وُلد جون فون نيومان، واسمه الأصلي مارغيت يانوش لایوش نیمان، في الثامن والعشرين من ديسمبر عام1903 في بودابست عاصمة المجر، في عائلة يهودية ميسورة ومثقفة، إذ كان والده ماكس نيومان محاميًا بارزًا في المجال المصرفي، وقد مُنح لقب النبالة "فون" عام 1913، فصار اسمه يانوش فون نيومان، ثم صار في أمريكا جون فون نيومان . كان طفلًا معجزة بمعنى الكلمة: في السادسة من عمره كان يقسم أعدادًا ذات ثمانية أرقام في رأسه، وفي الثامنة كان يقرأ كتب التفاضل والتكامل بالمجموعة، وكان أبوه يوظف له أساتذة خصوصيين لتعليمه اللغات والرياضيات، وكانت لغته الأم المجرية، لكنه تعلّم الفرنسية والألمانية والإنجليزية والإيطالية بطلاقة، وكان في شبابه يعرف سبع لغات . درس في مدرسة لوتاران في بودابست، وكان من زملائه في الصف يوجين ويغنر الذي سيصبح عالم فيزياء حاصلًا على نوبل، وكانا يحلان مسائل رياضية معًا . وفي عام 1921، حين كان في الثامنة عشرة، نشر أول بحث له مع مايكل فِكِتِه في نظرية الحدود متعددة الحدود، وهو بحث ما زال يُستشهد به حتى اليوم، وأثبت فيه حدسية فيرینتسي التي كانت مفتوحة منذ نحو أربعين سنة .
درس الكيمياء في جامعة بودابست، ثم انتقل إلى برلين حيث درس الرياضيات على يد ألبرت أينشتاين وشميدت، ثم إلى زيورخ حيث درس على يد هرمان فايل في المعهد الفدرالي السويسري، وحصل على شهادة في الهندسة الكيميائية عام 1925، ثم على الدكتوراه في الرياضيات من جامعة بودابست عام 1926 بأطروحة في نظرية المجموعات . وفي عام 1930، وبعد صعود النازية في ألمانيا وتراجع الأوضاع في المجر، هاجر إلى الولايات المتحدة، ودرّس في جامعة برينستون ثم في معهد الدراسات المتقدمة الذي أسّسه أينشتاين في برينستون، حيث كان أحد أعضائه الأوائل . وفي عام 1933، انتُخب عضوًا في الأكاديمية الوطنية للعلوم، وكان وقتها أصغر عضو في تاريخها . وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، انضم إلى مشروع مانهاتن في مختبر لوس ألاموس، حيث عمل على تصميم المتفجرات الداخلية للقنبلة الذرية، وأعطى حلولًا رياضية لمشكلات الانفجار والضغط . وفي عام 1945، أصدر مع أوسكار مورغينستيرن كتاب «نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي»، الذي أسّس نظرية الألعاب كعلم رياضياتي . وفي عام 1944 و1945، وضع ما صار يُعرف بـ«معمارية فون نيومان» للحاسوب، التي تعتمد على برنامج مخزّن في الذاكرة، والتي هي أساس كل الحواسيب حتى اليوم . وقد توفي في الثامن من فبراير عام 1957 في واشنطن، عن ثلاثة وخمسين عامًا، بسبب السرطان .
كان سؤال فون نيومان المركزي واسعًا بحجم عقله الموسوعي: كيف نُصوغ الرياضيات بوصفها لغة الطبيعة والسلوك والاستراتيجية؟ وكيف نستخدمها في الفيزياء والاقتصاد والحاسوب والحرب والسلام؟ وكيف تُبنى النماذج الرياضية التي تصف عالمًا لا يمكن التنبؤ به بلا يقين؟ لم يكن فون نيومان فيلسوفًا بالمعنى التقليدي، إنما كان رياضياتيًا تطبيقيًا بمعنى الكلمة، يرى أن الرياضيات أداة الفكر الأقوى، وأن أي علم لا يستعمل الرياضيات يبقى ناقصًا . وقد قال جملته الشهيرة: «إذا لم يظن الناس أن الرياضيات بسيطة، فذلك لأنهم لا يدركون مدى تعقيد الحياة» . وقال أيضًا: «في الرياضيات لا تفهم الأشياء، إنما تتعود عليها» .
في الرياضيات الصرفة، أسّس فون نيومان "نظرية الألعاب"، وأدخل مفهوم "الاستراتيجية المختلطة"، وأثبت "نظرية المينيمكس" عام 1928، وهي التي تقول إن لكل لعبة بين لاعبين صفريّة المجموع استراتيجية مختلطة توازنية، أي استراتيجية تحقق أفضل نتيجة ممكنة في أسوأ الحالات . وقد وسّع هذه النظرية في «نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي» مع مورغينستيرن، حيث قدّما معًا نظرية المنفعة المتوقعة، وأسّسا لفهم السلوك العقلاني في ظل عدم اليقين، وصار هذا الكتاب أساسًا لكل اقتصاد حديث، من نظرية الأسواق إلى نظرية المفاوضات إلى نظرية المزادات إلى الاقتصاد التجريبي .
وفي "الحوسبة"، كان فون نيومان أول من صاغ فكرة «البرنامج المخزّن»، أي أن التعليمات والبيانات تُخزَّن في نفس الذاكرة، وأن الحاسوب يقرأها وينفذها بلا حاجة إلى تغيير الأسلاك أو إعادة توصيل الدوائر . وقد كتب هذه الفكرة في «مسودة تقرير عن EDVAC» عام 1944، وهو تقرير صغير الحجم عظيم الأثر، صار أساسًا لتصميم كل الحواسيب الحديثة، من حاسوب EDVAC إلى حواسيب اليوم . وقد سُميت هذه البنية «معمارية فون نيومان»، وهي تعتمد على وحدة معالجة مركزية وذاكرة تخزين ووحدات إدخال وإخراج، وبرنامج يُخزَّن في الذاكرة. وقد قاد بنفسه بناء حاسوب IAS في معهد الدراسات المتقدمة عام 1951، الذي صار نموذجًا لكل الحواسيب بعده .
وفي "الفيزياء والرياضيات التطبيقية"، شارك فون نيومان في مشروع مانهاتن، وأسهم في نظرية الانفجارات والموجات الصدمية، وشارك في تطوير طريقة مونت كارلو مع ستانيسواف أولام، وهي طريقة إحصائية لحل مشكلات رياضية معقدة باستخدام الأرقام العشوائية، وصارت اليوم أداة أساسية في الفيزياء والهندسة والاقتصاد والذكاء الاصطناعي . وقد عمل أيضًا على نظرية الطقس والتنبؤ الجوي، وكان من أوائل من استعملوا الحاسوب في التنبؤ بالطقس . وكتب في نظرية المشغلات، و"جبر فون نيومان"، و"حلقات فون نيومان"، وهي فروع أساسية في الرياضيات الحديثة، و"هندسة فون نيومان المستمرة" التي استخدمها في نظرية الكم .
وفي "الرياضيات والمنطق"، أسهم في نظرية المجموعات، وفي نظرية الأعداد، وفي نظرية القياس، وفي نظرية الاحتمالات، ووضع أسسًا لنظرية الأتمتة التي صارت لاحقًا أساسًا لعلم الحاسوب النظري .
لم يكن فون نيومان غافلًا عن الأسئلة الأخلاقية التي طرحها العلم الذي شارك في صنعه. فقد كان أحد الموقعين على البيان الذي وقّعه أينشتاين وعدد من العلماء عام 1946، والذي دعا إلى إنشاء حكومة عالمية للسيطرة على السلاح النووي، وقال فيه إن الأسلحة الذرية جعلت الحاجة إلى السلام ضرورة وجودية لا خيارًا أخلاقيًا . ومع ذلك، ظل فون نيومان مستشارًا للحكومة الأميركية والجيش طوال حياته، وشارك في مشروعات الدفاع وفي تطوير الصواريخ الباليستية، ودعا إلى شن ضربة نووية وقائية على الاتحاد السوفيتي في بعض مراحل الحرب الباردة، وهو موقف أثار جدلًا أخلاقيًا واسعًا حوله . ويقول عنه من عرفه إنه كان يرى أن العلم والسياسة مجالان مختلفان، وأن على العالم أن يقول الحقيقة العلمية، وأن على السياسي أن يقرر ما يفعل بها، وهو فصل لا يقبله كثير من الفلاسفة والأخلاقيين .
أثّر فون نيومان في كل مجال دخل فيه: في الاقتصاد عبر نظرية الألعاب، وفي علوم الحاسوب عبر معمارية البرنامج المخزّن، وفي الفيزياء عبر طريقة مونت كارلو والنظرية النووية، وفي الرياضيات الصرفة عبر جبر المشغلات والهندسة المستمرة، وفي الأرصاد الجوية، وفي علم الأحياء النظري، وفي نظرية الأتمتة، وفي الإحصاء، وفي بحوث العمليات . وقد قال عنه هانز بيث إنه «آخر رياضي عالمي»، بمعنى أنه كان يعرف كل الرياضيات المعروفة في زمانه، وكتب فيها كلها . وقال عنه يوجين ويغنر إنه كان يرى في الرياضيات «لعبة الفكر» لا أكثر، ومع ذلك استطاع أن يجعلها أداة تغيير العالم .
لكنه انتُقد بشدة أيضًا. اتُّهم بالعمل على الأسلحة النووية وبتقديم المشورة للحرب، وأنه فصل العلم عن الأخلاق فصلًا لا يجوز . واتُّهم في نظرية الألعاب بأنه قدّم تصورًا للعقلانية يفترض أن اللاعبين عقلانيون دائمًا، بينما الواقع أن البشر كثيرًا ما يتصرفون بلا عقلانية، وأن هذا الافتراض يحدّ من قدرة النظرية على تفسير السلوك الواقعي . واتُّهم في الاقتصاد بأنه ألغى الاعتبارات الأخلاقية والسياسية من تحليل السوق، وأنه حوّل الإنسان إلى آلة حسابية تبحث عن الفائدة، وهذا ما دفع بعض الاقتصاديين إلى البحث عن نماذج بديلة .
يبقى فون نيومان مهمًا اليوم لأن أسئلته ما زالت حاضرة: كيف نبني حاسوبًا يحاكي العقل؟ كيف نُفكّر في الاستراتيجية والصراع والتعاون في عالم تتنافس فيه الدول؟ كيف نستعمل الرياضيات في الاقتصاد والفيزياء والبيولوجيا؟ ما العلاقة بين العلم والأخلاق؟ وهل يمكن أن يكون العقل الرياضي محايدًا؟ لم يقدّم فون نيومان وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن الرياضيات ليست ترفًا نظريًا ‘إنما قوة تغيّر التاريخ، وأن الفكر الأقوى هو الذي يستطيع أن ينتقل بين المجالات ويبني الجسور بينها، وأن الحواسيب التي بُنيت بمعماره صارت اليوم جزءًا من حياتنا اليومية كما صار الهواء الذي نتنفسه. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومؤسسًا وملهمًا، كما كان في حياته.

تعليقات: (0) إضافة تعليق