت ولا من الألم ولا من الخوف، وأنه عاش حياة هادئة ومتوازنة حتى النهاية.
كان سؤاله المركزي هو: ما أصل أفكارنا؟ وكيف نعرف؟ وما حدود المعرفة الإنسانية؟ وهل يمكن أن نُفسّر السببية والجوهر والذات والنظام الأخلاقي والدين بلا افتراضات ميتافيزيقية لا يمكن اختبارها؟ وقد بنى هيوم جوابه على أسس التجريبية البريطانية، انطلاقًا من لوك وبيركلي، لكنه انتهى إلى نتائج أكثر جذرية وأكثر إحراجًا من أسلافه، لأنه لم يكتف بنقد الميتافيزيقا، إنما قوّض أيضًا بعض البديهيات التي يقوم عليها العلم والأخلاق والدين نفسه.
بدأ هيوم بتحليل «الانطباعات» و«الأفكار»، وفرّق بينهما بأن الانطباعات هي ما يحضر في العقل بحدة وقوة، أي الإحساسات والعواطف والوجدانات، والأفكار هي صورها الباهتة التي تبقى بعد غيابها. ومن هذا الفرق استنتج أن كل فكرة لا بد أن تكون مستمدة من انطباع سابق، ومن ثم فلا يمكن أن تكون هناك أفكار فطرية ولا مفاهيم لا جذور لها في الخبرة. ومن هنا جاء نقده للمفاهيم الميتافيزيقية الكبرى: الجوهر، والعقل، والذات، والقوة، والسبب، والله. فإذا لم نجد انطباعًا مقابلًا لشيء من هذه المفاهيم، فيجب أن نُسأل: من أي انطباع أخذناها؟ وهل هي أفكار حقيقية أم مجرد كلمات بلا معنى؟
وفي كتابه «مبحث في الفهم البشري»، بنى هيوم تحليلًا مدمرًا لمفهوم السببية. فالسببية عنده لا يمكن أن نلاحظها في الأشياء نفسها، ولا يمكن أن نرى «قوة» أو «ضرورة» تربط بين السبب والنتيجة. ما نراه هو تعاقب حسي: نرى الكرة الأولى تتحرك ثم نرى الكرة الثانية تتحرك، ونرى تكرار هذا التعاقب مرات كثيرة. ومن هذا التكرار، يتولّد في النفس عادة نفسية تُجعلنا نتوقع النتيجة بعد السبب، ويولّد فينا إحساسًا بضرورة التعاقب، فنسميه «سببية»، ونظن أننا نرى ارتباطًا ضروريًا في العالم، والحقيقة أن الضرورة ليست في العالم إنما في أنفسنا، وهي أثر نفسي للتكرار لا حقيقة ميتافيزيقية. ومن هذه النتيجة جاءت المشكلة الشهيرة «مشكلة الاستقراء» أو «مشكلة هيوم»، وهي: كيف يمكن أن نستنتج من تكرار الظواهر في الماضي أنها ستتكرر في المستقبل، إذا لم نكن نملك برهانًا على أن الطبيعة ستظل ثابتة؟ لا يمكن أن نُبرر هذا الاستدلال بالاستدلال نفسه، ولا بالتجربة وحدها، فيبقى أساس الاستقراء في العادة والميل النفسي، لا في العقل ولا في الضرورة. وهذه المشكلة ستبقى مفتوحة في فلسفة العلم حتى اليوم، وقد أثارت ردودًا من كانط إلى كواين إلى كارل بوبر.
وفي «الرسالة» و«المبحث»، قدّم هيوم نظريته في الذات، وهو أشهر ما كتبه في الميتافيزيقا. فالنفس عنده ليست شيئًا ثابتًا يبقى مع الزمن، وليست جوهرًا، بل هي مجموعة من الانطباعات والأفكار المتصلة في تيار لا يتوقف. وحين ينظر الإنسان إلى نفسه، لا يجد إلا انطباعات متغيرة، لا ذات قارة. وهذه الفكرة ستفتح الباب لاحقًا لكل النقاشات في فلسفة العقل والهوية الشخصية، وستؤثر في كانط وفي فيتغنشتاين وفي دريدا وفي كل من رأى في الذات أثرًا لا جوهرًا.
