وُلد جون ستيوارت ميل في لندن في العشرين من مايو عام ألف وثمانمئة وستة، في واحدة من أشد البيوت الفكرية صرامة في تاريخ الفكر الحديث. كان والده جيمس ميل اقتصاديًا ومؤرخًا وفيلسوفًا اسكتلنديًا من أتباع جيريمي بنثام ومنظرًا نفعيًا صارمًا، وكان قد قرر أن يربّي ابنه تربية تجريبية شاملة لا مثيل لها. فبدأ يُعلّمه اليونانية وهو في الثالثة، واللاتينية في الثامنة، ثم التاريخ والرياضيات والمنطق والاقتصاد السياسي والفلسفة قبل أن يبلغ الرابعة عشرة. ولم يدخل جون ستيوارت أي مدرسة ولا جامعة، بل تلقّى تعليمه كله على يد والده، ولم يخالط الأطفال إلا نادرًا. وقد قال في سيرته الذاتية إنه لم يكن له طفولة بالمعنى المعتاد، وأنه بدأ حياته بلا حب طفولي ولا رفقة أقران، وأنه كان يقرأ ما يقرأه الكبار قبل أن يعرف كيف يعيش مع أقرانه. هذا البيان وحده يكفي لنفهم أن حياته الفكرية كلها يمكن أن تُقرأ بوصفها محاولة للخروج من عباءة الأب ومن منظومة بنثام، ومن ثم صياغة نفعية جديدة أكثر إنسانية وأكثر انفتاحًا على الحرية والفردية والشك.
كان الأب يريده أن يكون خليفته في قيادة الحركة النفعية الراديكالية، فأخذه إلى فرنسا وهو في الرابعة عشرة ليدرس الكيمياء والرياضيات عند صمويل راي، وزار معه مونتسكيو وبعض علماء العصر، ثم عمل في مكتب الهند البريطانية في لندن في سن السابعة عشرة، وظل فيه خمسة وثلاثين عامًا، حتى أصبح رئيسًا لمكتب المراسلات الهندية، وكان يعمل فيه بلا حماسة، وكان يصف وظيفته بأنها «وظيفة كتابية صغيرة»، لكنها كانت تمنحه رزقًا ووقتًا للفكر، وقد كان دائمًا يقول إن الحياة العامة الحقيقية هي حياة الكتابة والنقاش، لا حياة المنصب. وفي عام ألف وثمانمئة وستة وعشرين، حين كان في العشرين، تعرّض لانهيار نفسي حاد أسماه «أزمة العقل»، إذ استيقظ صباحًا وسأل نفسه: لو تحققت كل غاياتك في الإصلاح، ولو تغيرت القوانين وانتشرت السعادة، هل سأكون سعيدًا؟ فوجد نفسه يقول: لا. وحينها أدرك أن كل تربيته كانت قد بنت آلة استدلالية لا إنسانًا، وأنه بحاجة إلى تربية العواطف لا العقل فقط. وقرأ في هذه الفترة أشعار وردزورث، وقال إنها شفيته، فصارت الموسيقى والشعر والعاطفة جزءًا أساسيًا من فلسفته بعد ذلك.
عاش ميل حياة هادئة، لكنها كانت حافلة بالكتابة والنقاش والمراسلات، وعمل في البرلمان مرة واحدة في حياته نائبًا عن وستمنستر بين عامي ألف وثمانمئة وخمسة وستين وثمانمئة وثمانية وستين، حيث دعا إلى حق المرأة في التصويت، وإلى إصلاح أيرلندا، وإلى تمثيل العمال، وإلى تحسين شروط السكن والتعليم. لكن الحدث الأكبر في حياته الشخصية كان لقاؤه بهارييت تايلور في عام ألف وثمانمئة وثلاثين، وهي امرأة متزوجة وأم لثلاثة أطفال، فصار صديقها ورفيقها في النقاش والكتابة نحو عشرين سنة، ثم تزوجها بعد موت زوجها عام ألف وثمانمئة وواحد وخمسين، وظلا معًا حتى وفاتها عام ألف وثمانمئة وثمانية وخمسين. وقد قال في سيرته إنها كانت «شريكة كل أفكاره»، وأن كتابه «عن الحرية» لا يمكن أن يُفهم بدونها، وإن «استعباد المرأة» كتبته بالاشتراك معها، وإن ما كتبه في حياته الأخيرة كان يشبه ما كتبته هي من قبل في مقالتها عن تحرير المرأة. وقد أثّر فيها أيضًا، ثم توفي هو في أفينيون بفرنسا في الثامن من مايو عام ألف وثمانمئة وثلاثة وسبعين، ودُفن إلى جوارها في أفينيون.
كان سؤاله المركزي هو: ما حدود سلطة المجتمع على الفرد؟ وهل يمكن أن نُبرّر تقييد حرية إنسان لأنه يُضرّ نفسه فقط؟ وما الذي يجعل الفرد مستقلًا في عالم يفرض عليه العرف والدين والرأي العام والسلطة؟ ثم سؤال آخر: لماذا تُستبعد المرأة من الحياة العامة، وما الذي يبرر هذا الاستعباد؟ ثم سؤال ثالث: كيف نُصوغ مذهبًا نفعيًا لا يُلغي الحرية الفردية في حساب السعادة؟ وقد أجاب عن هذه الأسئلة الثلاثة في ثلاثة كتب صارت من أعظم ما كتب في الفكر السياسي والأخلاقي في القرن التاسع عشر: «عن الحرية» عام ألف وثمانمئة وتسعة وخمسين، و«الاستبداد في العصر الحاضر» عام ألف وثمانمئة وستين، و«استعباد المرأة» عام ألف وثمانمئة وتسعة وستين.
في «عن الحرية»، وهو أشهر كتاب كتبه وأكثرها تأثيرًا في التاريخ السياسي الحديث، بدأ ميل من مبدأ واحد وسمّاه «مبدأ الضرر»، وهو أن السلطة لا يجوز أن تُمارس على فرد ضد إرادته إلا لمنع ضرر يلحقه بالآخرين، أما ما يخص الفرد وحده فلا يجوز أن يُفرض عليه، حتى لو كان الأغلبية ترى أنه غلط أو خطأ أو شر. وقد ميّز بين «الحرية المدنية» أو الاجتماعية، وهي مجال الفكر والتعبير والاعتقاد والدين والصحافة والاجتماع والتنقل، و«الحرية الشخصية» أو الفردية، وهي مجال اختيار نمط الحياة والمهنة والذوق والزواج والعلاقات. ورأى أن الناس قد يعرفون خطأ الفرد في اختياره لحياته، لكنهم لا يملكون حق إجباره على تغييرها، لأن هذا الإجبار يقتل الإبداع والاستقلال والتجريب، وهي أعظم مصادر تقدم الإنسانية. وقال جملته الشهيرة: «إن استبداد الأغلبية ليس أقل قسوة من استبداد الحكام، وإنه لا يمكن أن يكون هناك مجتمع حر إذا لم يكن فيه أفراد أحرار في التعبير والاعتقاد والفكر». وأضاف أن الاستبداد الجديد لا يأتي من الحكومة فقط، إنما يأتي أيضًا من المجتمع نفسه: من العرف، والرأي العام، والصحافة، والتربية، والدين، والطبقة. وقال إن المجتمعات الديمقراطية يمكن أن تكون مستبدة إذا فرضت الأغلبية نمطًا واحدًا للحياة على الجميع، وإن مهمة الفيلسوف السياسي ليست تقييد الحرية، إنما الدفاع عنها حتى حرية من نختلف معه في الرأي، وخاصة من نختلف معه.
وهذا الكتاب، رغم مرور أكثر من قرن ونصف عليه، ما زال مرجعًا أساسيًا في النقاشات الحديثة حول حرية التعبير وحدود التدخل الحكومي والحقوق الفردية والدينية والجنسية، ويُستشهد به في النقاشات القانونية والدستورية في كثير من البلدان، ويُدرَّس في كليات الحقوق والعلوم السياسية والفلسفة في العالم كله.
في «الاستبداد في العصر الحاضر»، وسّع ميل فكرة الحرية، وبدأ ينظر إلى قضية أخرى: لماذا لا يشارك العمال في الرأي العام؟ وهل الديمقراطية التمثيلية كما هي قائمة في بريطانيا ديمقراطية حقيقية؟ ورأى أن الديمقراطية الحديثة يمكن أن تكون «استبداد الأغلبية» بمعنى جديد، إذ إن الطبقة العاملة، وهي الأغلبية العددية، يمكن أن تحكم بالعدد لكنها قد لا تكون مستنيرة بالتعليم، وقد لا تكون مؤهلة لحكم نفسها بعد، وأن مشكلة الطبقة العاملة ليست في قلة العدد إنما في قلة التعليم والاستقلال. وقد دافع عن حق العمال في التنظيم النقابي والإضراب، وعن ضرورة مشاركتهم في الأرباح والملكية، ورأى أن الرأسمالية يجب أن تُعدَّل لصالح العمال، وأن «الملكية المشتركة» في الشركات يمكن أن تكون حلًّا مستقبليًا لصراع الطبقات. وقد تأثر بسان سيمون وأوغست كونت في فكرة التنظيم الاجتماعي، لكنه انفصل عنهما في مسألة الحرية. ومع ذلك ظل مخلصًا لفكرة الحرية الفردية بوصفها شرطًا لأي إصلاح اجتماعي حقيقي.
