آخر الأخبار

جون ديوي

+حجم الخط-


وُلد جون ديوي في برلينغتون بولاية فيرمونت في العشرين من أكتوبر عام ألف وثمانمئة وتسعة وخمسين، في عائلة تنتمي إلى الطبقة الوسطى الريفية في نيوإنغلاند، إذ كان والده بقالًا صغيرًا، وكانت أمه امرأة متدينة مثقفة حرصت على تعليم أبنائها. نشأ ديوي في بلدة صغيرة تحكمها قيم العمل والاعتماد على الذات والجماعة المحلية، وهي قيم ستبقى حاضرة في فكره التربوي والسياسي حتى آخر حياته، حتى إنه قال لاحقًا إن تجربته في بلدة صغيرة في فيرمونت كانت هي الأساس الأول لفهمه معنى الديمقراطية، ليس بوصفها نظامًا سياسيًا فقط، إنما بوصفها طريقة في الحياة. 

درس في جامعة فيرمونت، وتخرج فيها عام ألف وثمانمئة وتسعة وسبعين، ثم انتقل إلى جامعة جونز هوبكنز ليدرس الفلسفة، وهناك تتلمذ على يد جورج سيلفستر موريس الذي كان هيغليًا، وعلى يد ج. ستانلي هول في علم النفس، وحصل على الدكتوراه عام ألف وثمانمئة وأربعة وثمانين بأطروحة عن فلسفة كانط. وكانت سنواته الأولى في الفلسفة هيغلية الطابع، إذ كان يرى أن الواقع كلًا واحدًا متدرجًا، وأن العقل والفكر والوجود مراتب في حركة واحدة، ولم يتخلَّ عن هذا التصور دفعة واحدة، إنما تحوّل منه تدريجيًا إلى مذهب عملي في المعرفة والفعل، حتى صار واحدًا من أشهر أعداء المطلقات الفلسفية في القرن العشرين.


درّس ديوي في جامعة ميشيغان ثم في مينيسوتا ثم في شيكاغو، حيث كان أهم مرحلة في حياته الفكرية. وفي عام ألف وثمانمئة وتسعين وأربعة وتسعين أسّس مع زوجته أليس شيبمان ديوي «المدرسة المختبرية» في شيكاغو، وهي مدرسة تجريبية صارت واحدة من أهم مشروعاته وأكثرها أثرًا، إذ أراد أن يجعل منها مختبرًا حقيقيًا لاختبار أفكاره في التربية، وحيث يبدأ التعلم من حياة الطفل وميوله وخبرته المباشرة، لا من المناهج الجاهزة والتلقين من أعلى. 

عملت المدرسة على الربط بين المواد الدراسية والخبرة العملية، وبين المعرفة والصناعة والفن والحياة اليومية، وكانت تجربة تربوية فريدة في زمنها. لكنها انتهت بخلاف مع إدارة الجامعة عام ألف وتسعمئة وأربعة، فترك ديوي شيكاغو وانتقل إلى جامعة كولومبيا في نيويورك، حيث بقي حتى تقاعده عام ألف وتسعمئة وثلاثين، وكانت كولومبيا في تلك الفترة أكبر مركز للمثالية البراغماتية في العالم، وفيها درّس جيلًا كاملًا من التربويين والمفكرين من مختلف دول العالم، وخاصة من الصين واليابان وتركيا وأميركا اللاتينية، فصارت أفكاره التربوية أساسًا لإصلاحات تعليمية في كثير من بلدان العالم.


كان سؤاله المركزي هو: كيف نعرف؟ وكيف نتعلم؟ وكيف نُصبح أفرادًا في جماعة ديمقراطية؟ وكيف تجتمع الخبرة والعمل والمعرفة والفكر في نسيج واحد؟ وقد بنى مشروعه على نقد جذري لتصورين شائعین: 

الأول هو تصور المعرفة بوصفها تأملًا نظريًا على المتعلم أن يستقبله، والثاني هو تصور التربية بوصفها نقل معلومات من جيل إلى جيل. وبدلًا من ذلك، طرح فكرة أن المعرفة فعل عملي يحدث حين يواجه الإنسان مشكلة في تجربته فيحاول حلها، وأن التعلم هو إعادة تنظيم الخبرة باستمرار، وأن التربية ليست إعدادًا للحياة بل هي الحياة نفسها. وفي محور هذا المشروع يقف مفهوم «الخبرة» بوصفه المفهوم المركزي في فلسفته كلها، ليس بمعنى التجربة الحسية وحدها، ولا بمعنى الخبرة المتراكمة فقط، إنما بمعنى تفاعل حي بين الفاعل وبيئته، تتحول فيه البيئة ويُعاد تشكيل الفاعل في الوقت نفسه.