وفي الأخلاق، طرح هيوم مبدءًا شهيرًا: «لا يمكن أن نستنتج من «هو» «ينبغي»، أي من قضايا وصفية عن الواقع إلى قضايا معيارية أخلاقية. فالقضايا الأخلاقية عنده لا تُستمد من العقل، إنما من العواطف والوجدانات، والعقل يخدم الأخلاق ويوضّح الطرق ويصحح الأوهام، لكنه لا يخلق القيمة. وقد قال إن «العقل عبد للعواطف»، بمعنى أن العقل يمكن أن يُخبرنا كيف نحقق ما نريد، لا أن يخبرنا ما ينبغي أن نريد. ومع ذلك، لم يكن هيوم يشك في وجود أخلاق عالمية، إذ بنى «مبحث في مبادئ الأخلاق» على مفهوم «الحس الأخلاقي» و«الموافقة العامة» و«الشعور بالخير العام»، ورأى أن الفضائل ما تُنتج لذة في المتأمل بها، وأن الرذائل ما تُنتج ألمًا، وأن البشر يمتلكون قدرًا من الإحساس المشترك يسمح لهم أن يتفقوا في أخلاقهم العامة. وقد أثر هذا الطرح في آدم سميث في كتابه «نظرية العواطف الأخلاقية» وفي المدرسة الأخلاقية التجريبية كلها.
وفي الدين، كان هيوم من أشد النقاد وأكثرهم دهاءً. كتب «تاريخ الأديان الطبيعية» و«حوارات في الدين الطبيعي» و«عن المعجزات». وفي «عن المعجزات»، قال إن الشهادة على معجزة لا يمكن أن تكون كافية للإيمان بالمعجزة، لأن المعجزة تناقض القانون الطبيعي الذي ثبت بالتجربة المتكررة، وأن شهادة الناس على المعجزات تتناقض بينها وبين بعضها في مختلف الأديان، وأن المعجزة بطبيعتها تخدم طائفة دون أخرى، فإذا أثبتت المسيحية معجزاتها فقد نفت معجزات غيرها، ولذلك لا يمكن أن نستدل بها، بل الأسلم أن نُرجّح الخطأ في الشهادة على أن نُرجّح كسر قانون الطبيعة. وفي «حوارات في الدين الطبيعي»، قدّم حجة الخالق بذكاء سخرية لا نظير لها، إذ شبّه العالم بآلة صانعها، ووضع ثلاثة متكلمين في الحوار: كليانثيس الذي يدافع عن البرهان الطبيعي، وفيلو الذي يهاجمه، ودميا الذي يتوسط، ولم يحسم الجدل، بل تركه معلقًا حتى النهاية. وقد كتم هيوم الكتاب ولم ينشره في حياته خوفًا من العواقب، ولم يُنشر إلا بعد موته عام ألف وسبعمئة وسبعة وسبعين.
وفي السياسة والاقتصاد، لعب هيوم دورًا أساسيًا. كتب «مقالات سياسية» التي صارت مرجعًا في القرن الثامن عشر، وأثّر فيها في آدم سميث صديقه المقرب، وقد قيل إن سميث لم يكن ليصبح ما صار لولا هيوم. وقد أيد التجارة الحرة والانفتاح على الأسواق، ونقد المذهب التجاري الذي كان سائدًا في عصره، وكتب عن المال والفائدة والتجارة والضرائب والسكان، ووضع كثيرًا من الأسس التي ستستعملها المدرسة الكلاسيكية في الاقتصاد. وفي السياسة، كان ليبيراليًا معتدلًا، يرى أن الحكم يستند في النهاية إلى العادة والرأي العام أكثر مما يستند إلى القوة، وأن من الصعب أن نُبرر سلطة أحد على أحد بغير مصلحة عامة.
وفي «تاريخ إنجلترا»، الذي نُشر في ستة مجلدات، صار هيوم أشهر كاتب تاريخ في أوروبا، ونال من هذا الكتاب ما لم ينله من كتبه الفلسفية، فقد باع آلاف النسخ، وأثّر في كتابة التاريخ في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ورأى فيه كثيرون أنه أول مؤرخ حديث لا يكتب التاريخ ليُمجّد ملكًا أو كنيسة، إنما ليفهم كيف حدثت الأشياء.
تأثر هيوم بجون لوك وجورج بيركلي في التجريبية، وبنيوتن في المنهج العلمي، وبمونتسكيو في السياسة والقانون، وبإسحاق نيوتن في الطبيعة، وبشافتسبري وفرنسيس هوتشسون في الأخلاق، وببيير بايل في الشك، وبالإنجليز في التجريبية والبراغماتية. وأثّر هو في كانط الذي قال إنه أيقظه من النوم الدوغمائي، وفي جيريمي بنثام وجون ستيوارت ميل وجيمس ميل في الأخلاق والنفعية، وفي آدم سميث في الاقتصاد، وفي أوغست كونت في علم الاجتماع، وفي الوضعية المنطقية بحلقة فيينا، وفي برتراند راسل في فلسفة العلم والمنطق، وفي لودفيغ فيتغنشتاين، وفي كارل بوبر وإمري لاكاتوش في فلسفة العلم، وفي أخلاقيات العاطفة في الفلسفة الأنجلوأميركية، وفي دراسات الدين والنقد الكتابي. ويُعدّ هيوم واحدًا من أكبر ثلاثة فلاسفة بريطانيين في التاريخ: مع لوك وبيركلي، وقيل إن إيمانويل كانط لم يكن ليوجد لولا هيوم.
لكنه انتُقد بشدة، ولا يزال محل جدل. اتُّهم في نظرية السببية بأنه جعل السببية عادة نفسية فقط، وأنه بذلك قوّض العلم نفسه، وأنه لا يستطيع أن يفسّر كيف يستطيع العلم أن يتوقع نتائج جديدة، فردّ من بعده كثير من الفلاسفة بأن العلم يعمل على أساس احتماليات لا على أساس ضرورة، وأن السببية يمكن أن تُفهم بوصفها افتراضًا منهجيًا لا حقيقة ميتافيزيقية. واتُّهم في الأخلاق بأنه جعل الأخلاق عواطف ومشاعر فقط، وأنه لا يمكن أن يفسر كيف نُدين فعلًا أخلاقيًا في مجتمع يرضى به، وأنه لا يقدم معيارًا موضوعيًا للخير والشر، فردّ عليه كانط بفكرة الواجب العقلي، وردّ عليه آخرون بالعودة إلى القيم الموضوعية أو إلى الحقوق الطبيعية. واتُّهم في الدين بأنه كان ملحدًا أو لا أدريًا مخفيًا، وأنه انتقد الأديان من وراء ستار، وأن «حوارات في الدين الطبيعي» ليست بحثًا محايدًا بل عمل إلحادي، فردّ بعض الباحثين بأنه لم يكن ملحدًا بالمعنى المعروف، بل كان لا أدريًا يرفض الجزم، وأنه أبقى مجالًا لفكرة وجود خالق لا يمكن إثباته ولا نفيه. واتُّهم في السياسة بأنه كان محافظًا في بعض المواقف، وأنه لم يتحمّس للثورة الفرنسية ولا للإصلاحات الجذرية، وأنه كان يخشى الفوضى أكثر مما يأمل في التغيير، فردّ آخرون بأنه لم يكن محافظًا بل ليبيراليًا عمليًا، وأنه رأى أن التغيير يجب أن يأتي بالعقل والعادة لا بالعنف. واتُّهم في التاريخ بأنه كتب تاريخًا بريطانيًا من منظور حزبي، وأنه أنصف التوري أكثر من اليمين الليبرالي، وأنه في بعض المواضع قدّم انحيازات سياسية على الدقة التاريخية.
يبقى هيوم مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت مفتوحة: ما أصل أفكارنا؟ كيف نعرف السببية إذا لم نرها؟ كيف نستنتج من الماضي إلى المستقبل بلا ضمان؟ ما هي الذات؟ وهل هي جوهر أم تيار؟ ما العلاقة بين العقل والعاطفة في الأخلاق؟ كيف نُفكّر في المعجزة في زمن العلم؟ كيف نبني سياسة بلا أساطير؟ وكيف نكتب تاريخًا لا تمجيد فيه؟ لم يقدّم هيوم وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن الشك ليس هدمًا بل بداية الفهم، وأن أسئلة المعرفة ليست أسئلة أكاديمية بل أسئلة عن حدود العقل نفسه، وأنه لا يمكن أن نُفكّر بلا أن نتحمّل غياب اليقين. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومركزيًا ومقلقًا، كما كان في حياته.
تعليقات: (0) إضافة تعليق