وفي «استعباد المرأة»، وهو الكتاب الذي كُتب جزؤه الأول بيد هارييت تايلور، وجزؤه الثاني بيد ميل، دافع عن المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في الحقوق والتعليم والعمل والتصويت والملكية. ورأى أن ما نسميه «طبيعة المرأة» ليس طبيعة فطرية إنما نتاج تربية وقوانين وعادات فرضتها سلطة الرجل، وأن استعباد المرأة لم يكن فقط ظلمًا للمرأة ‘إنما أيضًا خسارة للمجتمع، لأنها حرمته من نصف عقله ونصف طاقته ونصف خبرته. وقدّم حججًا قانونية واجتماعية ونفسية واقتصادية على ضرورة تحرير المرأة، وكان هذا الكتاب من أوائل النصوص في تاريخ الفكر الحديث التي تُعالج قضية المرأة بهذا الشكل الشامل، ويُعدّ حتى اليوم أحد أسس الفكر النسوي. وقد بيع منه في العام الأول آلاف النسخ، وتُرجم إلى الفرنسية والألمانية والهولندية والروسية وغيرها، وأثّر في حركات المطالبة بحق المرأة في أوروبا وأمريكا.
ومن أهم كتبه الأخرى «مبادئ الاقتصاد السياسي» عام ألف وثمانمئة وثمانية وأربعين، و«فلسفة سير ويليام هاملتون» عام ألف وثمانمئة وستين وخمسة، و«امتحان فلسفة سير ويليام هاملتون» عام ألف وثمانمئة وخمسة وستين، و«أوغست كونت والفلسفة الوضعية» عام ألف وثمانمئة وستة وستين، و«عن النفعية» عام ألف وثمانمئة وثلاثة وستين، و«سيرة ذاتية» نُشرت بعد وفاته عام ألف وثمانمئة وثلاثة وسبعين. في «عن النفعية»، قدّم ميل تفسيرًا معدّلًا للمذهب النفعي، وأدخل فيه تمييزًا جديدًا بين اللذات من حيث النوع وليس من حيث المقدار فقط، وقال إن لذة العقل والوجدان والمشاعر النبيلة أعلى من لذة الجسد والمال، وأن من جرّب النوعين لا يمكن أن يفضّل الأدنى على الأعلى، وإنه إذا فعل ذلك فإما أنه لا يعرف الأعلى أو أنه فقد القدرة عليه. وبهذا رفع ميل المذهب النفعي من ماديته الأولى وجعله أكثر انفتاحًا على القيم الروحية والأخلاقية والفنية، دون أن يتخلى عن أساسه في مبدأ النفع. وقد أثارت هذه التعديلات جدلًا واسعًا في الأوساط الفلسفية، حتى إن بعض النقاد قالوا إن ميلًا لم يعد نفعيًا بالمعنى الذي حدده بنثام.
وفي المنطق والمعرفة، كان ميل من أبرز أنصار «المدرسة التجريبية البريطانية»، إذ كتب «نظام منطقي» عام ألف وثمانمئة وثلاثة وأربعين، وهو كتاب ضخم في المنطق والاستقراء، حاول فيه أن يبني قواعد الاستدلال العلمي على أساس من التجربة والتحقق الحسي، وأن يفسّر الاستدلال الاستقرائي بأنه التعميم من حالات جزئية متكررة. وقد قال فيه إن كل معرفة تجريبية، وإن الرياضيات نفسها لا تحتاج إلى فروض قبلية كما قال كانط، إنما هي تعميمات من التجربة. وهذا الموقف سيثير عليه نقدًا شديدًا من فلاسفة الرياضيات والمنطق في القرن العشرين، لكنه سيصبح في الوقت نفسه أساسًا مهمًا لفلسفة العلم التجريبية وللمذهب التجريبي في نظرية المعرفة.
تأثر ميل بوالده جيمس ميل، وبجيريمي بنثام في النفعية، وبجون لوك وديفيد هيوم في التجريبية، وبآدم سميث وريكاردو في الاقتصاد، وبمونتسكيو في فلسفة القانون، وبسان سيمون وأوغست كونت في فكرة التطور الاجتماعي، وبوليام وردزورث في الشعر والعاطفة. وأثّر هو في الفلسفة الأخلاقية والسياسية، وفي الحركات الليبرالية والنسوية والعمالية، وفي الاقتصاد السياسي، وفي المنطق والمنهج العلمي، وفي الفكر الأميركي عبر تأثيره في جون ديوي ووليام جيمس، وفي الفكر الأوروبي عبر تأثيره في نيتشه وتوكفيل وكونستان وسوريل وغيرهم. ويُعدّ ميل واحدًا من أعظم المدافعين عن الحرية الفردية في تاريخ الفكر الحديث، ومن أكثر من أثر في صياغة الفكر الليبرالي الديمقراطي في القرن التاسع عشر والعشرين.
لكنه انتُقد بشدة، ولا تزال نقوده أساسية. اتُّهم في «عن الحرية» بأنه بنى نظرية على مبدأ الضرر دون أن يعرّف الضرر تعريفًا واضحًا، وأنه لا يمكن أن نحدد بدقة ما الذي يُعتبر ضررًا على الآخرين وما لا يُعتبر، وأن أي فعل يمكن أن يُقال إنه يُضرّ المجتمع بصورة غير مباشرة، فتنفتح الباب لتدخل لا نهائي. واتُّهم بأن حرية التعبير التي دافع عنها قد لا تكون عملية في المجتمعات التي تنقصها التربية والحد الأدنى من العقلانية العامة، وأنه كان متفائلًا في تقدير قوة العقل في مواجهة الجهل والخوف والتعصب. واتُّهم في النفعية بأنه تناقض مع نفسه حين أضاف تمييز «نوع» اللذة على «مقدارها»، لأن هذا التمييز لا يستقيم مع أساس النفع الحسابي، وأنه بذلك أراد أن يجمع بين نفعية بنثام وأخلاق الواجب الكانطية، فوقع بين المذهبين. واتُّهم في الاقتصاد بأنه ظل أسيرًا للاقتصاد الكلاسيكي في مسائل كثيرة، وأنه لم يستطع أن يتوقع التطورات الكبرى للرأسمالية الحديثة والاحتكارات والأزمات الدورية. واتُّهم في المنطق بأنه حاول أن يُردّ الرياضيات إلى التجربة، وأنه بذلك لم يفهم طبيعة البرهان الرياضي. واتُّهم في السياسة بأنه كان إصلاحيًا متفائلًا يظن أن التعليم والتصويت والعقلانية العامة كافية لحل الصراع الطبقي، بينما رأى ماركس أن الصراع الطبقي لا يمكن أن يُحَل بالإصلاح التدريجي. واتُّهم في مسألة المرأة بأنه رغم موقفه المتقدم كان يرى المرأة بحاجة إلى الحماية والعناية من الرجل، وأن كتابه مع هارييت تايلور لم يخلُ من نبرة أبوية، وأنه لم يصل إلى تصور كامل للتحرر النسوي كما نعرفه اليوم.
يبقى ميل مهمًا اليوم لأن أسئلته لم تُغلق: ما حدود سلطة المجتمع على الفرد؟ كيف نحمي حرية التعبير في زمن الأخبار الكاذبة والكراهية؟ كيف نوفّق بين مبدأ النفع وحقوق الفرد؟ كيف نوازن بين الأغلبية والأقلية في المجتمعات الديمقراطية؟ كيف نبني اقتصادًا يوزع الفائض بلا استعباد؟ ما موقع المرأة في الحياة العامة، وكيف نحقق المساواة الكاملة؟ كيف نبني منطقًا علميًا بلا يقين مطلق؟ وكيف نُربّي أطفالًا بلا أن نُكرّر تربية قاسية تُنتج عقولًا بلا قلوب؟ لم يقدّم ميل وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن الحرية ليست ترفًا فكريًا إنما شرط للحياة، وأن اختلاف الناس ليس خطرًا على المجتمع إنما هو ثروته، وأنه لا يمكن أن نطلب من إنسان أن يكون حرًّا إذا لم نعطه ما يكفيه من تعليم وكرامة وفرصة. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومؤثرًا وملهمًا، كما كانت حياته كلها.
تعليقات: (0) إضافة تعليق