في مقالته «مفهوم القوس الانعكاسي في علم النفس» عام ألف وثمانمئة وتسعين، هاجم ديوي التصور الذي يقسم السلوك إلى ثلاثة أجزاء: منبه ثم إحساس ثم استجابة. ورأى أن هذه القسمة الثلاثية تفصل ما هو متصل في الواقع، وأن السلوك وحدة عضوية دائرية، لا خط مستقيم من منبه إلى استجابة، وأن رد الفعل نفسه يعيد تشكيل ما يستقبله الفاعل، فيتغير المنبه في أثناء التفاعل. ومن هنا انفتح له باب إلى تأسيس علم النفس الوظيفي، الذي يدرس العقل بوصفه نشاطًا وظيفيًا في بيئة، لا كجهاز مغلق يبحث داخله عن أجزائه. وقد كان لهذا الرفض للثنائيات، بين العقل والجسد، وبين الذات والموضوع، وبين الفكر والفعل، أثر عميق في كل ما كتبه بعد ذلك.


وفي عام ألف وتسعمئة وعشرة نشر كتابه «كيف نفكر»، وهو كتابه الأكثر انتشارًا على مستوى العالم، وفيه صاغ ما يُعرف بـ«التفكير التأملي» أو «التفكير التأملي المنظم». رأى ديوي أن التفكير لا يبدأ من فراغ ولا من مجرد شك عام، إنما من موقف غامض يوقعنا في حيرة، ويوقف مسار عادتنا، ويعطل قدرتنا على الفعل المباشر. ومن هذه الحيرة، يبدأ الباحث في تحديد المشكلة، ثم يصوغ الفروض، ثم يختبرها في الخبرة، ثم يستخلص النتائج ويعيد تنظيم معرفته السابقة. فالتربية عنده ليست تلقين إجابات، إنما تدريب على عادة البحث، وعلى القدرة على طرح السؤال قبل أن نُطالب بالجواب. وقال إن ما نحتاج أن نعلمه للأطفال ليس المعلومات فقط، إنما كيف يفكرون، لأن المعلومات تتغير والعقل الذي يعرف كيف يبحث لا يتغير. وهذا الكتاب صار أساسًا لكل حركة تربوية إصلاحية في العالم في القرن العشرين، وترجم إلى العربية مبكرًا، وظل يُدرّس في المعاهد التربوية العربية لعقود.


لكن كتابه الأكبر في التربية هو «الديمقراطية والتربية» عام ألف وتسعمئة وستة عشر، الذي يُعدّ واحدًا من أهم كتب التربية في التاريخ. في هذا الكتاب، يربط ديوي بين التربية والديمقراطية ربطًا جوهريًا، ويرى أن الديمقراطية ليست فقط شكلًا من الحكم إنما «طريقة في الحياة» تقوم على المشاركة والمصالح المشتركة والتفاعل الحر بين الجماعات. والمجتمع الديمقراطي يحتاج إلى تربية ديمقراطية تُخرّج مواطنين قادرين على التفكير المستقل والمشاركة في القرار والعمل الجماعي، لا مواطنين يطيعون ويلتزمون. وقد انتهى إلى أن غاية التربية هي «النمو» ذاته، لا غاية خارجية تأتي من بعد، أي أن التربية هي عملية مستمرة بلا نهاية، وأنه لا يوجد وقت ينتهي فيه الإنسان من التعلم. وبهذا رفض الفصل الذي كان سائدًا بين التربية المهنية والتربية الليبرالية، ورأى أن كل تربية ينبغي أن تكون عملية وليبرالية في الوقت نفسه، لأن أي عمل حقيقي فيه فكر، وأي فكر حقيقي فيه عمل.


