آخر الأخبار

أنتوني غيدنز

+حجم الخط-



وُلد أنتوني غيدنز في لندن عام ألف وتسعمئة وثمانية وثلاثين، في عائلة متواضعة تنتمي إلى الطبقة العاملة، وكان والده موظفًا في هيئة النقل بلندن. هذا الأصل المتواضع لم يكن تفصيلًا هامشيًا في حياته، فقد كان أول فرد في عائلته يلتحق بالجامعة، وهو ما جعله يدرك مبكرًا أن التعليم يمكن أن يغيّر المسار الاجتماعي للفرد، وأن الحدود بين الطبقات ليست صلبة كما تبدو. درس علم الاجتماع وعلم النفس في جامعة هل، ثم أكمل دراساته العليا في كلية لندن للاقتصاد، حيث حصل على الدكتوراه، ثم عمل أستاذًا في جامعة كامبريدج، وأصبح واحدًا من أبرز علماء الاجتماع في العالم. وفي عام ألف وتسعمئة وسبعة وتسعين صار مديرًا لكلية لندن للاقتصاد، وهي واحدة من أعرق مؤسسات العلوم الاجتماعية في العالم، وظل في هذا المنصب حتى عام ألفين وثلاثة، حيث حوّلها إلى مؤسسة بحثية منفتحة على العالم، وأدخل فيها إصلاحات واسعة، وأسّس فيها مراكز بحثية مهمة، وجعلها جسرًا بين الأكاديمية والسياسة والإعلام.


لكن شهرته الحقيقية لم تأت من إدارته لكلية لندن للاقتصاد، إنما من مشروعه النظري الطموح، ومن دوره كمستشار سياسي لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير، ومن فكرة «الطريق الثالث» التي صارت شعارًا سياسيًا عالميًا في نهاية التسعينيات. فقد عاش غيدنز لحظة تاريخية خاصة، هي لحظة انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط جدار برلين، حين انفتح سؤال جديد: إلى أين تتجه المجتمعات بعد انتهاء الصراع بين الاشتراكية والرأسمالية؟ وكيف يمكن إعادة تعريف اليسار بعد انهيار نموذجه التقليدي؟ وكيف نبني سياسة تلائم زمن العولمة، لا زمن الدولة القومية المغلقة؟ حاول غيدنز أن يجيب عن هذه الأسئلة، فكتب «الطريق الثالث» عام ألف وتسعمئة وثمانية وتسعين، الذي دعا فيه إلى تجاوز الثنائية التقليدية بين الدولة المتدخلة والسوق الحرة، وإلى بناء سياسة تقوم على المسؤولية المشتركة، والاستثمار في رأس المال البشري، وإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية، والانفتاح على العولمة مع الحفاظ على العدالة الاجتماعية.


لكن إسهام غيدنز الأكبر كان نظريًا، لا سياسيًا. فقد حاول أن يحلّ إحدى أعقد مشكلات علم الاجتماع، وهي المشكلة التي شغلت دوركهايم وفيبر وماركس من قبله: كيف يمكن أن نفهم العلاقة بين الفرد والمجتمع، بين البنية والفاعل، بين الحرية والضرورة؟ كان معظم علماء الاجتماع يميلون إلى أحد الطرفين، فمنهم من يرى أن البنية الاجتماعية تفرض نفسها على الفرد وتحدد سلوكه، ومنهم من يرى أن الفرد هو صانع المجتمع وحرّ في اختياراته. ورأى غيدنز أن كلا الطرفين ناقص، وأن العلاقة بين البنية والفاعل ليست علاقة أحدهما على الآخر، بل علاقة جدلية، ينتج فيها الفاعل البنية، وتنتج فيه البنية الفاعل، في الوقت نفسه. ومن هنا جاءت نظريته الأكثر شهرة، «نظرية البنيوية التكوينية»، التي طرحها في كتابه «البنية والمجتمع» عام ألف وتسعمئة وستة وسبعين، ثم طوّرها في كتابه «دستور المجتمع» عام ألف وتسعمئة وأربعة وثمانين، وهو كتابه النظري الأكبر والأصعب.


