آخر الأخبار

بول ريكور

+حجم الخط-



وُلد بول ريكور في فالنس بفرنسا عام ألف وتسعمئة وثلاثة عشر، في عائلة بروتستانتية متدينة. فقد والدته وهو في الثانية من عمره، ثم فقد والده في معركة فردان خلال الحرب العالمية الأولى عام ألف وتسعمئة وخمسة عشر، فتربّى يتيمًا مع أخته في كنف جدّيه في رين. هذه الفجوة الأولى في حياته، فقدان الأب والأم في الطفولة، ظلّت حاضرة في فكره طوال حياته، إذ يمكن القول إن مشروعه الفلسفي كله كان محاولة لفهم كيف يبني الإنسان معنى لحياته وسط الفقدان والألم والشر. درس الفلسفة في جامعة رين ثم في السوربون، وتأثر بغابرييل مارسل وكارل ياسبرز وإدموند هوسرل، واعتقل خلال الحرب العالمية الثانية أثناء الخدمة العسكرية، وقضى نحو خمس سنوات في معسكر أسرى ألماني، وهناك قرأ أعمال هوسرل وكارل بارث وترجم كتاب «أفكار» لهوسرل في ظروف قاسية، ثم أصدره بعد الحرب.


عمل بعد الحرب أستاذًا في جامعة ستراسبورغ ثم في السوربون، وفي عام ألف وتسعمئة وستة وخمسين صار أستاذًا للفلسفة العامة في السوربون، ثم انتقل إلى جامعة نانتير حيث كان من أبرز أساتذتها في سنوات الاضطراب الطلابي عام ألف وتسعمئة وثمانية وستين. وفي عام ألف وتسعمئة وسبعين انتقل إلى الولايات المتحدة ليدرّس في جامعة شيكاغو، حيث بقي نحو خمسة عشر عامًا، وتزامن ذلك مع تدريسه في جامعات أوروبية كثيرة. عاد إلى فرنسا في الثمانينيات، وظل يكتب ويلقي المحاضرات حتى وفاته عام ألفين وخمسة عن اثنتين وتسعين سنة، تاركًا وراءه أكثر من ثلاثين كتابًا، وعشرات المقالات، ومشروعًا فلسفيًا يُعدّ من أوسع المشاريع وأكثرها تنوعًا في القرن العشرين.


كان سؤاله المركزي هو: ما هو الإنسان؟ وكيف نفهمه عبر علاماته وآثاره ونصوصه وأفعاله؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تتحدث عن المعنى بلا أن تغلق المعنى، وأن تفسّر بلا أن تختزل، وأن تحترم غموض التجربة الإنسانية بلا أن تستسلم للاعقلانية؟ كان يرى أن الإنسان كائن «يقول» و«يفعل» و«يحكي» و«يُحكى عنه»، وأن أي فهم له لا يمكن أن يبدأ من الذات وحدها، إنما من الرموز والنصوص والحكايات التي يعبّر بها عن نفسه ويُبنى بها. ولذلك جاءت فلسفته فلسفة التأويل، أي البحث عن المعنى في كثافته وطبقاته، لا في وضوحه السطحي، ولا في يقينه المغلق.


بدأ ريكور من «فلسفة الإرادة»، فكتب «الحرية والإرادة» ثم «الإنسان الخطاء» عام ألف وتسعمئة وستين، حيث درس مشكلة الشر في التجربة الإنسانية، وكيف أن الإنسان لا يُعرف بوصفه بريئًا فقط، إنما بوصفه خطاءً يبحث عن الفداء. ثم انتقل إلى تحليل الرموز والأساطير في كتابه «رمزية الشر» و«تأويل الرموز»، فدرس كيف يعبّر الإنسان عن تجاربه العميقة بالرمز والأسطورة، وكيف يمكن للفلسفة أن تفكّ هذه الرموز بلا أن تُفرغها من معناها. ومن هنا ولد مشروعه في الهرمنيوطيقا، أي علم التأويل والفهم، الذي ربطه بظاهرة النص والقراءة والزمن والسرد.


أما كتابه الأكبر والأكثر تأثيرًا فهو «الزمان والسرد» في ثلاثة مجلدات، صدر الأول عام ألف وتسعمئة وثمانين، والثاني عام ألف وتسعمئة وخمسة وثمانين، والثالث عام ألف وتسعمئة وستة وثمانين. وفيه حاول أن يجيب عن سؤال: كيف نعيش الزمن؟ وكيف نعطيه شكلًا ومعنى؟ وكيف يتحول الزمن إلى «زمن إنساني» من خلال السرد؟ كان يرى أن السرد ليس ترفًا أدبيًا، إنما هو الطريقة التي يعطي بها الإنسان شكلًا لتجربته الزمنية المشتتة، وأن التاريخ والرواية والأسطورة والسيرة الذاتية كلها أشكال من السرد الذي يعيد تشكيل الزمن. ومن هنا جاء مفهومه عن «الهوية السردية»، أي أن الإنسان لا يُعرّف جوهره بخصيصة ثابتة، إنما بالحكاية التي يرويها عن نفسه، وتُروى عنه، ويمكن أن تتغير.


ومن أهم كتبه أيضًا «عن التأويل: مقال في فرويد» عام ألف وتسعمئة وخمسة وستين، حيث حاور فيه التحليل النفسي وكشف عن صراع التأويلات بين تأويل يشكّ في المعنى الظاهر ويبحث عن معنى خفي، وتأويل يستعيد المعنى كامِلًا في رمزه. وكتب «استعارة حية» عام ألف وتسعمئة وخمسة وسبعين، حيث درس الاستعارة لا بوصفها زينة لغوية، بل بوصفها أداة لإنتاج معنى جديد، وقدرة اللغة على قول ما لم يُقل. وكتب «من نص إلى فعل» و«الذات بوصفها آخر» عام ألف وتسعمئة وتسعين، الذي هو من أهم كتبه الأخلاقية والسياسية، وفيه بنى فكرته عن الذات المسؤولة التي لا تُعرّف بذاتها وحدها، بل بعلاقتها بالآخر، وبالعدالة، وبالاعتراف المتبادل. وكتب «الذاكرة، التاريخ، النسيان» عام ألفين، حيث عالج الذاكرة الجماعية والنسيان والعفو، وسأل: كيف نتعامل مع الماضي المأساوي بلا انتقام ولا نسيان؟


تأثر ريكور بجيد وكارل ياسبرز وغابرييل مارسل في بداياته، وبإدموند هوسرل في المنهج الظواهري، وبفرويد وماركس ونيتشه في «مدرسة الشك»، وبأرسطو وأوغسطينوس وهيغل في السرد والزمان، وبإيمانويل ليفيناس في فلسفة الآخر، وبكل من رودولف أوتو وميرتشا إلياده في دراسة الرموز والأساطير. وأثّر ريكور في الفلسفة واللاهوت والعلوم الإنسانية والأدب والقانون والسياسة، وفي مفكرين كثر من بينهم تشارلز تايلور وبول ريكور نفسه صار مدرسة قائمة بذاتها. أسّس مع إيمانويل ليفيناس مجلة «إسبري» وبقيا صديقين رغم اختلافهما، وحاور هابرماس وغادامير وديريدا وجاك لوغوف وغيرهم، وكان جسرًا بين التقليد الظاهري والتأويلي من جهة، وبين الفلسفة التحليلية من جهة أخرى.


انتُقد ريكور كثيرًا، واتُّهم بالغموض والتردد والمساومة بين المدارس، وبأنه لا يريد أن يختار موقفًا واضحًا، فيبدو أنه يريد أن يقول كل شيء في وقت واحد. واتُّهم بأن فلسفته «لا نهائية» في التأويل، وأن مفهوم «الهوية السردية» يجعل الهوية سائلة بلا أساس، وأنه لم يقدّم معيارًا واضحًا للصواب والخطأ في التأويل. كما اتُّهم بالتقارب مع اللاهوت البروتستانتي حتى في كتاباته الفلسفية، وبأنه يجعل الإيمان حاضرًا في ثنايا العقل. لكن منتقديه يعترفون بأنه جعل الفلسفة حوارًا لا محاكمة، وأنه احترم تعقيد التجربة الإنسانية بلا أن يختزلها، وأنه ربط بين الفكر والحياة بلا أن يُسقط أحدهما على الآخر.


يبقى ريكور مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت حاضرة: كيف نفهم أنفسنا عبر حكاياتنا؟ كيف نتعامل مع الماضي الجماعي والذاكرة والنسيان والعفو؟ كيف نُعرّف الهوية بلا أن نغلقها أو نُذيبها؟ كيف نُحاور الآخر بلا أن نُلغيه؟ كيف نعطي معنى لحياتنا وسط الشر والألم والفقدان؟ وكيف تكون اللغة قادرة على إنتاج معنى جديد لا يسبقها؟ لم يقدّم ريكور حلولًا نهائية، لكنه علّمنا أن الفهم لا يأتي من فوق، إنما من داخل النصوص والحكايات والتجارب، وأن الإنسان كائن يسعى إلى معنى، ويقول هذا المعنى، ويحكيه، ويستمع إليه في الآخرين. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا وإنسانيًا ومتسامحًا في الوقت نفسه.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي