آخر الأخبار

هانز جورج جادامير

+حجم الخط-



وُلد هانز جورج جادامير في ماربورغ بألمانيا عام ألف وتسعمئة، في عائلة علمية، إذ كان والده أستاذًا في الصيدلة وأراد لابنه أن يسلك طريق العلوم الطبيعية. لكن الابن اختار الفلسفة، ودرس في ماربورغ وفرايبورغ وميونيخ، وتتلمذ على يد نيكولاي هارتمان ومارتن هايدغر، الذي بقي وفيًّا له طوال حياته، وإن تجاوز أسلوبه ومشروعه. عاش جادامير عمرًا طويلًا امتد قرنًا كاملًا تقريبًا، فقد توفي عام ألفين واثنين عن عمر يناهز اثنين ومئة واثنين عامًا، وكان حتى آخر أيامه يكتب ويلقي المحاضرات ويحاور طلابه. لم يكن أستاذًا عاديًا في هايدلبرغ وماربورغ وليبزيغ فقط، إنما صار واحدًا من أكبر فلاسفة القرن العشرين، وواحدًا من آخر من حملوا تقليد الفلسفة الألمانية الكبرى.


كان سؤاله المركزي هو: ما هو الفهم؟ وكيف نفهم نصًا أو عملًا فنيًا أو شخصًا أو حضارة؟ وهل الفهم عملية إعادة إنتاج لما قاله المؤلف، أم عملية إبداعية جديدة؟ كان يرى أن الفهم ليس مجرد إدراك لعقل مؤلف آخر، إنما هو حدث وجودي يشارك فيه الفاهم والمفهوم معًا، ويحدث فيه ما أسماه «اندماج الآفاق»، أي التقاء أفق القارئ وأفق النص في أفق واحد أوسع. لا يذوب أحدهما في الآخر، ولا يفرض أحدهما نفسه على الآخر، إنما يحدث حوار حقيقي يغيّر الطرفين.


بدأ جادامير حياته الفكرية بدراسة الفلسفة اليونانية، وكتب أطروحته عن أفلاطون، وظل أفلاطون وأرسطو حاضرين في كل أعماله. لكن كتابه الأكبر والأشهر هو «الحقيقة والمنهج» عام ألف وتسعمئة وستين، الذي أثار جدلًا واسعًا وما زال يُعدّ من أهم كتب الفلسفة في القرن العشرين. في هذا الكتاب، حاول أن يبيّن أن الحقيقة لا تأتي فقط من المنهج العلمي، وأن تجربة الفن وتجربة التاريخ وتجربة اللغة تحمل حقيقة أعمق من أي منهج. وأن الفهم ليس أداة نتحكم بها، إنما هو الطريقة التي نوجد بها في العالم. نحن كائنات فاهمة قبل أن نكون كائنات عالمة، والحوار مع التراث ليس خضوعًا له، إنما مشاركة حيّة فيه.


من مفاهيمه الأساسية «الأفق»، أي الإطار الذي نفهم منه، و«اندماج الآفاق» الذي هو جوهر الفهم. ومنها «التاريخ المؤثّر»، أي أننا لا نفهم من موقع محايد، إنما من داخل تاريخ يسبقنا ويشكّلنا، وأن وعينا نفسه نتاج تقاليد سابقة. ومنها «التحيّز المخصب»، أي أن أحكامنا المسبقة ليست كلها عيوبًا يجب التخلص منها، إنما بعضها شرط للفهم. ومنها «الحوار» بوصفه نموذج المعرفة، لا الجدل الذي يريد الانتصار، إنما الحوار الذي يريد الوصول إلى الحقيقة المشتركة. ومنها «الاندماج» بين أفق النص وأفق القارئ، حيث لا يتنازل أحدهما عن نفسه، بل يتسع كل منهما في لقاء الآخر.


لكن إسهام جادامير لم يقتصر على الهرمنيوطيقا، امتد إلى الجماليات والفلسفة العملية والأخلاق والسياسة. كتب عن أفلاطون وأرسطو وهيغل وهوسرل وهايدغر، وكتب عن الفن واللغة والصحة والطب. وكان يرى أن الفلسفة ليست مهنة أكاديمية، إنما حوار لا ينتهي مع التراث ومع الآخرين. عاش العصر النازي في شبابه، وقد اتُّهم لاحقًا بالتسامح مع النظام في بداياته، لكنه بعد الحرب صار صوتًا للعقل والحوار والتسامح، ودافع عن أوروبا بوصفها مشروعًا ثقافيًا لا اقتصاديًا فقط.


انتُقد جادامير كثيرًا، واتُّهم بالنسبية وبإضفاء الشرعية على التقاليد دون نقد كافٍ لها، وبأنه يذوّب الحقيقة في الفهم، وبأنه يفتح الباب للتأويلات اللانهائية بلا معيار. كما اتُّهم بالتحفظ السياسي وبعدم اتخاذ موقف واضح من ماضي ألمانيا النازية. وجرت بينه وبين هابرماس سلسلة من المناقشات الشهيرة حول العقل والنقد والتقليد، وحول إمكان نقد التقاليد من الداخل أو من الخارج. لكن حتى منتقدوه يعترفون بأنه غيّر طريقة تفكيرنا في الفهم واللغة والتاريخ، وأنه جعل من الحوار مفهومًا مركزيًا في الفلسفة والعلوم الإنسانية والفكر السياسي.


يبقى جادامير مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت حاضرة: كيف نفهم الآخر؟ كيف نقرأ النص بلا أن نختزله في نيات المؤلف؟ كيف نحاور من يختلف عنا دون أن نلغيَه أو نذوّبه فينا؟ كيف نعيش في عالم متعدد الثقافات دون أن نفقد هويتنا؟ وكيف نبني معرفة إنسانية تشاركية، لا معرفة تفرض نفسها من فوق؟ لم يقدم جادامير وصفة جاهزة، إنما علّمنا أن الفهم مغامرة، وأن الحوار ليس ضعفًا، إنما  قوة، وأن الحقيقة ليست ملكًا لأحد، إنما ثمرة لقاء بين العقول والقلوب والتقاليد. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا وملهِمًا وهادئًا في الوقت نفسه.

  • فيس بوك
  • بنترست
  • تويتر
  • واتس اب
  • لينكد ان
  • بريد
author-img
Amjad Ali Nayouf

عدد المقالات:

شاهد ايضا × − +
إظهار التعليقات
  • تعليق عادي
  • تعليق متطور
  • عن طريق المحرر بالاسفل يمكنك اضافة تعليق متطور كتعليق بصورة او فيديو يوتيوب او كود او اقتباس فقط قم بادخال الكود او النص للاقتباس او رابط صورة او فيديو يوتيوب ثم اضغط على الزر بالاسفل للتحويل قم بنسخ النتيجة واستخدمها للتعليق

X
ستحذف المقالات المحفوظة في المفضلة ، إذا تم تنظيف ذاكرة التخزين المؤقت للمتصفح أو إذا دخلت من متصفح آخر أو في وضع التصفح المتخفي