في قلب هذه النظرية مفهوم «الازدواجية البنيوية»، أي أن البنية الاجتماعية ليست شيئًا خارج الفاعلين، بل هي في الوقت نفسه نتيجة لممارساتهم وشرطًا لها. البنية ليست قيدًا مفروضًا من الخارج، بل هي أيضًا مجموع القواعد والموارد التي يستخدمها الفاعلون في أفعالهم اليومية. والفاعل ليس مجرد منفّذ للبنية، إنما هو قادر على إعادة إنتاجها أو تغييرها عبر أفعاله. وقد أضاف غيدنز إلى هذا مفهوم «الوعي العملي»، أي المعرفة غير المعلنة التي يمتلكها كل إنسان عن قواعد الحياة الاجتماعية، والتي يمارسها بلا تفكير واعٍ، وتحدّد سلوكه اليومي. ومن هنا اهتم غيدنز بالحياة اليومية، وبالتفاصيل الصغيرة، لأنها عنده ليست تفاصيل، إنما هي الميدان الذي تُنتَج فيه البنية الاجتماعية وتُعاد، لحظة بلحظة، في كل فعل اعتيادي يقوم به الفرد في يومه.


لكن الموضوع الذي غيّر مسار غيدنز الفكري، وأدى به إلى شهرة عالمية أوسع، هو موضوع الحداثة والعولمة. في كتابه «نتائج الحداثة» عام ألف وتسعمئة وتسعين، طرح فكرة أننا لم نخرج من الحداثة، إنما نعيش في «الحداثة المتأخرة»، وهي مرحلة جديدة من الحداثة نفسها، لها سمات مختلفة تمامًا عن الحداثة الكلاسيكية. وأول هذه السمات هي «انفصال الزمان عن المكان»، أي أن العلاقات الاجتماعية لم تعد مرتبطة بالمكان المحلي، إنما صارت ممكنة عبر مسافات بعيدة بلا حاجة إلى لقاء مباشر. وثانيها «آليات التفريغ»، أي العمليات الرمزية مثل النقود والأنظمة الخبيرة، التي تسمح بالتفاعل بين الغرباء بلا معرفة شخصية. وثالثها «التأملية»، أي أن المعرفة لم تعد تعكس الواقع فقط، إنما تعيد تشكيله، لأن المعلومات التي ننتجها عن المجتمع تعود لتغيّر سلوك الناس فيه. وهذه السمات كلها، في نظر غيدنز، هي ما يجعل الحداثة المتأخرة تجربة مشحونة بالمخاطر والفرص في الوقت نفسه.


وفي كتابه «الحداثة والهوية الذاتية» عام ألف وتسعمئة وواحد وتسعين، وسّع غيدنز هذه الفكرة إلى مجال الحياة الشخصية، فطرح سؤالًا جديدًا: كيف يشكّل الفرد هويته في عالم يتسم بعدم اليقين والتغير السريع؟ وكيف يعيش الحياة اليومية وهو محاصر بالمخاطر والمعلومات والقرارات المفتوحة؟ كان جوابه أن الهوية الذاتية لم تعد شيئًا جاهزًا يُورَث أو يُفرَض، إنما هي مشروع انعكاسي، يبنيه الفرد بنفسه عبر خياراته اليومية، ويعيد تشكيله في كل مرحلة من حياته. ولهذا صارت الحياة اليومية عند غيدنز مشروعًا أخلاقيًا، فيه انتقاء وترتيب ومفاوضة مع الذات والآخرين.


ومن أكثر ما أثار الجدل في فكر غيدنز، كتابه «تحول الحميمية» عام ألف وتسعمئة واثنين وتسعين، الذي حلّل فيه التغيرات العميقة في العلاقات الشخصية في المجتمعات الحديثة، وطرح فكرة «العلاقة الخالصة»، أي العلاقة التي لا تُبنى على سبب خارجي مثل الاقتصاد أو العرف أو الضغط الاجتماعي، إنما على المنفعة العاطفية المتبادلة بين الطرفين. ورأى أن هذه العلاقة، رغم أنها صارت أكثر حرية، جعلت الحب والزواج والصداقة أكثر هشاشة وعرضة للتفكك، لأنها لم تعد محمية بالعرف الذي كان يحميها في الماضي، إنما صارت تعتمد على الحوار والتفاهم المستمر، وعلى قدرة الطرفين على إعادة إنتاج العلاقة كل يوم. وقد وسّع هذا الطرح في كتابه «الحب والعلاقات: تحولات الحميمية» و«في عالم بعيد: كيف تعيد العولمة تشكيل حياتنا» عام ألف وتسعمئة وتسعة وتسعين، حيث عالج فيه العولمة بوصفها تجربة يومية تمس حياة الناس في مأكلهم وملبسهم وعملهم وعلاقاتهم، لا مجرد عملية اقتصادية كبرى تحدث في مكان آخر.