وفي «إعادة البناء في الفلسفة» عام ألف وتسعمئة وعشرين، و«الخبرة والطبيعة» عام ألف وتسعمئة وخمسة وعشرين، و«البحث عن اليقين» عام ألف وتسعمئة وتسعة وعشرين، بنى ديوي نظريته في المعرفة والطبيعة والأخلاق. فقد رأى أن الفلسفة ظلت قرونًا تبحث عن يقين مطلق في عالم متغير، وأنها سعت إلى معرفة ثابتة أبدية بدلًا من أن تواجه العالم كما هو، متغيرًا ومخاطرًا وتجربة. وسمّى هذا السعي «مذهب اليقين»، ورأى أنه يجب استبداله بمنهج «الاستقصاء» أي البحث الذي يبدأ من مشكلة ويجرّب ويراجع ويسير مع الخبرة في تطورها. وفي «الخبرة والطبيعة» طرح ما سماه «النزعة الطبيعية التجريبية»، ورأى أن الخبرة ليست حاجزًا بيننا وبين الطبيعة، بل هي الطريقة التي نكون فيها في الطبيعة ونتفاعل معها، وأن الفكر ليس شيئًا مفارقًا للطبيعة إنما أرقى صور التنظيم فيها. ولم يكن متدينًا بالمعنى التقليدي، وقد أثارت كتاباته عن الدين جدلًا واسعًا، إذ كان يرى أن القيم الدينية لا تعتمد على الميتافيزيقا ولا على الكنيسة، إنما على تجربة إنسانية يمكن أن تُبنى على أساس ديمقراطي وعلمي.


وفي «الفن بوصفه خبرة» عام ألف وتسعمئة وأربعة وثلاثين، قدّم واحدًا من أعظم كتبه في الجمال. ورأى أن الجمال ليس شيئًا مفارقًا للخبرة اليومية، إنه صفة تظهر حين تصل الخبرة إلى كمالها، فتصبح مُرْضية في نفسها حتى لو لم يكن لها غرض خارجي. ورفض الفصل الكانطي بين الفن واللذة والمنفعة والعمل، ورأى أن الفن هو أعلى صور الخبرة لأن فيه تتكامل الوسيلة والغاية، والفعل والنتيجة، والعمل واللذة. وقال إن أي عمل، حتى عمل الفلاح والحداد، يمكن أن يكون فنيًا إذا اكتمل في خبرة، وأي لوحة عالمية يمكن أن تكون خالية من الفن إذا كانت فقط استعراضًا تقنيًا. وبهذا القول جعل للفن مكانًا في كل حياة، لا في المتاحف وحدها.


وفي «الجمهور ومشكلاته» عام ألف وتسعمئة وسبعة وعشرين، طرح سؤالًا سياسيًا عميقًا: ما هو الجمهور؟ وكيف يمكن أن يوجد جمهور حقيقي في مجتمع حديث صناعي واسع لا يعرف فيه المواطن جاره؟ ورأى أن الديمقراطية الحديثة تعاني أزمة العمومية، إذ صار الجمهور مبعثرًا وغير منظم، وأن الإعلام والصناعة والحزب والأيديولوجيا أنتجت «جمهورًا مظلّلًا» لا يعرف مشكلاته ولا يستطيع أن يشارك في حلها. ودعا إلى «العمومية المتمثلة»، أي عمومية قادرة على أن تدرك مشكلاتها وتنتج وسائل لمواجهتها، ورأى أن الديمقراطية ليست شكلًا جاهزًا يُمنح من أعلى بل صناعة مستمرة تحتاج إلى تربية ومشاركة وصبر طويل. ولهذا يُعدّ هذا الكتاب من أكثر كتب ديوي حياة في نقاشاتنا المعاصرة حول الإعلام والرأي العام والمجتمع المدني والديمقراطية الرقمية.


ولم تقتصر حياته على الأكاديمية، إنما كان واحدًا من أكثر المفكرين انخراطًا في الشأن العام في عصره. سافر إلى اليابان عام ألف وتسعمئة وتسعة عشر، ثم إلى الصين التي قضى فيها عامين منذ عام ألف وتسعمئة وتسعة عشر وحتى ألف وتسعمئة وواحد وعشرين، في ذروة حركة الثقافة الجديدة، حيث صار واحدًا من أكثر الفلاسفة الأجانب تأثيرًا في الصين، وكان اسمه مرتبطًا بمدرسة «التعليم الجديد» و«الجامعة الحديثة» في الصين واليابان. وسافر إلى تركيا عام ألف وتسعمئة وأربعة وعشرين ليقدم مشورة في إصلاح التعليم، وإلى المكسيك عام ألف وتسعمئة وستة وعشرين، وإلى الاتحاد السوفييتي عام ألف وتسعمئة وثمانية وعشرين حيث رأى التجربة السوفييتية من الداخل وخرج منها موقفًا حائرًا بين إعجاب بالإنجاز التعليمي ونقد للاستبداد السياسي. وفي عام ألف وتسعمئة وسبعة وثلاثين ترأس لجنة للتحقيق في الاتهامات الموجهة إلى ليون تروتسكي في محاكمات موسكو، وأصدرت اللجنة قرارًا تاريخيًا اعتبرت فيه أنه لم يستطع إثبات التهم المنسوبة إلى تروتسكي. وقد أثار هذا الموقف ضده هجومًا واسعًا من الشيوعيين الأميركيين والحزبيين، لكنه لم يتراجع.


تأثر ديوي بهيغل في بداياته، وبداروين في نظرية التطور وخضوع الإنسان للبيئة، وبوليام جيمس وتشارلز بيرس في البراغماتية، وبجورج ميد في علم النفس الاجتماعي، وبكل تقليد الفكر الأميركي الديمقراطي. وكان زميلًا ومناظرًا لجوزايا رويس في كولومبيا، الذي رأى أن المطلق يحتوي كل شيء. وأثّر ديوي في الفكر التربوي والاجتماعي في العالم كله تأثيرًا يكاد يكون بلا منافس: في حركات التعليم الحديث في أوروبا والصين واليابان والهند وأميركا اللاتينية وتركيا ومصر، وفي فلسفة التربية عند وليم كيلباتريك وبويد بويد وريتشارد روشمان، وفي علم الاجتماع الأميركي، وفي نظرية الإعلام والديمقراطية، وفي فلسفة القانون، وفي مدرسة شيكاغو للفلسفة العملية. وكان من مؤسسي «الحزب الاشتراكي الأميركي» في شبابه، ثم صار من أبرز دعاة الليبرالية الإصلاحية في نهاية حياته، ورفض الماركسية السوفييتية كما رفض رأس المال غير المنضبط.


لكن ديوي انتُقد بشدة، ولا يزال محل جدل. اتُّهم بالتعليم التقدمي الذي أُخِذ عنه أسوأ ما فيه، إذ رأى كثيرون أن «التعلم بالعمل» إذا أُسيء تطبيقه أدى إلى إضعاف المناهج والمواد الأساسية، وأن مدرسة ديوي التجريبية تصلح لمدرسة خاصة صغيرة لا لنظام تعليمي وطني. واتُّهم بأنه لم يقدّم نظرية واضحة في القيم، وأن نسبيته في المعرفة أفضت إلى تدمير المعيار الأخلاقي، وأنه لا يمكن أن تقوم تربية على أساس «الخبرة» بلا معيار واضح لما يمكن أن يكون خبرة تربوية وما لا يكون. 

واتُّهم في السياسة بأنه كان ساذجًا في فهم الصراع الطبقي، وأن البراغماتية عنده تطبيقية تخدم النظام الأميركي كما هو، وأنه لم يعترف بما يكفي للصراع والسلطة في المجتمع. وهاجمه اليساريون بأنه إصلاحي يريد تجميل الرأسمالية، وهاجمه المحافظون بأنه يميع المعايير ويفتت التقاليد ويفتح بابًا لفوضى تربوية. كما اتُّهم بأن دعوته إلى الديمقراطية لم تعالج مشكلة القوة والتفاوت الطبقي والعرقي في المجتمع الأميركي، وأنه وقف متحفظًا في قضايا العرق في سنواته الأخيرة رغم انخراطه في قضايا الحرية الأكاديمية.


يبقى ديوي مهمًا اليوم لأن أسئلته لا تزال حاضرة في كل نقاش تربوي وسياسي: ما غاية التربية؟ هل هي نقل المعرفة أم تكوين القدرة على التفكير؟ كيف نجعل المدرسة مكانًا للحياة لا للإعداد للحياة؟ كيف نبني ديمقراطية حقيقية في زمن الإعلام المضلل والتفاوت العميق؟ كيف نجمع بين العلم والديمقراطية والأخلاق بلا أن نُغلق باب النقاش؟ كيف نفكر في الفن بوصفه خبرة لا زينة؟ وكيف نحافظ على معنى الجمهور في عالم متشظٍّ؟ لم يقدم ديوي وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن التربية هي أخلاق عملية، وأن الديمقراطية ليست نظامًا نمنحه إنما عادة نتعلمها، وأن الفكر ليس نظرة إلى العالم من برج عالٍ، إنما فعل نحاول به أن نصلح ما نجد فيه من مشكلات. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا وعمليًا ومتسامحًا، كما كانت حياته كلها.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي