وُلد هاري غوردون فرانكفورت في التاسع والعشرين من مايو عام ألف وتسعمئة وتسعة وعشرين في ولاية بنسلفانيا، في بيتٍ لم يكن بيته الحقيقي، إذ وُلد في منزل للأمهات غير المتزوجات باسم ديفيد برنارد شتيرن، ولم يعرف والديه البيولوجيين قط، ثم تبنّته بعد ولادته عائلة يهودية من الطبقة الوسطى، فأعطته اسمه الجديد وربّته في بروكلين وبالتيمور. كانت أمه بالتبني معلّمة بيانو، وكان أبوه بالتبني محاسبًا، وكان البيت هادئًا ومتواضعًا، بعيدًا عن أي أجواء أكاديمية أو فلسفية. درس في جامعة جونز هوبكنز، وحصل على البكالوريوس في الفلسفة عام ألف وتسعمئة وتسعة وأربعين، ثم قضى عامين في جامعة كورنيل، ثم عاد إلى هوبكنز وحصل على الدكتوراه في الفلسفة عام ألف وتسعمئة وأربعة وخمسين. وبعد سنوات قليلة من الخدمة في الجيش، بدأ مساره الأكاديمي في جامعة ولاية أوهايو، ثم في جامعة ولاية نيويورك في بينغهامتون، ثم في جامعة روكفلر حيث ترأس قسم الفلسفة بين عامي ألف وتسعمئة وخمسة وستين وسبعمئة وواحد وسبعين، ثم انتقل إلى جامعة ييل عام ألف وتسعمئة وستة وسبعين حيث ترأس القسم بين عامي ألف وتسعمئة وثمانية وسبعين وسبعمئة وسبعة وثمانين، ثم إلى جامعة برينستون عام ألف وتسعمئة وتسعين حيث بقي حتى تقاعده عام ألفين واثنين. توفي في السادس عشر من يوليو عام ألفين وثلاثة وعشرين عن أربعة وتسعين عامًا، بعد حياة أكاديمية طويلة، لكنه لم يصبح مشهورًا خارج الأوساط الفلسفية إلا في سنواته الأخيرة، حين نشر كتابًا صغيرًا عن «الهراء» أصبح من أكثر الكتب مبيعًا في العالم.
كان سؤاله المركزي يدور حول ثلاثة محاور متصلة: ما الذي يجعل الإنسان شخصًا؟ وما الذي يجعل الفعل حرًّا؟ وما معنى أن يهتم الإنسان بشيء ما؟ وقد بدأ من مشكلة الحرية والمسؤولية الأخلاقية، ثم انتهى إلى سؤال الاهتمام والحب، ورأى أن هذه الأسئلة ليست منفصلة، إنما هي أوجه لسؤال واحد: كيف يكون الإنسان هو نفسه، وكيف تكون حياته ذات معنى؟ ومن هنا جاءت مساهماته في فلسفة العقل والأخلاق وعلم النفس الأخلاقي، وهي مساهمات قليلة العدد لكنها عميقة الأثر، حتى إن كثيرًا من الفلاسفة يعتبرون مقالته «حرية الإرادة ومفهوم الشخص» عام ألف وتسعمئة وواحد وسبعين من أعظم المقالات في فلسفة العقل في القرن العشرين.
في هذه المقالة، طرح فرانكفورت تمييزًا بين «الرغبات» و«الإرادات»، وبين الرغبات من الرتبة الأولى والرغبات من الرتبة الثانية. الرغبة من الرتبة الأولى هي رغبة في شيء في العالم، كأن تشتهي طعامًا أو تريد شراء سيارة. أما الرغبة من الرتبة الثانية فهي رغبة في أن تكون لك رغبة معينة، كأن تريد أن تشتهي الطعام الصحي، أو تريد ألا تشتهي التدخين. وعندما تصبح الرغبة من الرتبة الثانية فعّالة، أي أن صاحبها يلتزم بها ويسعى إلى تحقيقها، تصبح «إرادة من الرتبة الثانية». وفرانكفورت يرى أن هذه القدرة على الرغبة في الرغبة هي ما يميز الشخص عن مجرد الكائن الذي له رغبات. فالشخص لا يكتفي بأن له رغبات، إنما يهمه أي رغباته تتحقق، ويعرّف نفسه من خلال بعضها دون بعض. أما الكائن الذي لا يهمه أي رغباته تتحقق، فيسميه فرانكفورت «الوانتون» أو «المتلهّي»، وهو كائن له رغبات يتبعها بلا تفكير في أيها يريد أن تكون رغباته. ويرى فرانكفورت أن الإنسان قد يكون وانتونًا في بعض الأوقات، كما في حالة المدمن الذي يتبع رغبته في المخدرات رغم أنه لا يريد أن تكون له هذه الرغبة. ومن هنا جاء تعريفه للحرية: الفعل الحر ليس الفعل الذي يصدر من رغبة عابرة، إنما الفعل الذي يصدر من رغبة يوافق عليها صاحبها على مستوى أعمق، ويتبناها بوصفها جزءًا من ذاته. فالإنسان غير حر عندما يكون مقهورًا على رغبة لا يوافق عليها، أو عندما يكون غريبًا عن نفسه، منقسمًا بين ما يريده وما يريد أن يريده.
وفي مقالته «الاحتمالات البديلة والمسؤولية الأخلاقية» عام ألف وتسعمئة وتسعة وستين، طرح فرانكفورت ما صار يُعرف بـ«حالات فرانكفورت»، وهي تجارب فكرية تهدف إلى اختبار المبدأ الذي ساد في تاريخ الفلسفة، وهو أن الإنسان مسؤول أخلاقيًا عن فعله فقط إذا كان قادرًا على أن يفعل غير ما فعل. ففي إحدى هذه الحالات، يزرع والد أليسون شريحة إلكترونية في دماغها دون علمها، وهذه الشريحة ستجبرها على أن تمشي كلبها، لكن أليسون تقرر بنفسها في صباح أحد الأيام أن تمشي الكلب، فلا تتدخل الشريحة. في هذه الحالة، لم تكن أمام أليسون فرصة حقيقية لفعل غير ما فعلت، لأن الشريحة كانت ستمنعها لو تراجعت، ومع ذلك يرى فرانكفورت أنها مسؤولة أخلاقيًا عن فعلها، لأنها فعلت ما فعلت بمحض إرادتها ووفقًا لرغبتها. ويستنتج من ذلك أن المسؤولية الأخلاقية لا تتوقف على وجود بدائل ممكنة، إنما على العلاقة بين الفاعل وإرادته، وأن الحرية والمسؤولية يمكن أن توجدا حتى في عالم تحكمه الحتمية. وقد أثارت هذه الحالات نقاشًا واسعًا في فلسفة الحرية، ولا يزال كثير من الفلاسفة يرون أنها لم تنجح في إبطال مبدأ الاحتمالات البديلة، لكنها غيرت شكل النقاش نفسه، وأصبحت جزءًا أساسيًا من المناقشات المعاصرة في الإرادة الحرة والمسؤولية.
ثم جاء سؤال «الاهتمام» أو «الرعاية»، وهو السؤال الذي شغل فرانكفورت في سنواته الأخيرة. ورأى أن الفلسفة ركّزت طويلًا على سؤالين: ماذا نعرف؟ وماذا نفعل؟ وأهملت سؤالًا ثالثًا لا يقل أهمية: بماذا نهتم؟ وميّز بين «الاهتمام» و«الرغبة» بأن الاهتمام ليس رغبة عابرة، إنما موقف مستمر من الإرادة، يجعل الشيء مهمًا لصاحبه، ويشكّل شخصيته وهوّيته. وذهب إلى أن الاهتمام هو الذي يخلق الأهمية، لا أن الأهمية تسبق الاهتمام. فالأشياء تصبح مهمة لنا لأننا نهتم بها، لا لأنها مهمة في ذاتها ثم نقرر أن نهتم بها. وفي «أسباب الحب» عام ألفين وأربعة، طوّر هذا المفهوم، ورأى أن الحب هو أعلى صور الاهتمام، وأنه اهتمام غير طوعي وغير أناني بازدهار ما نحب، وأن الحب هو الذي يعطي حياتنا معناها ويمنحها اتجاهًا، وأن حب الذات الحقيقي ليس الأنانية، إنما الالتزام بإيجاد معنى في الحياة.
لكن الكتاب الذي جعله معروفًا خارج الأوساط الأكاديمية هو «في الهراء» عام ألفين وخمسة، وهو في الأصل مقالة أكاديمية كتبها عام ألف وتسعمئة وستة وثمانين، ثم نُشرت في كتاب صغير صار من أكثر الكتب مبيعًا في العالم. في هذا الكتاب، طرح فرانكفورت سؤالًا بسيطًا وعميقًا: ما هو الهراء؟ وكيف يختلف عن الكذب؟ ورأى أن الهراء ليس كذبًا، لأن الكاذب يخفي الحقيقة ويعرفها، فهو يهتم بالحقيقة على طريقته، إذ يعرف أنها مهمة حتى يخفيها. أما من يهرأ فهو لا يهتم بالحقيقة أصلًا، ولا يهتم بكذبها ولا بصدقها، إنما يريد فقط أن يترك انطباعًا عن نفسه، وأن يقول ما يخدم غرضه، دون أي التزام بالصدق أو الكذب. ولهذا قال فرانكفورت جملته الشهيرة إن «الهراء عدو الحقيقة أكبر من الكذب»، لأن الكاذب على الأقل يعترف بأن الحقيقة مهمة، أما من يهرأ فيغيّر قواعد اللعبة نفسها، ويلغي مسألة الصدق والكذب من الأساس. وقد رأى أن الهراء في السياسة والإعلام والأوساط الأكاديمية أخطر من الكذب لأنه يُنتج ثقافة من اللامبالاة بالحقيقة، وهي ثقافة تهدد الديمقراطية نفسها. وقد صار هذا الكتاب في زمن انتشار الأخبار الكاذبة ووسائل التواصل الاجتماعي أكثر ارتباطًا بعصرنا مما كان وقت كتابته.
وانتُقد فرانكفورت في هذا الكتاب من بعض الفلاسفة، لا لأنهم يرون الهراء غير مهم، إنما لأنهم يرون تعريفه للهراء غامضًا في بعض جوانبه، وأنه لا يقدّم معيارًا واضحًا للتمييز بين الهراء وأنواع أخرى من الكلام الذي لا يلتزم بالحقيقة. كما انتُقد في أخلاقه بأنه يجعل الاهتمام والحب أساس القيمة، وأنه لا يقدّم معيارًا موضوعيًا لما يستحق أن نهتم به، وأن مذهبه يمكن أن يبرر أي اهتمام مهما كان غريبًا أو ضارًا. وانتُقد في فلسفة الحرية بأن حالات فرانكفورت تفترض تصورًا معينًا للإرادة والهوية لا يوافق عليه كل الفلاسفة، وأنها لا تنجح في إثبات أن المسؤولية لا تحتاج إلى بدائل حقيقية. لكن هذه الانتقادات كلها لا تمس حقيقة أن فرانكفورت غيّر شكل النقاش في فلسفة الحرية، وأنه طرح سؤال الاهتمام والحب في وقت كان الفلاسفة يهتمون فيه بالمعرفة والأخلاق أكثر من اهتمامهم بالمعنى، وأنه كتب عن الهراء كتابًا صار جزءًا من الثقافة العامة لا من الفلسفة الأكاديمية وحدها.
يبقى هاري فرانكفورت مهمًا اليوم لأن أسئلته باتت أسئلة عصرنا: ما الذي يجعل الإنسان شخصًا لا مجرد كائن له رغبات؟ ما معنى أن يكون الفعل حرًّا في عالم تحكمه الأسباب؟ بماذا نهتم ولماذا؟ ما الفرق بين الكذب والهراء في زمن الإعلام والمنصات الرقمية؟ كيف نحمي الحقيقة من ثقافة اللامبالاة بها؟ وكيف يعطي الحب والاهتمام لحياتنا معنى؟ لم يقدّم فرانكفورت وصفة جاهزة، لكنه علّمنا أن الفلسفة يمكن أن تكون واضحة وقصيرة وعميقة في الوقت نفسه، وأن أعظم الأسئلة يمكن أن تُطرح بأبسط اللغات، وأن الاهتمام بما نفعله قد يكون أهم من المعرفة بما نعرفه. ولهذا يبقى حضوره في الفكر الإنساني حيًّا ومؤثرًا ومفيدًا، كما كانت حياته كلها.
تعليقات: (0) إضافة تعليق