من أهم كتبه الأخرى «الرأسمالية والحداثة الاشتراكية»، و«النظام السياسي في العصر الحديث»، و«علم الاجتماع»، وهو كتاب مدرسي ضخم تُرجم إلى عشرات اللغات، وصار مرجعًا أساسيًا في تدريس علم الاجتماع في الجامعات في العالم كله. وكتب «أين يسير اليسار؟»، و«أوروبا في العصر العالمي»، و«السياسة في عصر العولمة»، و«عالم مضطرب»، و«الطريق الثالث»، و«الحياة في عالم منفلت» مع ويل هوتون. كما حرّر مع آخرين موسوعات وكتبًا جماعية كثيرة، وأشرف على مشروعات بحثية كبيرة في كلية لندن للاقتصاد، وظلّ يكتب ويحاضر وينشر حتى بعد تقاعده، ولم يتوقف عن حضور النقاش العام حول العولمة والسياسة والمناخ والمستقبل.


تأثر غيدنز بماركس وفيبر ودوركهايم في تأسيسه لسؤال البنية والفاعل، وبإرفينغ غوفمان في اهتمامه بالحياة اليومية والتفاعل، وبأنتوني غيدنز نفسه تجاوز تأثره بإرنست غيلنر وجون ريكس، وتأثر أيضًا بفلسفة اللغة والظواهر، وبالتحليل النقدي للحداثة عند جورج زيمل ووالتر بنيامين. وأثّر غيدنز في علم الاجتماع والعلوم السياسية والإعلام والدراسات الثقافية، وفي السياسة الأوروبية والبريطانية خصوصًا عبر علاقته بتوني بلير وغيره من قادة اليسار الحديث، وفي النقاش العالمي حول العولمة والهوية والمخاطر. ومع ذلك انتُقد بشدة، واتُّهم بجعل «الطريق الثالث» مجرد تجميل للسياسات النيوليبرالية تحت قناع يساري، وبأنه قدّم لليسار تنازلات كبيرة لصالح السوق على حساب العدالة الاجتماعية، وبأن نظريته في البنيوية التكوينية مجردة وغامضة، وبأنه يبالغ في دور الفاعل الحر في وقت لا يملك فيه الكثير من الناس سوى خيارات محدودة. كما اتُّهم بأن فكرته عن «العلاقة الخالصة» تعكس تجربة الطبقة الوسطى الغربية أكثر مما تعكس تجارب الناس في العالم كله، وبأنه أهمل قضايا الطبقة والفقر العالمي في مقابل اهتمامه بالهوية والحميمية والعولمة.


يبقى غيدنز مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت حاضرة: كيف نبني سياسة تلائم زمن العولمة؟ كيف نفهم العلاقة بين الفرد والمجتمع بلا أن نختزل أحدهما في الآخر؟ كيف نتعرّف على الهوية الذاتية في عالم سريع التغيّر؟ كيف نعيد التفكير في المخاطر التي نواجهها اليوم: المناخ، التكنولوجيا، الأوبئة، الحروب، الذكاء الاصطناعي؟ كيف نفهم الحياة اليومية بوصفها ميدانًا للسلطة والحرية والإبداع معًا؟ لم يقدّم غيدنز إجابات نهائية، لكنه علّمنا أن الحداثة تجربة مفتوحة لا مكتملة، وأن المجتمع ليس شيئًا جاهزًا يُدرس من الخارج، بل هو شيء يُصنع ويُعاد صنعه كل يوم في أفعالنا الصغيرة. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومركزيًا، حتى في النقد الذي وُجّه إليه، لأنه فتح أسئلة ما زالت تشغلنا في هذا العالم الذي يعيشه الجميع على حافة الانهيار والانفتاح في الوقت نفسه.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي